عبد الوهاب عيساوي.. أدب الأطراف ينتصر على شُلل العاصمة بقلم / واسيني الأعرج

80 مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 14 أبريل 2020 - 11:21 مساءً
عبد الوهاب عيساوي.. أدب الأطراف ينتصر على شُلل العاصمة  بقلم / واسيني الأعرج

ذكرتني حالة الصديق الروائي والقاص عبد الوهاب عيساوي بالمغني الفرنسي جون فيرا الذي اختار أن يعيش في لارديش، بعيدا عن أضواء العاصمة، وبقي قريبا من منطقته يغنيها ويستفيد منها حتى موته، أغنيته: الجبل، تظل واحدة من أجمل ما أداه. لم يمنعه ذلك من أن يكون فنانا عالميا كبيرا. عندما سئل في مرة من المرات: لماذا لا تنتقل إلى العاصمة باريس، قال لا أستطيع أن أتحمل يوميات النخب الباريسية التي تقضي وقتها في الاقتتال الفارغ، واكل لحم بعضها البعض بعيدا عن الجوهر. هنا أعيش مع البسطاء، أناس يشبهونني وأشبههم. وهنا أموت وأدفن. بالفعل ذلك ما حدث. ها هو عبد الوهاب يسلك نفس المسار في بلدته عين حاسي بحبح بالجلفة، بعيدا جدا عن أضواء العاصمة، على سفح جبل الأحداب، وعلى امتداد تلال وسهول صنعت المكان وشكلته بالماء والريح والمروحة. هي عروس الجلفة الفاتنة كما يحلو لسكانها تسميتها. ولمن لا يعرفها جغرافيا فهي تقع بمحاذاة الطريق الوطني رقم 01 شمال عاصمة الولاية، الجلفة. تبعد عن الجزائر العاصمة بحوالي 250 كلم. نواحي المثلث، البويرة شمالا، عين معبد جنوبا، بلدية حاسي العش شرقا. تتربع على مساحة معتبرة تقدر بـ 72170 هكتارا عدد سكانها يقدر باقل من 100 ألف. هذا هو الفضاء الذي صاغ فيه عبد الوهاب جهده، بعيدا عن الشلل القاتلة التي كثيرا ما ابتذلت الجهد الثقافي.
يفوز اليوم داخل هذه العزلة الحياتية والكتابية، بلا مزية أحد، سوى جهده وقوته والكلمة التي عبر بها رئيس لجنة التحكيم الناقد العراقي الكبير محسن الموسوي: ” تتميز رواية الديوان الإسبرطي بجودة أسلوبية عالية وتعددية صوتية تتيح للقارئ أن يتمعن في تاريخ احتلال الجزائر روائياً ومن خلاله تاريخ صراعات منطقة المتوسط كاملة، كل ذلك برؤى متقاطعة ومصالح متباينة تجسدها الشخصيات الروائية، إن الرواية دعوة القارئ إلى فهم ملابسات الاحتلال وكيف تتشكل المقاومة بأشكال مختلفة ومتنامية لمواجهته. هذه الرواية بنظامها السردي التاريخي العميق لا تسكن الماضي بل تجعل القارئ يطل على الراهن القائم ويسائله” أو ما قاله ياسر سليمان، رئيس مجلس أمناء الجائزة العالمية للرواية العربية: “تسحرك رواية الديوان الإسبرطي باستنهاضها للتاريخ بأبعاده السياسية والاجتماعية؛ لخدمة العمل الروائي الذي يتجاوز هذا التاريخ برمزيته، وبتداخل رؤى القص وأصواتها من وجهات نظر متقاطعة تدعو إلى التأمل والتفكر والمراجعة. وتتابع شخوصها الخمسة بمساراتها المتضاربة. وتسير في شوارع الجزائر المحروسة ومرسيليا وباريس وكأنك تعاينها بنفسك، في زمن مضى ولم تنقطع مآلاته. وتحتك بالتركي والأوروبي والعربي وغيرهم، من الأقوام متعاطفًا وساخطًا في آن واحد. كل ذلك في انسياب روائي أخاذ، لا يدعك تترك الرواية حتى تصل إلى نهايتها بشغف يطلب المزيد. لقد أبدع عبد الوهاب عيساوي في هذا كله، ويكفي هذا القارئ أنه التقى السلاوي، ودوجة، في ثنايا الديوان، ولهث في أثرهما في ثنايا تاريخ ينبض بالمعاني”.
عندما طبع روايته الأولى في جمعية أهلية، أهداها لي بخجل: طبعة ليست جيدة ولكن لا بأس. قرأتها واكتشفتها في عبد الوهاب موهبة روائية آتية من الأطراف التي لا يلتفت العاصميون لها. ثم طبعها طبعة جديدة أفضل وفازت بجائزة آسيا جبار عن النص المكتوب باللغة العربية، وكان ذلك خطواته الأولى للخروج من دائرة النسيان. استغرب كيف أن الكثيرين بدل أن يفرحوا، مزقوه نقدا. سألني. قلت له طبيعي، لأنك فزت. نحن في بلاد كما قال المرحوم أستاذ الدكتور أبو القاسم سعيد الله: بلاد تخصي عظماءها. لا ترد على أحد يا عبد الوهاب، هم صناع الشتائم. واصل واكتب. وعندما أشرفت على ورشة البوكر في أبو ظبي، في قصر السراب، كان على رأس قائمة المدعوين من الكتاب الشباب، لكن مشكلة تأخر الفيزا منعته من السفر، واستدركت اليوكر الأمر فدعته لورشة عمان. وكنت سعيدا من أجله. ليفوز بعدها بجائزة سعاد الصباح، وجائزة كتارا للنص غير المنشور. واليوم يفوز بواحدة من اهم الجوائز العربية ويسقط Le signe indien عن الرواية الجزائرية. من المؤكد سيفرح له آلاف الجزائريين ولكن سدنة الضغينة في أمكنتهم دائما. لكني اعتقد ان عبد الوهاب، بهذا الفوز، أصبح في الضفة الأخرى، للكتاب المميزين الذين أنجبتهم الأرض العربية. من قال إن الرواية التاريخية ماتت، ولم تعد تفيد؟

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.