ترويع الآمنين شرّ .. نستأصله بفعل الخير فلنصنع المعروف.

35 مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 26 فبراير 2015 - 10:39 مساءً
ترويع الآمنين شرّ .. نستأصله بفعل الخير فلنصنع المعروف.

رحم الله زمانًا حيث كان سكّان مدينة سيدي لعجال آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم … يبيت الإنسان في العراء ولا يخشى على نفسه أو ماله أو عرضه.. يطوف ليلا متنقلا بين أهله أو جيرانه أو أصدقائه، عيادة أو مواساة أو معاملة وليس في نفسه ما يعكّر مزاجه، أو يغيّر شيئا من نفسه… زمان مضى وما أطيبه وما أروعه وما أجمله.

في مدينة سيدي لعجال: شباب الأمس – هم الآن في مرحلة الكهولة – كانوا عيونا ساهرة على أمن مدينتهم بخلق الحياء الذي كان يكسوهم جميعا.. لا تسمع كلمةً نابية تصدر من أحدهم تخدش الحياء أو تفرّق بين ذوي الأرحام أو تعصف بمجالس الطّيّبين من الكبار والصّغار.. هكذا كانت سيدي لعجال وفوق ما يتصوّر العقل..

في التسعينيات احتضنت مدينتي المباركة (سيدي لعجال) من هجّرتهم نيران الإرهاب حيث فرّوا بأولادهم وأهليهم وأموالهم إليها، ووجدوا في أهلها الذين آووهم وواسوهم خير النّاس جوارا حتّى صاروا من أهلها ومن بين أبنائها وأكثر، واندمجوا في أوساط السّكّان آمنين مطمئنّين مستقرّين..

واليوم وبعد استقرار الأوضاع الأمنية يستيقظ النّاس على نوع جديد من الإرهاب.. إنّه إرهاب جماعات أشرار تتعاطى المسكرات والمخدّرات، وتمتهن السّطو على المحلاّت والاعتداء على الآمنين في أوقات الليل، حيث تستصحب هذه العصابات معها سيوفا وأسلحة بيضاء وكلابا لترويع من يريدون تجريده من أمواله وممتلكاته أو حتّى إصابته في نفسه إن لم يرضخ لمطالبهم وابتزازاتهم.. هذه الجماعات القاطعة للطّرق صار خطرها يتزايد يوما بعد يوم، كونها وجدت في مرونة العدالة وتسامحها سندا وظهيرا يدعمها في استهداف الناس في أمنهم النّفسي والمالي والأخلاقي.. إنّ كثيرا من هؤلاء الذين تثبت إدانتهم لا يدومون إلا فترة وجيزة في السّجن، ومنهم من لا يعرف أصلا طريقه إلى السّجن كون القوانين التي تحاكمهم في غالب الأحوال تبرّئهم، وتنزلهم منزلة المظلوم، ويصير ضحاياهم ظالمين بعد أن كانوا مظلومين، والشّواهد من شكاوى المواطنين في مختلف المدن الجزائرية خير دليل على دق ناقوس الخطر والتحذير من تطاير الشّرر..

وفي سيدي لعجال:  وفي العقد الثالث من الألفية الثّالثة بعد أن كان الوضع آمنا صار مروّعا.. في كل أسبوع نسمع عن اقتحام لمحلاّت واعتداءات متكرّرة على مواطنين آمنين.. من المواطنين من يرافق أهله و لا يسلم من أن يسمع هو ومن معه من الكلام البذيء ما يندى له جبين الإنسان ويستحيي من ذكره اللّسان، لا يسعه في تلك الحال إلاّ أن يعجّل من حركة سيره تفاديا منه لطارئ الاعتداء..

وبالإضافة إلى ذلك هناك ظاهرة أخرى، ألا وهي ظاهرة السّيّارات والدّرّاجات النّارية التي يستقلّها بعض الشّباب والتي ترسل أصواتا غنائية صاخبة خادشة للحياء تظهر خاصّة مع أوقات دخول وخروج تلاميذ المؤسّسات التعليمية والتربوية خصوصا البنات، وذلك تحدّيّا منهم لمشاعر النّاس السّلوكية وعواطفهم الأخلاقية.

