الحاج محمّد الصّغير مالكي.. الكريم التقــي، المحب لأهل القرآن الوفـــيّ.

220 مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 19 أكتوبر 2015 - 10:15 مساءً
الحاج محمّد الصّغير مالكي.. الكريم التقــي، المحب لأهل القرآن الوفـــيّ.

     كثير من الناس من يفقد بوصلة الاتّجاه الصّحيح إلى مقاصد الخير، ويتيه عن التنبّه لشارات الطريق في المداخل والمخارج وعند ملتقى الطرق.. وقليل من أهل الإيمان من يكتسب محامد الشكر من البشر، وتظهر عليه علامات الرّضا والقبول عند الله رب العالمين بما تتداوله الألسنة من ثناء وشكر وإطراء مشروع .. ومن هؤلاء القليل: الحاج محمّد الصّغير مالكي رحمه الله، الذي اختاره الله أن يكون إلى جواره بعد أن قضى عمرا حافلا بالخير، عامرا بالإحسان، مفعما بالحب، مليئا بخصال الوفاء، والبذل والعطاء، مشتهرا بين النّاس بصدقة الابتسامة..

     فعل الخير موزّعٌ بين النّاس، كلٌّ فيما يسّره الله له، فمن النّاس من جعله الله تعالى زارعا لبذور الخير بعلمه وفقهه، فهو يبثه لأهله ولطلاّبه ولمريديه ، فيقضي جلّ أوقاته بين الكتب والمكتبات والقاعات ومواطن التجمّعات من أجل أن يتعلم ويعلّم ويسترشد ويرشد، وهذا شأن العلماء في كل زمان وفي كل مكان.. ومن النّاس من يجد نفسه مدفوعا إلى فعل الخير بإجراء الأوقاف التي تفيد المجتمع وترفع الغبــن عنه وتزيد من التّنمية الاقتصادية في كثير من المجالات الحياتية الدّينية والدّنيوية.. ومن النّاس، ومن النّاس، ومن النّاس، هم كثير في كل شأن من شؤون الحياة.. لكنّ الذي يستولي على الكنز المدّخر كلّه هو ذلكم الذي امتلأ قلبه حبّا لأهل الخير، فلا يسمع بمشروع خيري نافع ومفيد كيفما كان لونه، أو يبلغه خبرٌ عمّن يقف وراءه بدعم مادي أو معنوي إلاّ ويثني عليه ويدعو له بالتوفيق والرّضا والقبول، وهذا هو شأن المرحوم الحاج محمّد الصّغير مالكي.. هكذا عرفناه، وهكذا ألفناه، يشهد له كلّ من عرفه عن قرب، أو سمع عن مناقبه وسجاياه، من كان بعيدا عن موطنه وسكناه..

إنّ الشيخ الحاج محمّد الصّغير مالكيمعدنٌ نفيس من معادن الخير، وقبس نوراني يضيء بسلوكه مجالس الوافدين إليه أو من يفد إليهم، عرف بحسن سيرته، وصفاء طويّته، ونقاء سريرته.. تشهد له موائد الكرم والجود.. كرم الابتسامة، وكرم الكلمة الطّيّبة، وكرم البذل والعطاء، وكرم الصّدق والوفاء.. إنّه فرعٌ من شجرة طيّبة.

التّرجمة له ليس كونه عالما كبيرا من علماء الإسلام، وإنّما لأنّه فذٌّ في تربيته، وفريدٌ في شخصيته المتواضعة جدّا، تحلّى بأخلاق القرآن وسجايا حاملي كتاب الله تعالى.. كان واحداً من القلائل الذين نفتخر بهم ونعتزّ بمناقبهم، وندلّ على مآثرهم.. ربما يقف في طريق ترجمتنا له من يعتقد أنّ ذلك خاصٌّ بأهل العلم، ولكنَّ هذا ليس صحيحا من حيث التّربية والسّلوكُ الحسنُ في مقاصد العلم الدّالّ على الله سبحانه وتعالى…

وتكريما لمقامه الطّيّب وحتّى نعطي للفقيد بعضا من حقّه علينا آثرنا أن نترجم له بما يجعله بيننا وكأنّه على قيد الحياة، ولكي نرسم لأهل الخير – من الشّباب خصوصا – طريق القدوات الصّالحة، لأنّ معرفة مناقبهم دعوةٌ لإحياء معالم الشّهود الحضاري..

