تندوف .. سَمُرَة.. وبركة بيعة الشّجرة.

74 مشاهدة
أخر تحديث : السبت 10 يناير 2015 - 9:48 مساءً
تندوف .. سَمُرَة.. وبركة بيعة الشّجرة.

من النّاس مفاتيح للخير، مغاليق للشّرّ.. ومن هؤلاء السّيّد مدير الشّؤون الدّينية والأوقاف الأستاذ الحاج حجّاج، الذي كان سببا في زيارتنا مدينة تندوف وبعض ضواحيها وذلك بمناسبة المولد النّبوي الشّريف لإحياء لياليه بمدارسة سيرته العطرة عليه الصّلاة والسّلام…

وقد كان لنا شرف ذلك – وإن كنّا لا شيء أمام أنوار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم – حيث رتّبت لنا مع الزّميلين والأستاذين الكريمين: الإمام مخلوفي عبد الوهّاب إمام بمسجد أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، والدّكتور برّاح عبد المالك مفتّش رئيسي ورئيس المجلس العلمي بمديرية الشّؤون الدّينية والأوقاف لولاية المسيلة – ندوات ومحاضرات في بعض المساجد وكذا جمعية مالك بن نبي الثقافية والعلمية بتندوف تخلّلتها وصلات إنشادية ومديحية من فرقة الاصطبار ..

ما لفت انتباهنا سخاءُ وكرمُ أهل تندوف الذين تعرّفنا عليهم وكأنّنا على صلة بهم منذ زمن بعيد، بحيث أغدقوا علينا من أفضل ما يطعمون به أضيافهم عملا بسنّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته] فأنعم بهم من كرماء تتميّزُ بهم تندوف حاضنة الرّضوان..

في بيوت الله المساجد (ليالي المولد النّبوي الشّريف) شدّنا حسن انتباه الحاضرين الذين كانوا يتابعون باهتمام ما نذكّرهم به من شمائل وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام .. فقد كانت متابعاتهم دقيقة ليس لأنّهم غير مدركين لتاريخ السيرة النّبوية – فعندهم من الأئمة الأكفاء ما يجعلهم متفوّقين في ذلك – وإنّما لوجود تقاليد ثقافية جديدة أحيت في نفوس رواد المساجد البعد الرّوحي والفكري والثّقافي الذي كان غائبا تماما بشهادة أهل تندوف، والذي بعثه ولأول مرّة مدير الشؤون الدينية والأوقاف السيد الحاج حجاج الذي كان حضوره داعما نفسيا معبّرا عن حرصه الشّديد في إعادة وبعث رسالة المسجد وإحيائها وتفعيلها، وربط العلاقة بين المسجد ورواده ومطاردة روح السّلبية التي تعرفها الكثير من المساجد في ربوع الوطن الجزائري.  

لقد كان لزيارتنا ردود أفعال إيجابية من قبل المصلّين الذين عبّروا بحرارة عن صدق مشاعرهم وكأنّهم – في هذه الأيام من المولد النبوي الشريف – يعيشون شهر رمضان الكريم .. هكذا كانت مواجيدهم النّفسية من خلال حديثهم إلينا داخل المساجد بتندوف وعند وجودنا في قاعة المطار في نهاية مشوارنا.. وهذه الإيجابية النفسية تحتاج إلى استثمار أكثر حتّى تؤدّي دورتها في خدمة الدين والوطن والمجتمع، ولا نكون مبالغين إن قلنا أن السّيّد المدير هو مفتاحها الذي وجد سنده في وزارة الشّؤون الدّينية والأوقاف..

