الرّمزية بالحروف الهجائية وما يتركّب منها بالخصوص في باب النّحو الذي يعني لغة واصطلاحا المقصد والاتّجاه صلاحا أو فسادا، وبالأخصّ في باب البناء والإعراب في تحليل الواقع السياسي والاجتماعي هي إشارات تربوية تستهوي علماء التربية والتزكية والتّصوف، كما تستوجب على من يسلك غمارها أن يكون على دراية بمداخل حركات البناء والإعراب، لأنّ لكل حرف مساره في الدلالة على المقصود.. فمثلا الاقتصاد والتعليم والتّربية والثّقافة والإدارة والقضاء قام ويقوم على عوامل البناء والإعراب ولكن بلغة العلمانيين المعروفة باللّحن في الأعمال والأفعال والأحوال وهذه الأنواع بين:  

الضم (الأثرة والأنانية والاحتوائية): وهو سلبية دمّرت الاقتصاد الوطني، وصادرت مستقبل العباد والبلاد.

 والفتح: وهو قليل في بناء المجتمع سياسيا واقتصاديا وتربويا في أوجهه الإيجابية، وهو يرمز سلبيا إلى فتح غربي يستهدف المبادئ والقيم والخصوصيات الاجتماعية، والهوية، والمرجعية، والشّخصية الوطنية العربية والأمازيغية الممتزجتان بالإسلام.

والكسر: وهو النّهب الواقع الذي عمل على كسر الطّاقات والمواهب، ودمّر وحطّم مقوّمات المجتمع الجزائري وما زال إلى اليوم يعمل على كسر كل إرادة فاعلة .

والسّكون: وهو قهري واختياري وهو الواقع الحالي حيث العجز التام عن حركة التّنمية كالميت الذي لا يملك القدرة على الرّجوع إلى الحياة إلا بقدرة القادر سبحانه الذي يقول للشيء كن فيكون..

أمّا بالنّسبة لحركات الإعراب بين رفع ونصب وخفض وجزم، فإنّنا نرى فيها عجبا في نحو الحضارة الغائبة في وطننا..

فالرفع: يرمز إلى أقوام أسندت إليهم مناصب ورفعوا في غير محل الرّفع وهم في منزلة الخفض، ولسوء منزلتهم حينما رفعوا إلى غير منزلتهم تطاولوا وتكبّروا حتّى سوّلت لهم أنفسهم أن يتكبّروا على الله وعلى نبيّه صلى الله عليه وسلم وعلى شريعته وعلى خلقه.. فهم مخفوضون وإن اعتقدوا أنّهم مرفوعون، نازلون وإن ظنّوا أنّهم سامون، متطرّفون وإن حسبوا أنّهم معتدلون.

والنّصب: مقام احتّله نصّابون، ومحتالون، وخدّاعون، نصبوا أنفسهم، أو نصبهم غيرهم ممّن يستثمرون من ورائهم.. عرفهم القاصي والدّاني بالنّصب والاحتيال والاختلاس والغلول.

والجر: يعني كسر إرادات فاعلة ومواهب وطاقات وقامات وهامات وجرّها إلى غير وجهتها، وتعليقها وإقصائها عن ميادين الاستثمار والعطاء الحضاري، وإضافتها إلى التّبعية المطلقة للظّلام الغربي المقنّن .. حيث لم يبق بسياسة الجرّ (التّخفيض) إلاّ الرّويبضات التي صبّت أحقادها – القائمة على الجهل والأنانية والأثرة – على كل مصلح أو مبدع أو مخلص لدينه ووطنه.

والجزم: ويرمز إلى الإملاء الجائر، والطّلب الآثم، والنّهي الخائن المانع من فعل الخير، والاستفهام المنتهي إلى النّفي والإحالة على التّقاعد المبكّر من دوائر الحياة الفاعلة.

وبالمختصر المفيد نستفيد من حكمة الحسن بن سمعون في رده على من عاب عليه لحنه وخطأه في حركات الإعراب حيث أجابه إجابة تحمل بين طيّاتها التّحذير من لحن الأفعال، فقال له: [… هلاّ رفعت إلى الله جميع الحاجات، وخفضت كل المنكرات، وجزمت عن الشّهوات، ونصبت بين عينيك الممات؟…]

فإلى متى اللّغة العربية تقصى في إشاراتها التّربوية الهادية والهادفة؟

وإلى متى واللّحن اللّغوي الجليُّ في حركات البناء والإعراب منحرفٌ عن مساراته ومقاصده؟

ومتى نحترم إشارات المرور في الطّريق الواحد، والطّريق المزدوج، والطّرق الملتوية في الرّفع والنّصب والجرّ والجزم؟

وكيف نعيد عوامل البناء في الاقتصاد والسياسة والتربية والتعليم والثقافة والقضاء؟..

كل المؤشّرات توحي بإمكان فعل ذلك إلاّ إذا أبينا وسلكنا مسالك من عجمت ألسنتهم، واسودّت قلوبهم، وتغرّبت مبادئهم، وشردت عقولهم.. وهؤلاء هم الأعراب (العلمانيون) ونحوهم في البناء والإعراب.

أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية  

By oussra

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *