رجل التّربية فوق الرّأس والعين.. والإضراب .. له وعليه.

63 مشاهدة
أخر تحديث : السبت 14 فبراير 2015 - 8:38 صباحًا
رجل التّربية فوق الرّأس والعين.. والإضراب .. له وعليه.

المؤسّسة التّربوية والتّعليمية الجزائرية عريقة في منبتها، متجذّرةٌ في أصالتها، رقيقةٌ في روحانيتها، حتّى وإن كانت تترنّح بين مخالب برامج ومقرّرات مفترسة تستهدف أولادنا ذكورا وإناثا، وتتربّص بقيمنا الأصيلة التي ضاعت ولم يعد لها وجود يذكر عند ميلاد كلّ جديد من برامج تربوية غير شرعية ليس لها علاقة بالشعار الذي رفعه السّابقون الأوّلون من أمثال الشيخ عبد الرّحمن شيبان، والشيخ محفوظ نحناح رحمهما الله وغيرهما من أساطين التربية والتعليم زمان عصورها الذّهبية.. هذا الشعار الثّلاثي [الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا] الذي فقد اسمه ومسمّاه مع بداية التسعينيات، حيث كتب في سجل بحث في فائدة المنظومة التربوية..

يحزننا كثيرا، ويفزعنا جدّا أن تبقى منظومتنا التربوية والتّعليمية مجرّدة عن هويتها، مكبّلةً بقيود المحتلّ، تئنُّ تحت ركام دمار الضربات الإيديولوجية الغربية خصوصا الفرنسية التي رأت في الاستحواذ على عقول الأجيال الجزائرية البريئة استرجاعا لهيمنتها وفرضا لإرادتها السياسية وطمسا لهوية المجتمع الجزائري الذي لم يبق منه شيء يذكر إلاّ ما كان عاطفة إيمانية تحملها قلوب الملايين رغم المكر المتزايد، والحملات الإيديولوجية المسعورة التي يغري بريقها المغفّلين من أبناء وطننا..  

وما هذه الإضرابات إلاّ دليل على وجود هذه الهيمنة التي رأت في دعمها وإضافة مدّتها الزّمنية مراوغة ماكرة تحقّق لها أطماعها و تنفث من خلالها أحقادها وتحقّق بعد ذلك أهدافها..

الإضرابات قد تكون في معظمها بريئة في مطالبها كون السّلك التربوي والتّعليمي أغلق عليه ماديا – حتّى لا يتعاطى بجدّية في العملية التربوية والعلمية– بما يضاف إليه مرّة بعد أخرى من زيادات قد لا تلبّي ضرورات حياتهم ناهيك عن حاجاتهم، حالهم كحال من يعالج النّزع أثناء سكرات الموت بما يبلّ حلقه ويرطّبه من قطرات ماء قد تكون هي نصيبه من الدنيا.

قد يقف بعض المحلّلين أو المعارضين موقفا لا توازن فيه ولا إنصاف ومجرّدا عن العدل الذي أمرنا به { اعدلوا هو أقرب للتّقوى }[المائدة/8] تدعمه حسابات ضيّقة وخلفيات سياسية وقائم على اتّهامات لا مبرّر لها وفاقدة لمصداقيتها، ولكن لو راجع هؤلاء المعارضون أنفسهم واتّهموها – طاعة لله رب العالمين وإخلاصا لوطنهم – لوقفوا على حقيقة المأساة التي يعانيها رجال التّربية والتّعليم في الجزائر، ولكانوا أوّل المدافعين عنهم حتّى يسلكوا سبيلهم على خير، خدمة للتربية والتعليم وارتقاء بالعباد والبلاد.

وعليه فلا بدّ من البحث عن الأمراض والعلل التي تفتك بالمنظومة التربوية، كما أنّه لا بد من كشف الواقفين بخيالهم وراء حقنات التّطعيم، مع الإضراب أو عليه؟، لأنّ المأسور والمرتهن هو مستقبل أجيال تعدُّ بالملايين لا تعرف عن مصيرها المستقبلي شيئا..

إنّ المسؤولية مشتركة، لا يختلف اثنان فيها، لكن المشكلة أنّ التربية والتعليم حاليا تدجّن من خلال فصل المعلّمين والأساتذة عن دورهم ورسالتهم التربوية والتعليمية وإعطائها صبغة ماديّة بحتة بحيث لا يفكّرون إلا في الجوانب التي ترقى بهم ماديا، زيادة في الرواتب والعلاوات، والغرض أن ينسوا رسالتهم ومهمّتهم الراقية والسامية في تعليم الناس وتهذيب سلوكهم.. وبالنسبة لمطالبهم فهم أجلُّ وأرقى من أن يُنزلهم المغامرون والمقامرون ونخشى أن يفصلوهم عن روحانية التعليم وربّانيته ..

نعم .. من حق المعلّمين والأساتذة أن يطالبوا بحقوقهم، والزّيّادة في رواتبهم وتحسين أوضاعهم،ولكن ليس على حساب التلاميذ الذين هم المستهدفون الأساسيّون، أو يكونوا سلّمًا يتدرّج من خلاله بعض المنتهزين الفرص والذين تربطهم علاقات بالجهات المسؤولة على التربية والتّعليم، والذين تدفعهم أطماعهم إلى الضّغط بالإضرابات حتّى يتحقّق لهم ما وُعِدُوا به من ترقياتٍ في المناصب والمسؤوليات..

سمعنا عن بعض المسئولين المخلصين في التّربية والتّعليم أنّهم يعانون من بعض النّقابيين، بحيث يتعاطى بعضهم ( أي النقابيون ) التعليم كما يحلو لهم وأكثرهم يتغيّبون عن واجبهم التعليمي والتربوي بحكم العلاقة الضّاغطة التي يمارسونها من خلال النقابات..

وعليه فإنّك تجد بعض المناضلين في نقابات التعليم لا علاقة لهم بالتعليم بعد أن طلّقوه وصارت أماكنهم شاغرة بحكم أنّهم مسؤولون في النّقابات، وفي مقابل ذلك يأخذون رواتبهم كل شهر على مدار السّنين إلى غاية الإحالة على التّقاعد .. ولا ندري هل سألوا عن الحكم الشرعي عن ذلك،  هل هو حلال أم حرام؟

أنا هنا لست ضد الإضراب الذي يكشف سيئات المناورين بالنسبة للمسئولين في التّعليم حتّى تعطى الحقوق لأهلها دون منّ أو مناورة، ولكن لست مع المتسلّقين الذين اتّخذوا النقابات ذريعة لتحقيق مصالحهم على حساب الأساتذة أنفسهم وعلى حساب التلاميذ الذين هم أول الضّحايا..

نعم من حق رجل التربية والتعليم أن يضرب عن التعليم إذا كان مستهدفا في التّضييق عليه في مصدر رزقه، وإذا كان مستهدفا من قبل الأشرار المجرّدين من كل القيم التربوية والذين يقطعون الطّريق أمامهم أو يقتحمون عليهم مؤسّساتهم التربوية للاعتداء عليهم، وإذا كان مستهدفا في قيمه الدينية والوطنية، وإذا كان مستهدفًا في مستقبل أولاده وأسرته التربوية، ومن واجب المجتمع أن يقف معه ويدعمه وينصره حتّى لا يكون الذئب راعيا للغنم..

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.