كانت لنا زيارة إلى ضاحية الحمادة  -كما يحب أن يسمّيها أهلها – حيث وجدنا رمالا ممزوجة بشيء من الحصى لا تؤذي من يمشى عليها حافيا..كان رفيقنا في هذه السّياحة الأستاذ أحمد محمود خونا الذي وجدناه فقيها ومفكرا ومؤرّخا وأديبا من الطّراز الأول، يكفيه شرفًا أنّه أحد تلامذة الشيخ أحمد محمّد الرّاشد.. جرى بيني وبينه نقاشٌ فكريٌ وعلميٌ في صحيح البخاري، واستفدت منه أنّه يتعامل مع صحيح البخاري بمنهجية جديدة ربما تختلف كثيرا عند من عهدنا منهم شروحا تقترب في مجملها من بعضها، لكنّ صاحبنا [أحمد محمود خونا] يظهر أنّه في منهجه الجديد متأثّر بفقه الإمام البخاري و عبقرية تبويبه لما ورد في كل كتاب منه وحسن تعامله مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرّ التّرابط والتناسب بين الأحاديث ضمن أبوابها ودلالات تكرارها في كثير من الأبواب في مختلف الكتب من الصّحيح، وهذا عملٌ جميلٌ وجليلٌ سيجد له صدًى وتأثيرا – فيما أظن في مستقبل الأيام – لأنّه -كما قال – قد تجاوز فيه عشر سنوات وما زال إلى اليوم يدرّسه كل يوم ثلاثاء..

كما أفادنا الأستاذ محمود خونا أثناء وجودنا ببادية الحمادة بشجرة لها علاقة بسيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلنا إلى جوارها، وقد أثلج صدورنا إخباره إيّانا أنّها هي شجرة الطّلح سَمُرَة التي بايع تحتها الصّحابةُ الكرامُ رضي الله عنهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية التي تبعد غربا عن مكة المكرمة 22 كيلومترا.. وهي التي نزل فيها قوله تعالى:  :{ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السّكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } [الفتح/18].. هذه الشّجرة المباركة لا توجد إلاّ في الحجاز وتندوف وصحراء مصر وشمال السّودان ووسطه.. حدّثنا أحد رفقائنا من أهل تندوف أنّ شجرة الطّلح التي نزلنا عندها لها فوائد كثيرة، منها أنّها مفيدةٌ في علاج كثير من الأمراض، وناجعة في علاج الحروق بمادة عِلْكِيَّةٍ تفرزها، وقد عالج بنفسه بعِلْكِهَا رَجُلاً احترق وجهُهُ بدرجة كبيرة جدا وبعد 21 يوما عوفي تماما وكأنّه لم يحترق …

وأثناء تواجدنا بين أشجار الطّلح استفدنا من وفقات فقهية من الشيخ بن حنفيّة العابدين الذي وجدنا فيه صفات الفقيه المعتدل،  المتواضع، البشوش، والمدرك لواقعه والذي لا يعرف التعصّبُ إليه سبيلا.. رأينا فيه سمات الفقيه المالكي الذي يوازن بين المصالح والمفاسد، ويقدّم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصة من النّاحية الشّرعية، أدركنا ذلك من خلال تعاطيه الحسن مع المتون الفقهية المالكية والتي يربطها بالواقع الثّقافي المتوارث بين الجزائريين قرونا عديدةً.. حدّثنا أنّه يعاني من تحامل بعض الأدعياء المبدّعين والمفسّقين الحاملين لفيروس التّكفير..

وإن نسيت فلن أنسى أبدا الأخوين الكريمين والإمامين الفاضلين عبد الوهاب مخلوفي وعبد المالك برّاح على حسن تعاملهم ونقاء سريرتهم وطيب سلوكهم ودماثة أخلاقهم وعمق فهمهم لمقتضى الشريعة والواقع حيث شدّني إليهم كلّ ذلك من أول لقاء جمع بيننا وكأّننا نعرف بعضنا منذ زمن الطّفولة.. لقد كان صداهم مدويّا في مساجد تندوف قابلتها أصداء إيجابية تجاوب مع الحدث..   

إنّني لم أفرح في رحلتنا الثّقافية والدينية هذه كفرحي بأن تعرّفنا على شجرة سمرة [الطّلح] حيث ذكّرتنا بتاريخ جيل فريد من خيرة الصّحابة رضي الله عنهم بايعوا النّبي صلى الله عليه وسلم تحتها، وتحقّق لهم رضاء الله ونزلت عليهم السكينة.. فقد خطر في نفسي خاطرٌ أنّنا محظوظون بزيارتها كونها لا توجد إلاّ في صحراء تندوف وأنها صادفت أيام احتفالنا بمولد سيد الأولين والآخرين محمّد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ..

أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

 

DSC03264

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.