مولده ونشأته: ولد الفقيد محمّد الصّغير ابن رابح (المقدّم) مالكي رحمه سنة 1920م بعين وسّارة.ولادة طبيعية كباقي النّاس مستنشقا صفاء الفطرة السّليمة في بيئة جميلة معتدلة تجمع بين جمال تلالنا الرّبيعية الخضراء وبين بريق رمالنا الذّهبية في الصّحراء، ليتدرّج في نشأته وبداية طفولته على الأخلاق الفاضلة التي وجدها حصنا منيعا بين أهله وعشيرته ومن عاش بينهم، والتي كانت سببا في استقامة سلوكه طوال حياته إلى أن وافته المنية رحمه الله.

حياته العلمية:  كانت حياته العلمية متواضعة نظرا لظروف الاستعمار آنذاك.. فقد درس في المدارس الابتدائية الفرنسية بعين وسّارة، وقد كان جميل الخطّ يحسن الحديث والكتابة بالفرنسية بطلاقة لا تجدها عند خرّيجي الجامعات حاليا.. وبالرّغم من محدودية التّعليم بالنّسبة للجزائريين أيام الاحتلال (المستوى الابتدائي فقط) فقد كان على درايةٍ ومعرفةٍ تامّةٍ بجملة من العلوم منها علم التّشريح الذي أخذه في المدرسة الابتدائية الفرنسية  بعين وسارة، بما يحاكي التعليم الجامعي أو أكثر حاليا، كما حدّث بذلك ابنه عبد الله، الطّبيب المتخرّج من كلية الطّب بجامعة البليدة…

أمّا بالنّسبة  لعلاقته بالقرآن الكريم فقد حفظ منه أجزاءً غير قليلة بزاوية الحاج علي بن يحي داودي بخميس المويعدات رفقة الشيخ سي عامر محفوظي مفتي الجلفة بعد الشيخ سي عطية مسعودي رحمهما الله تعالى.

ونظرا لظروفه الخاصّة لم يسافر إلى زوايا القرآن والعلم لإتمام حفظ كتاب الله، وتلقي العلوم الشرعية واللّغوية فيها كباقي المريدين، ولكن كانت له علاقات طيّبة بشيوخها، منهم الشيخ سي عبد الحميد مختاري شيخ الزّاوية المختارية بأولاد جلاّل، والشّيخ سي خالد مختاري حيث استفاد عندهم ومن غيرهما أفضل ما يستفيده طلاّبها، وهو التّزكية الرّوحية والتّنمية الإيمانية القلبية التي هي المقصد والهدف من دراسة العلوم الشّرعية.. فكأنّه رحمه الله وصل إلى مراده من علاقاته بشيوخ زوايا القرآن، ونهل من معينهم التّربوي، وتغذّى روحيا، وارتقى صوفيا إلى أسمى مدارج السّير إلى الله ربّ العالمين.

رؤيا الميثاق لشدّ الوثاق (الصّلاة)

هي وصّيّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم تلقّاها الصّالحون من بعده وأوصوا بها كل مسلم ( الصّلاة، الصّلاة وما ملكت أيمانكم...).. يروي أبناء الشيخ محمّد الصغير مالكي عن أبيهم رؤيا صادقة رآها أيام كان يعمل بنّاء في الزّاوية المختارية بأولاد جلاّل – ما زالوا يذكرونها ويروونها لكل محبّ صادق – يقول في رؤياه رحمه الله : كنت أبني في الزاوية عند الشيخ سي عبد الحميد مختاري وقد خطر في نفسي أن آخذ عهد الميثاق بالصّلاة من عنده، وفي الوقت نفسه تذكّرت أنـّـي قد أخذت الميثاق من زاوية الشيخ سي امحمّد بن مرزوق  في بنّهار، وقلت في نفسي أنّ صاحب ميثاقين يصير بلا ميثاق، فخفت أن آخذ من عنده الميثاق (الشيخ سي عبد الحميد) واستبدّت بي هواجس بسبب ذلك، وقلت هل أصارحه بذلك أم لا؟ وفي فترة القيلولة من بعد الظّهر أخذت قسطا من النّوم فرأيت في المنام الشيخ سي امحمّد بن مرزوق على فرسه قادما إليّ حتّى إذا وصل أخذت بركاب فرسه لينزل، فقال لي: يا شيخ محمّد لماذا أنت محتار.. الشيخ سي عبد الحميد شيخي وشيخك، خذ من عنده الميثاق ولا تفكرّ كثيرا..يقول الشيخ سي محمد الصّغير: ولما استيقظت من مناي قبيل صلاة العصر وقفت خلف الشيخ سي عبد الحميد وليس أمامه – حيث يجلس على كرسي – احتراما لمقامه التربوي، فناداني وأعطاني فنجان قهوة وقال لي: هل جاءك سي امحمّد بن مرزوق؟ فقلت له: لقد جاءني، فقال لي: وماذا قال لك؟ فقلت له : ما قاله لي أنت تعرفه كونك عرفت أنه قد جاءني.. فقال لي: قال لك: شيخي وشيخك؟ فقلت له: قال لي: شيخي وشيخك.فقال لي فلماذا أنت محتار إذن.. خذ الميثاق من عنده.

يقول الشيخ محمّد بن الصّغير: ولما أتممت عملي في بناء الزاوية أعطاني الشيخ سي عبد الحميد حقوقي من الدراهم على عملي، فقلت له: خذ هذه الدراهم “زيارة الزّاوية ” هديةً من عندي.

بنّاءٌ ثامر بذكاء مهندسٍ ماهرٍ

 يروي عنه أبناؤه أنّه كان يملك ذكاء خارقا بخصوص مهنة البناء، يشهد له من أثنى عليه في هذا الشّأن.. ومن بين القصص التي تروى عنه في ذلك  أنّه كان في زاوية الشيخ المختار بأولاد جلاّل حيث وجد القائمين عليها في حيرة من أمرهم وحال من الضّيق النّفسي بشأن مقصورة يريدون ترميمها، فقد أشار عليهم من يمكنه أن يتم بناءها في خمسة عشر يوما ومنهم من قال أسبوعا، بينما قال الشيخ محمد الصغير مالكي سأكملها عشيّة اليوم بإذن الله، وفعلا بناها كما قال، دون أن ينزع سقف المقصورة، متحدّيا الذين قالوا بحتمية إزالته قبل كل أي عمل.. وعندما حضر الشيخ سي عبد الحميد وجدها (أي المقصورة) قد تم بناؤها في يوم واحد فعلاً كما أكّد ذلك بنفسه لشيخ الزاوية المختارية.. وللشيخ سي محمّد الصّغير مالكي ما يدل على نبوغه وإبداعه في البناء والتّعمير بشهادة مهندسين مختصّين أثنوا على بعض المخطّطات التي رسمها بيده وبدقّة عجيبة.

زهده وورعه: يعتبر كثير من الناس أنّ مفهوم الزّهد والورع هو ترك الدّنيا وممارسة الاستجداء على أبواب المساجد وفي الأسواق وعند محطّات الحافلات وسيارات الأجرة، وهو مفهوم خاطئ ومخالف لمقاصد الشريعة الإسلامية.. بينما الزّهد الحقيقي والورع الصّادق هو طهارة القلب ونفوره من فتات الدنيا، وعفّة اليد عن أن تمتدّ إلى ما حرّم الله تعالى.. وأكثر من ذلك هو تحمّل أمانة المال وتوجيهه فيما ينفع المجتمع والأمّة، والاحتراز من داء الغلول، أو النّهب أو الاختلاس بالمفهوم المعاصر الشّائع اقتصاديا.. والشّيخ سي محمّد بن الصّغير مالكي كان مثالا يحتذى في الزّهد والورع بمعناه الاقتصادي الاستثماري… فقد كان رحمه الله حريصا على المال العام من أن تمتد إليه يده، أو يطمع فيه قلبه، أو تشتهيه نفسه، يشهد له كثير من مشاريع البناء التي أوكلت إليه مهمّة القيام بها، وكان فيها أمينا، مخلصا، زاهدا، ورعا…

فمثلا كان ما يتبقّى فائضا من مال بعد تشييد المساكن، والمدارس، لا يأخذه لنفسه، وإنّما يستغلّه في بناء أشياء أخرى، كما هو الشّأن في بنائه بنك الفلاحة والتّنمية الرّيفية المجاور لبلدية عين وسّارة، والذي كانت ميزانيته ممّا تبقّى من فائض مالي من مشاريع بنائية أخرى.

يتبع…

الشيخ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.