سيدي لعجال ليست مستثناةً من هذه الظّاهرة الوطنية التي صار أبطالها شبابٌ لا يعنيهم من حياتهم الدّنيا إلاّ زرع الرّعب في نفوس النّاس الآمنين الذين وجدوا أنفسهم مقيّدين بقوانين لا ترحم وإنّما تحمي المعتدي والظالم كما هو ملاحظ من خلال تصريحات المواطنين في كثير من التقارير الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة وفي مواقع التّواصل الاجتماعي المختلفة.

من يتحمّل المسؤولية؟:

(1) الجهات المسؤولة الأمنية والإدارية والقضائية بتراخيها في تطبيق القانون وغضّها الطّرف عن تنامي هذه الظاهرة الخطيرة.

(2)  الأسرة في غيابها الكامل عن دورها ورسالتها التربوية في توجيه أولادها التّوجيه الصّحيح الذي يضمن لهم مستقبلهم ويقيهم مساوئه ويحفظهم من مخاطره.

(3)  المؤسّسة التربوية والتعليمية وتخلّي طاقمها التربوي والإداري عن مهامهم خصوصا رجال التّعليم الذين تجرّد أغلبهم من مسؤولياتهم واستنكفوا عن توجيه التلاميذ أخلاقيا وسلوكيا وإيمانيا مع بداية كل حصّة بحيث لا يستغرق التوجيه أقل من ثلاث دقائق لمن يحسن التعامل معهم.

(4)  مؤسّسة المسجد وغياب أغلب أئمّتها والقائمين عليها عن دورهم الرّسالي في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وتوجيه الشّباب بما يفتح بين أيديهم آفاقا من الآمال وذلك بما يغرسونه في نفوسهم من قيم إيمانية تربطهم بالله وباليوم الآخر مع العلاقة الطّيّبة بالدّنيا، لأنّ الدنيا مزرعة الآخرة.

(5)  جمعيات المجتمع المدني التي لا تظهر إلاّ في مناسبات الانتخابات بأضواء الكاميرات مع أو ضدّ، والتي تخلّت تماما هي الأخرى عن مسؤولياتها الاجتماعية في الأوساط الشبابية.

أخيرا وليس آخرا..كلّنا مسؤولون عن تنامي الظّاهرة، وكلّنا نراها في تزايد وتفاقم.. فإلى متى يستثني نفسه من خوّله الله مسؤولية حفظ الأمن الاجتماعي؟ وكيف لا نتعاون على فعل ما يصلح وطننا ويحفظ أمنه والحال تنذر بكارثة اجتماعية لا ترحم أحدا {واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة} [الأنفال/25]

كيف نعالج الظاهرة؟  إعادة الإدماج التّربوي من خلال الجمعيات الفاعلة ودعمها ماديا ومعنويا، وفتح مجالات الأمل في نفوس المنحرفين، وتبشيرهم بما يعيد إليهم الحياة الآمنة، وربطهم عقديا وإيمانيا بمستقبلهم الذي لا ينتهي وهو عالم الآخرة، مع تحسيسهم بأنّ فرصتهم سانحة وهي بين أيديهم حيث يتمتّعون بالصّحة والعافية، وأنّ ما أصيبوا به من انحراف في السلوك إنّما هو من تدبير شياطين الإنس والجنّ الذين يتربّصون بهم في كل وقت وحين.. كما يجب إشراك هؤلاء وفق برنامح محكم ومسطّر يشرف عليه مختصّون في المجالات الدينية والاقتصادية  والاجتماعية والنفسية والطّبية وغيرها، مع تحميلهم بعد ذلك مسؤولية أنفسهم وأنّ لهم دورا لا يستهان به في خدمة دينهم ودنياهم وأمّتهم ووطنهم

    الأستاذ أبو القاسم العبّاسي

كاتب وباحث وداعية

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.