الحلقة الثانية

(6)  فكرٌ ثريٌّ وقلــــــــــــمٌ سيّالٌ

لقد وجد أحمد رضا حوحو في الصّحافة مجالاً خصبا من مجالات الإنتاج الفكري والأدبي حيث ظهر إبداعه، وتميّزه، وغزارة عطائه وسخاؤه الذي يدلُّ على غناه في زمن القحط الثّقافي، والجدب الفكري، والاستبداد الفرنسي. فممّا ساهم فيه مساهمة فعّالةً تنوّع كتاباته بين المقالة، والمسرحية، والقصّة القصيرة. ففي المقالة نجد واقعية الكاتب في معالجة المستجدّات، والوقائع، والأمراض الاجتماعية. ولذلك تنوّعت مقالاته إلى:

*  المقالة السّيّاسية التي تعالج قضايا الوطن والوطنية، وتنبّه إلى مخاطر الاحتلال وأهدافه التي يسعى إلى تحقيقها.

* المقالة الاجتماعية التي تعنى بتنمية الحس الاجتماعي الحضاري، وتعالج أمراضه وآفاته، وتنبّه إلى سلبياته.

* المقالة الأدبية ذات الأسلوب المتميّز، والتي من خلالها ينمو الذّوق الأدبي ويسمو عند من يتطلّع إلى ذلك من المهتمّين بالأدب العربي.

(7) الأديب الفاضل يعرف الفضل لأهله

أهل الفضل يعرفون الفضل لأهله، ومن كان كذلك لا يمنعه مانعٌ من التنقيب عن فضائل من يعرف خصالهم من العلماء والأدباء والكتاب والمثقّفين والباحثين، والأديب أحمد رضا حوحو كتب ست مقالات في جريدة البصائر عن ستّة من أساتذة معهد عبد الحميد بن باديس وهم : النّعيم النّعيمي- أحمد حمّاني – عبد الرحمان شيبان – عبد القادر الياجوري – العبّاس بن الشّيخ الحسين – حمزة بوكوشة

(8)  بين الحجاز والجزائر .. غادة أمّ القرى

لعلّ أهمّ كتاب اشتهر به الأديب الشهيد أحمد رضا حوحوغادة أم القرى” وهو قصّة نشرها سنة 1947م صوّر فيها معاناة المرأة الحجازية، وما تجده من حرمان هضمها حقوقها في التعليم، وفي الرّأي، و في المساهمة الخيرية في المجتمع، ومن خلال هذه القصّة اتّضح أنّه لفت الأنظار إلى أنّ المرأة الجزائرية معنية بهذا يهمّشها خارج دينها ، لكونها تعاني نفس معاناة المرأة الحجازية لوجود المشترك الجامع بينهما وهو حرمانها من حقوقها، وهذا يدلّ على أنّ الجهل الذي كان سائدا في بلاد الحجاز ليس له أيُّ علاقة بالإسلام -الذي أعطى للمرأة كامل حقوقها غير منقوصة-، كما يدل على أنّ الاحتلال الفرنسي للجزائر هو من عمل على توظيف الجهل في المجتمع الجزائري حتى غرس فيه – بما قنّنه من مشاريع ثقافية – الأمّيّة الثّقافية والعلمية والحضارية قصد تنويمه وإدخاله في سراديب مظلمة من الجهل، وإلهائه عن دور كل من الرّجل والمرأة، وهي صورة قاتمة تشوّه مقاصد الإسلام وشرائعه.

فما توارثه المجتمع الحجازي عن المرأة هو الذي ساهم في رسم صورة غير صحيحة عن الإسلام، بحيث صار المتعارف عليه بين الناس هو ما لم يأت به الدّين الإسلامي، وهي الحال نفسها التي كان عليها المجتمع الجزائري أثناء الاحتلال الفرنسي ومازالت قائمة إلى الآن كإرث فرنسي لم يتحرر منه المجتمع الجزائري إلى غاية السّاعة .. فلذلك كانت قصّة غادة أمّ القرى مهداة إلى بنت الجزائر حيث خاطبها قائلاً: ” إلى تلك التي تعيش محرومة من الحبّ.. من نعمة العلم… من نعمة الحرّيّة. إلى تلك المخلوقة البائسة المهملة في هذا الوجود، إلى المرأة الجزائرية، أقدّم هذه القصّة تعزية وسلوى

إنّ قصّة غادة أمّ القرى بحاجة إلى دراسات تتضح فيها أبعاد الكاتب من وراء تأليفه لها، مع عقد مقارنة بين ما كانت عليه المرأة المسلمة في عصور الإسلام الذّهبية، وما جرّته إليها تعاليم الجهل التي غزت العالم الإسلامي بعد عصر الضّعف الذي اصطحب معه كل ألوان التخلّف.

