في وطننا: هل نحن ناجحون آثمون.. أم راسبون مأجورون؟

145 مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 19 أغسطس 2015 - 10:34 مساءً
في وطننا: هل نحن ناجحون آثمون.. أم راسبون مأجورون؟

من معاناتنا الفكرية، ومآسينا النّفسية أن نعتبر رأينا صوابا لا يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ لا يحتمل الصّواب، وهي معصية فكرية تمس كثيرا من الشرائح الثّقافية خصوصا في الوطن العربي، وهو ما تنبّه له الإمام الشّافعي رضي الله عنه ونبّه إليه. والمشكلة الأكثر تعقيدا أن تكون الموازنات عندنا قائمة على أوهام وخرافات ومقارنتها بحقائق وأعمال ملموسة ومشهودة حضاريا في بعض الدّول الإسلامية. ولعلّ ممّا أصبنا به في واقعنا الحضاري هو انهزامنا أمام أنفسنا التي لا تدين إلاّ للكسل والنّوم والاسترخاء والتّواكل والاستجداء..

يؤسفنا أن نسمع بعض الأصوات التي تعبّر عن مكنون قلوب أصحابها كما قال بعض الصّالحين: “القلوب قدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها” .. هذه الأصوات لا يروقها أبدا أن يؤول الأمر إلى من يملكون – بإرادة من الله – القدرة على إسداء الخير وفق شهود حضاري يغطّي كثيرا من مجالات الحياة، كما لا يعجبها أن ترتقي الأمّة إلى أمجادها الأولى في ضوء شريعة الإسلام المفعمة بالرّحمة والعدالة والإنصاف.. ما يملكه هؤلاء هو فنّ صناعة الإقصاء والتّهميش والتّعطيل الحضاري في التنمية الفكرية والاقتصادية والتّربوية وغير ذلك..

يمكننا أن نسأل أنفسنا أسئلة منطقية نحتكم إلى أجوبتها إن كان فينا بقيةٌ من وطنية صادقة، أو حياءٌ من ديننا يسري في قلوبنا ويظهر على سلوكنا الفكري والأدبي.

بمنطق السّرد السّاخر للإنجازات التي تزداد يوما بعد يوم في بلادنا لن نكون آثمين إذا ذكّرنا ببعضها على سبيل المثال  فقط من غير إشارة إلى الأرقام، لأنّ العبرة بوجودها وليس بتعداد أرقامها، كون هذه الإنجازات تدلّ كلّها على أنّنا في قمّة النّجاح الفاشل في شتّى المواقع والمواطن الحضارية…   

السرقات العلمية في الجامعات الجزائرية تدل على أنّنا ناجحون..والدعم الفلاحي لغير أهله والقروض المصغّرة والكبيرة التي صرفها الشباب على شهواتهم تدل على أنّنا ناجحون.. والفساد التربوي والتعليمي منذ بداية التسعينيات وآخرها لغو بن غبريط بتثبيت الدارجة وإزاحة اللغة العربية من مراحل التعليم الابتدائي كل ذلك يدل على أننا ناجحون.. والثّقافة التي تحوّلت إلى مهرجانات فاحشة وساقطة في كثير من ولاياتنا، حيث تنفق الملايير على الرقص والغناء الداعر المستورد من بلاد الشرق والغرب تدل على أنّنا ناجحون.. ونهب المال العام والذي صار معلوما لدى الخاص والعام يدل على أنّنا ناجحون.. واستفحال الرشوة والمحسوبية على حساب الضعفاء يدل على أننا ناجحون.. واستهداف الأسرة في بنائها القائم على الثوابت يدل على أننا ناجحون.. وانتشار الخمور والمخدرات ومحاولات سنّ القوانين المبيحة لها يدل على أنّنا ناجحون.. وتفاقم ظاهرة الجريمة وتنامي مخاطرها يدل على أنّنا ناجحون..واعتبار بعض الولايات أنّها هي الأرقى علميا في شهادة البكالوريا من كل سنة يدل على أنّنا ناجحون.. والأدمغة والعقول المهاجرة المستغلّة في بلاد الغرب وبعض البلاد العربية والمقصاة في وطنها من المتخلّفين فكريا وعلميا يدل على أنّنا ناجحون..وتعطيل الطّاقات العلمية الفاعلة والمبدعة والمنتجة يدل على أنّنا ناجحون.. واستفحال ظاهرة الغشّ الدّيني والدّنيوي والتربوي والتعليمي والاقتصادي يدل على أنّنا ناجحون.. وغير ذلك كثير نقوله وبكل مرارة وأسى، ومع ذلك نحب بلدنا ولن نكون مبالغين إذا قلنا بأنّنا وطنيون حتّى النّخاع، جزائريون محبّون لبلدهم، نسعى لفعل الخير وإحياء ما اندرس من ثوابت ومبادئ تعيد إلينا كرامتنا وعزّتنا كما كنّا يوم كان الجزائري في العقود السّابقة يعني الصدق مع الأحياء  والوفاء للشّهداء ..

وإذ نذكر هذه الإشارات الخاطفة فهذا لا يعني أنّ الإشادة بما وصلت إليه بعض الدول الإسلامية يعتبر انتقاصا للوطن كما يحلو للبعض أن يسمّيه أو يعتقده، لأنّنا مخاطبون بقوله تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر/2] ولأنّنا أمّةٌ واحدة في عقيدتنا وفي شريعتنا وفي أخلاقنا.. فما يجمعنا أكثر ممّا يفرّقنا.. وإذا نجحت أي دولة إسلامية صادقة في مشروعها الحضاري فهو نجاح لكل الدول الإسلامية الأخرى، حيث يقول سيّدنا عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما: [إنّي لآتي على الآية من كتاب الله تعالى، فلوددت أنّ جميع النّاس يعلمون منها ما أعلم. وإنّي لأسمع بالحاكم من حكّام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به، ولعلّي لا أقاضي إليه أبدا. وإنّي لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين، فأفرح به وما لي به من سائمة.]

ينبغي أن نعيد قراءة القرآن قراءة تجعلنا في مقام الشّرف الأول كما قال تعالى: {فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنّك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون} [الزخرف/43-44]، كما يجب علينا أن نعيد التنقيب في تاريخنا وتنقيته ممّا علق به من أوهام وخرافات وخزعبلات حتّى تنكشف عورات الحداثيين والعلمانيين المتطرّفين -المتمسّكين بخرافات ألف ليلة وليلة وأغاني الأصبهاني- الذين يعتبرون الوحي نصا تاريخيا تراثيا يصلح أن يكون في متاحف الثّقافة الغابرة.. كما يجب علينا كذلك أن ننصف أنفسنا من أنفسنا عملا بقوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟} [الذاريات/21] أمّا إذا جثمنا على تقاليد فكرية بالية فلن نصل أبدا إلى مرادنا من النّهوض الحضاري، وإنّما هو مرض نفسي قاتل لحاضرنا ولمستقبلنا..

وفي ضوء هذه المعاني نقول: هل نحن ناجحون آثمون، أم راسبون مأجورون؟

الشيخ أبو القاسم العبّاسي

كاتب وباحث وداعية

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.