كأس نشرب منه رغم الارادة.

229 مشاهدة
أخر تحديث : السبت 27 يونيو 2015 - 1:24 مساءً
كأس نشرب منه رغم الارادة.

1-  قالوا عنه:

الزهو والغرور وتوهم طول العمر داء يصيبنا جميعنا، اذ لا خلاص منه، كيف لا!؟ و طابع الغرور العدوى، فالانسان مطبوع على الحرية والرغبة في استمرار الحياة، ولا قدرة له – الا نادرا – تلى تصور نقطة لنهاية عمره، رغم مصاعب الحياة ،رغم نوائب الدهر، رغم تجرع الغصص، الا أنه يقاوم تلى اقناع نفسه أنه سيخلد، قد يكون افراطا في حب نفسه، وقد يكون اسرافا في تقديرها، و رغبة في تشويه واقع للحرص على النيل منه بدل هدمه.

ومن دأب الانسان كلما غالى في تقدير نفسه ،كلما هانت عليه باقي الاحتمالات و تضاءلت آمال نهايته الى أن يصل الى درجة الارتقاء بفكرة “”سأعيش أبدا”” فجأة ودون مقدمات، ومع تتابع الآهات وتسابق الزفرات ،حدث ماكان يراه مستحيلا، تلك الحقيقة التي لم يرد أن يقتنع بها ،ذلك الكأس الذي سيشرب منه رغم ارادته بالرفض، بعيدا عن الاعتقاد الهندوسي الذي يقبل حق الموت لأولئك الذين ليس لديهم أي رغبة ولا طموح، و يسمح به اذا كان غير عنيف ،كالصيام لدرجة الموت مثلا، أو ما يصطلح عليه بالموت الرحيم، لكن أليس الكثير منا ميت وهو حي؟ هل الموت هو تلك الظاهرة الفيزيائية التي تتحول من خلالها جثة هامدة؟ توقف قلبك عن النبض ؟ ليس بالضرورة أن تلفظ أنفاسك حتى تكون في عداد الموتى، أو يتوقف قلبك حتى يقال أنه فارق الحياة.

قد يكون الموت بالنسبة لي هو أن أفقد عزيزا مثلا، فاعتقد أن الحياة ذهبت معه، وقد يكون بالنسبة لك هو خيانة أحدهم حين غدرك وأغلق أبواب الحياة من خلفه، بل قد يقيد الاحباط أحدنا من كل الزوايا فيرى أن صلاحية الحياة قد انتهت، وقد تكون قسوة الحياة و صلابة القلوب كفيلة بتغيير الأوتار التي نعزف عليها ،حين فقدنا الثقة فيمن نحب، قد تشرح نفسك لغيرك، تفتح أبواب الحب فيها، لتبني جسر الأمل لغيرك فيحيبك بصفعة لم تتوقعها ،أليس هذا ضربا من الموت؟ قد تعطي بسخاء، وتثق بعماء، و توقر بجلاء فتجد نفسك قد قوبلت بالجفاء، أليس هذا ضربا من الموت؟ قد تجبرك الظروف على أن تفارق بصمت و تتألم دون صراخ، وتعايش واقعا انت كارها له رغما عن أنفك ،أليس هذا موت؟ “”مات فلان”” ، كلمة شديدة الوقع، تخبرك أنك ضيف لا محالة ،ستصبح في خبر كان يوما ما. يفجع الواحد فينا فتتحطم له بقايا الآمال ،تفيض دماء نفسه، يعصر بين كفيه قلبه المطعون ،ليستخلص بقايا حياته زفرات وآهات يوقد بها دموعه ويدفن فيها ماض كان يمنيه دائما أنك ستعيش أبدا، فاذا بالشمس تفاجؤ ه بالغروب، و الظلام يخيم في يوم محدود، فلا بأس الآن أن تذوب العينان وتسيل نيران الأجفان ، مستسلمين للأقدار في غير دفاع ،فاليأس أول قاتل لنا ،والقنوط والاحباط في ذلك السلاحين المساعدين ،تعددت معاني الموت بتعدد الموتى، هو يأس، فشل، خيبة، تضييع وقت، تقليل شأن، ترويج فكرة، استصغار عقل ،فليس بالضرورة أن يكون اغماض عين ولفظ أنفاس وتوقف نبض وتعطل حركة ،هو فعلا الكأس الذي نشرب منه رغم الارادة.

2- أعلام وأقلام:

كان ” ابن الرومي” متعشقا للحياة إلى حد الوله، كثير الطمع فيها، الا أن حياته لم تكن سوى سلسلة متواصلة من الهيبات والآلام، فوافق ذلك فيه شعورا بلغ من التوتر غاية الشذوذ فتجهمت الدنيا في عينيه.

هو أبو الحسن علي بن العباس ،ولد في بغداد سنة 835 هـ ،نشأ في ولاء عبد الملك ابن عيسى بن جعفر المنصور، رزق ثلاثة أولاد وقد ماتوا جميعهم في عمر الطفولة ،فرثاهم بأرق كلمات الرثاء، نكب في أسرته كلها، حيث فقد زوجته وأباه ولم يبق له الا أخ اكبر منه، معينا على ملمات الحياة، ثم حرم من اخاه ،فلم تكن تلك الضربات المتتالية الا جزعا وتشاؤما واغتصابا لكل معاني الحياة.

قضى حياته في صراع مع الوجود، كان ذا عقل مفكر وحس مرهف، فاضطرب أشد الاظطراب عندما لاحظ الشيب يتسلل لشعره فراح يرثي الشباب بانهيار وتفجع بلغا من أقصى الحدود.

كان يرى أن حياة الانسان سلسلة من النوائب، فملأ شعره بالتشاؤم الى درجة التطير، فعاش بتشاؤمه وطيرته الى وفاته ينة 896 هجري.

3- ان من الشعر لحكمة :

بكاؤكما يشفي وان كان لا يجدي ……………….. فجودا فقد أودى نظيركما عندي

بني الذي أهدته كفاي للثرى ………………. فيا عزة المهدى و يا حسرة المهدي

توخى حمام الموت أوسط صبيتي ……………….. فلله كيف اختار واسطة العقد

و أولادنا مثل الجوارح ،أيها ………………………….. فقدناه كان الفاجع البين الفقد

لكل مكان لا يسد اختلاله …………………………… مكان أخيه في جزوع ولا جلد

هل العين بعد السمع تكفي مكانه……… أم السمع بعد العين يهدي كما تهدي؟

التعقيب على الأبيات:

فجع ابن الرومي بابنه الأوسط ” محمد ” فكانت الضربة شديدة قرحت جفونه، و حطمت ما تبقى له من آمال، ألجأته الى أن يضمه الى صدره فيكب عليه شما وتقبيلا، قبل نقله الى مثواه الأخير، انه الموت يمتص نضارة العمر ، ويقطع ما أنجزته الآمال من وعود باستمرار الحياة، انه الوجدان يتلبس الألفاظ والصور، و يطويها على طاقات أدائية واسعة الأبعاد، انها العاطفة المتأججة التي تنصب في القلوب كما النار في الهشيم.

انه يسكب نفسه حسرة، يفصل ما يعانيه من شقاء فتلاحظ عليه رقة شعوره الحادة، فاذا بالنسيم العليل بالنسبة له عصف رياح، وهديل الحمام ندب واستغاثة، و حنين الأوتار عويل شديد.

وهكذا كل شيء ممتع يصبح قذى في عين المفجوع، و غصة في حلقه، و طعنة في قلبه، لا يكفيه أمل الولدين الباقيين لأن الاولاد مثل الطوارح لا يقوم احدهم مقام الآخر.

4- ضادنا الأنيقة :

–  يكتب الكثير منا ” وضع كل أمر على حدا أو على حدى ” و هذا خطأ شائع والصواب :على حدة جاء في معجم ” متن اللغة ” “الحدة كالعدة ،مصدر ،نقول جعله على حدة “، وقد قال مصطفى صادق الرافعي( وحي القلم 2/266) :هذا مجنون وليس بنابغة،بل هذا من جهلاء المجانين، بل هو مجنون على حدته.

5- نصيبنا من التراث:

المثل المختار: اكذب كذبة الوطا(الأرض)ماتكذبش كذبة السما.

حكاية عن ثلاثة رفقاء الأصم والصرير والمعوق حركيا، معروفون بولعهم في اختراع الأكاذيب العجيبة عزموا يوما لوليمة أقامها أحد أهالي القرية، واتفقوا عند الذهاب أو يمتنعوا عن الكذب، حتى لا يكونوا أضحوكة الحاضرين، و العجيب في الأمر أن صاحب الوليمة اكثرهم كذبا، بينما كان الجميع ملتفين حول الموائد اشتاق صاحب العزيمة لكذبة خفيفة فقال: اسمعوا يا خاضرين للجرو يلغك(ينبح) في السماء ، رد الأصم: انا اسمع صوت الخيل مدوية، نطق الأعمى مشيرا: هاهم منين جايين، تمايل المعوق في مكانه قائلا: اجرييييوا نلحقوهم.

الأستاذة/ ريمة جيدل.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.