(9) مسرحيات وقصص الكاتب حوحو

لقد ساهم أحمد رضا حوحو مساهمة كبيرة في كتابة مسرحيات ذات أبعاد ومقاصد سياسية، واجتماعية، وتاريخية، وتربوية. والتي منها:

  • عنبسة” وهي مسرحية سياسية عاطفية تقع في ثلاثة فصول، لايسع الدارس لأدب حوحو إلاّ أن ينوّه بها.
  • بائعة الورد” مأساة في خمسة فصول.
  • الأستاذ” وهي مسرحية هزلية تتألّف من فصل واحد، يدين من خلالها بقسوة المحيط الاجتماعي وما يعجّ به من نفاق وانتهازية. 
  • دار الشّرع” أو دار الخصومة، في ثلاثة فصول تناول فيها شخصية المأمون الخليفة العباسي وما كان يعجّ به القصر من صور سلبية وإيجابية.
  • نماذج بشرية ” وتضمُّ مجموعة من الأحاديث والخواطر والذّكريات، عكست تصرّفات وسلوكات شخصية هادفة
  • ملكة غرناطة
  • البخيل
  • الأديب
  • غادة أمّ القرى
  • صاحبة الوحي ” تعرّض فيها إلى صور الحبّ العفيف.
  • ابن الوادي
  • مع حمار الحكيم ” وفي هذه المسرحية عرّض الكاتب بالمثقّفين المتميّعين الذين يسعون إلى إدماج أنفسهم في المشروع الاجتماعي الفرنسي من خلال الزواج بأجنبيات، كما كشف فيها تخلّف وانحطاط المجتمع الظاهر في السّلوك وفي التّفكير.

إلى غير من الكتابات التي تتوزع بين النص المسرحي والقصة والرواية والمقالة السياسية والمقالة الاجتماعية .. وهي في مجموعها تخدم القضايا المشتركة ذات الأبعاد الدينية والاجتماعية والوطنية والسياسية.

(10) المشروع الثّقافي الطّموح والضخم

في 3 فبراير 1956 أعلن الأديب أحمد رضا حوحو في جريدة البصائر عن مشروع ثقافي ضخم وطموح تحت عنوان: “حاضر الثقافة والأدب في الجزائر” وراسل في هذا السياق العديد من المثقفين والعلماء من أجل أن يقدموا له سيرتهم الذاتية ويرسلوا له نسخا من كتبهم أو مخطوطاتهم. وفي هذا الإعلان لمشروعه الثّقافي رسالة إلى كل الأجيال الثّقافية، كأنّه يحمّلهم أمانة الاهتمام بالثّقافة والأدب، وأنّها ينبغي أن تكون عند المثقّف روافد يبني عليها مستقبله ، وهذا ما نراه غائبا حاليا عند كثيرين من المهتمّين بالثّقافة، حيث لا ثقافة لديهم إلاّ ما كان واردا أدبيا أو فكريا أو ثقافيا وهو يعكس صورة القابلية للانهزام.. فإذا انهزمت المجتمعات ثقافيا ودينيا يسهل عليها الانهزام عسكريا، وهذا ما أراد أن ينبّه إليه أحمد رضا حوحو.

(11)  اعتقاله واستشهاده

في 29 مارس 1956 اغتيل محافظ الشرطة بقسنطينة واعتقل حوحو من منزله على الساعة السادسة مساء ذلك اليوم ليودع بسجن الكدية، ومنه حُوِّل إلى جبل الوحش المشرف على مدينة قسنطينة وتم إعدامه هناك. وبعد استقلال الجزائر وجد جثمانه برفقة ثمان جثث أخرى مدفونة بشكل جماعي في حفرة واحدة بوادي حميمين ليعاد دفن رفاته بمقبرة الشهداء بالخروب.

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

By oussra

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *