عن رمزية ثنائية (الكعبة – مقام إبراهيم)..!

16 مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 29 يوليو 2020 - 5:57 مساءً
عن رمزية ثنائية (الكعبة – مقام إبراهيم)..!

حين كانت الأرواح محتجزة – بحكمة الابتلاء الدنيوي – في قوالب مادية – وهي الأجساد – احتاجت رموزا ومعالم مادية ثابتة تتوحد حولها، فكانت (الكعبة) رمزا ماديا تتجه إليه وتحجه الأجساد، ولا يقال لمن لم يحج بجسده: حاج ولو حج بروحه، أما الأرواح – دون النظر إلى قوالبها المادية – فقبلتها معلومة: {فأينما تولوا فثم وجه الله..}، وأهل الدنيا قبلتهم الكعبة، والأرواح بعد الموت قبلتها العرش، وفي الجنة قبلتها وجه ذي الجلال والإكرام المنزه عن الأشباه والأمثال..!
ولفهم رمزية الكعبة وكونها معلما ماديا لتوحيد القوالب المادية انظر كيف يلزم بعد الطواف الصلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام، يجعله الطائف بينه وبين الكعبة فيتجه إليهما معا، وهو رمز مادي آخر لإعلان التبعية لإمامته: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، {إني جاعلك للناس إماما..}، وهو إمام الملة والأمة الواحدة، ملة الموحدين، فكانت الكعبة رمزا ماديا للتوحيد والوحدة، وكان مقام إبراهيم رمزا آخر لإمام التوحيد والوحدة، لا ينفصل رمز عن رمز، وحين تعي هذا المعنى بين الرمزين تنفي كل وثنية، وكل معبود آخر، وافرض أنك رأيت الكعبة حجرا محضا، سيقول لك مقام إبراهيم: إن فيها سر إبراهيم، وإبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين، ولو بنيت الكعبة بغير رمزية إبراهيم لكان يمكن اعتبارها حجرا لا غير، وكان العربي في الجاهلية يعي هذا، يفرق بين الكعبة ومقام إبراهيم وبين الوثن، وحين انتشرت الوثنية لم يتخذوا الكعبة أو مقام إبراهيم وثنا، بل جعلوا الأوثان أشياء أخرى لتفريقهم الفطري بين ما يمكن أن يكون وثنا وبين ما يستحيل أن يكون وثنا، ولم يقل أحدهم: نعبد الكعبة ولا المقام، ولا استطاع الشيطان أن يوسوس لهم بذلك لأن رمزية الكعبة للتوحيد لا غير، وإنما كانوا يطوفون بها ويعظمونها لإيجاد معنى الشرك، وجاءوا بالأصنام فجعلوا داخلها (هبل) وغيره، ومن حولها جعلوا 360 صنما، ليكون للشراكة معنى، فلله – وفق زعمهم – الطواف بالكعبة، وللأوثان التمسح بها والعبودية لها، وهذه فهمها العربي عابد الأصنام ولم يفهمها دعي العقلانية والعلمانية حين رأى الكعبة والحجر الأسود ومقام إبراهيم مجرد أوثان أخرى…!!
مرة أخرى: أرواحنا محتجزة في قوالب مادية، وفي عالم مادي، فجعل الله تعالى لها معالم مادية لتوحد وتتحد، فلا يغرنك قول الملحد أو دعي العلمانية وانتقاده تلك الرموز المادية، هو نفسه يقدس رموزا مادية في الحضارة المادية.

الدكتور محمد تاج الدين طيبي

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.