لطالما كانت الحضارة طوع الفكرة التي تقودها، كما يقول “مالك بن نبي” في مؤلفاته، لكننا اليوم إزاء عصر التلقين المستبد بتصوراتنا، أخللنا التوازن بعناصر الحضارة الثلاثة (الانسان، التراب، الزمان) فأصبحنا نواجه انهيار الارادة التي لا تقوى حتى على احتضان مصيرنا، كيف لا!؟ وقد أهملنا رأس المال البشري والذي هو المفكر.

في صخب الحياة القلقة التي تعيشها الأمم، ينبري مفكروها يوقظون فيها العيون الغافية، ويهتفون في أعماقها فيثيرون نبوغها، و يتحول هتافهم الى دم جديد يمسح على جبينها تجاعيد العجز، وينفظ على كتفها غبار الخمول، لكننا اليوم في زمن قتل فيه المفكر في بيئته، أسكتنا المفكر عن الكلام و رجحنا الضوضاء التي يرددها عامة الناس، ليصبح الكل يفهم، الكل يقول، الكل يقرر، و الكل ينظر، و المفكر موقوف في زنزانة اللامبالاة بتهمة تفكيره، بل حديثه أصبح يزعج الكثير، أليس نقاش المفكر هو الجرعة التي تهز المجتمع فيزيد عطاؤه وازدهاره!؟أين “”مالك بن نبي”” الذي رسم معالم الحضارة بثقافة منهجية، فاستطاع بواسطتها أن يضع يده على أهم قضايا العالم المتخلف، فاستبصر مشكلات الحضارة بين الرشاد والتيه، أين “”جوردابرونو”” الذي جمع بين الشعر والفلسفة فتجرأ وخالف الكنيسة بالقول أن الأرض ليست مركز الكون، لم يتنازل على رأيه رغم أن الكنيسة لاحقته وقطعت لسانه، لم افتقدنا الجرأة على رفض ما لا نقتنع به؟ أين “”همنجواي”” عكس أدبه تجاربه الشخصية في الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ ليترك بصمته خالدة عند الشعب الأمريكي، أين “”بتهوفن”” الذي ضحى بالغريزة البشرية، ففضل أن يعيش دون زواج حتى يجاهد في الاثبات للناس الشعار الذي رفعه: “” كل البشر سيصبحون اخوة “” على طريقته الخاصة، و ان كانت رسالته سنفونية زخرفتها مقاطع موسيقية، أين “”ابن تيمية”” الذي سجن أربع مرات ، فحول نقمة السجن الى نعمة وراح يصلح أحوال المسجونين، انها اليقظة في الفكر والجرأة في الطرح أين “”ابن رشد”” الذي أصبح اليوم ذا صيت عند الأوربيين في مجالي الطب و الفلسفة، حيث أثبت للجميع موسوعية المعرفة، فبرز في الطب والفلسفة والفلك وعلم النفس والفقه… حتى أصبحت الجامعات الأوروبية تترجم أعماله اليوم،بل تدرس طلابها مقياسا جديدا يسمى “”ابن رشد”” في حين هو في عداد الموتى عندنا.

من هذا المنطلق،ان الشعوب العربية قد دفنت مفكريها،فاستبد بها اليأس الى درجة الاحباط والفشل وخيبة الأمل،ومن ثمة الى خانة النسيان،فأصبحنا نعاني مخاض البوح،ومصارعة النفس للفكر البائس والحزن القابع في الأعماق،غيبنا كل صحي وسليم،ورجحنا الكفة لكل ما هو قشور وبذور،طالت الغفوة حتى خيل للناظر أننا لا يمكن أن نستفيق،خيل له أننا نعيش في زاوية مظلمة من هذا الكون ولا يمكن تجاوزها،اذ لا مجال للتفريق بين ما نعيشه اليوم وما كنا نعيشه في عصور الانحطاط، فنكتفي أن نقول أن الانسان العربي في نهاية هذه المرحلة فقد كل معاني الارادة الذاتية وحب النهوض، كما انعدم عنده الرأي الواعي واكتفى بأن يعيش تابعا، يرى غيره يدوس جبينه ولا يثور، ذلك لأنه قدم نفسه طبقا جاهزا حين أسكت مفكري أمته و رفع شعار :أنا أفكر،اذن أنا لست موجود. je pence,donc je ne existe pas

الأستاذة / ريمة جيدل.

By oussra

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *