أحمد رضا حوحو.. الأديب الشهيد والوطني الثّائر/ الجزء الأول.

183 مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 20 أكتوبر 2014 - 11:36 مساءً
أحمد رضا حوحو.. الأديب الشهيد والوطني الثّائر/ الجزء الأول.

حينما جثم الاحتلال الفرنسي على أرض الجزائر – كما هو معروف – أخذ أبعادا خطيرة استهدف مبادئ الإنسان الجزائري الدّينية، والسّيّاسيّة، والثّقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والحضارية بكلّ مكوّناتها، وذلك من أجل أن تبقى الجزائر رهينة التطلّعات الفرنسية الخبيثة وجعلها منطقة إستراتيجيةً تعود عليها خصوصًا والبلدان الأوروبية عموما بالمنافع الاقتصادية والدّينية والثّقافية التي تزيد من تمكين الاحتلال وتطويل عمره مادّيا ومعنويا. وقد سبق هذه الخطّة بعثات فكرية، وثقافية، واستشراقية، ومخابراتية دبّرت للمكائد الفرنسية وهيّئت لها الأجواء المناسبة حتّى تتمكّن من تحقيق برامجها وأهدافها .

ولكون الخطر الصّليبي قد ظهر عيانا ودون مواربة للمجتمع الجزائري بعد الإعلان الفرنسي عنه مباشرة من خلال استهداف المقوّمات الحضارية للأمّة الجزائرية بدأ الحراك الشّعبي الجزائري بالثورة ضدّه وإعلان مقاومته له. وقد أخذ طابع المقاومة الجزائرية أكثر من مسلك، فكانت المقاومة السّلبية التي سلكت مسلك الفرار من الوطن وهجرته، والتي كانت بالنّسبة للاحتلال الفرنسي إيجابية أهداها بعض الجزائريين وتخدم مصالح المحتل وتمكّنُ له. وفي المقابل ظهرت أشكال أخرى من المقاومة: كالعمل لمقاطعة الاحتلال بمستويات مختلفة، وحمل السّلاح في عدّة مناطق من الوطن. وقد كانت هذه الأشكال من المقاومة سببا في بروز مقاومة فكرية صلبة لا تخضع للاحتلال بما تدعو إليه من مقاطعة للمدارس الفرنسية، واللّجوء إلى معاهد الزّوايا، والمدارس الخاصّة، ومدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت حصونا قوية لصد الضربات التبشيرية والتنصيرية الفرنسية والأوروبية . وقد فرض الدّين الإسلامي فيها دوره الحاسم من خلال العلماء و المثقّفين ورجال الفكر في الجزائر .

وقد كان دور الكتّاب و المفكّرين واضحا وضوح الشّمس في رابعة النّهار، وجليًّا في العمل على حماية الوطن والمواطن من كيد الاحتلال، وفي فضح التّآمر الفرنسي الأوروبي على مستقبل البلد كونه وطنا له انتماؤه الحضاري، ونسبه العربي الأمازيغي الإسلامي، انطلاقا من روابط التّاريخ والجغرافيا واللّغة والدّين.

في هذا الجو المتشكّل بكل تقلّباته برز إلى الوجود التّاريخي الشّاهد الكاتب (أحمد رضا حوحو) ليرسم معلما من معالم المقاومة الفكرية والثّقافية والأدبية والجغرافية بما كان متمكّنًا منه، كونه معلّما، وصحفيا، وكاتبا، ورحّالة، ومصلحًا في كل مواقع المقاومة التي حل بها .

فمن هو الأديب أحمد رضا حوحو ؟

(1) في سيدي عقبة مدينة الصّحابي الجليل سيدي عقبة بن نافع الفهري بالجنوب الشّرقي الجزائري، ولد الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو سنة 1330 ه /1911 م حيث حفظ القرآن الكريم في الكتّاب كما هي عادة الأطفال الذين يرتوون من ينابيع القرآن، ولمّا بلغ السّادسة من عمره، التحق بالمدرسة الابتدائية، ثم أرسله والده إلى سكيكدة بعد النجاح في الابتدائية ليكمل دراسته في الأهلية عام 1928، ولم يتمكن من متابعة تعليمه الثانوي نتيجة السياسة الفرنسية التي تمنع أبناء الجزائر من مواصلة تعليمهم، ليعود “حوحو” إلى الجنوب ويشتغل في التلغراف بمصلحة بريد سيدي عقبة، وهذا ما زاده معرفة بأسرار الحياة، فكان يلاحظ الفرق البارز بين بيئتين مختلفتين : بيئة صحراوية قروية، وأخرى حضرية.

(2)  ريح عقبة في بلاد الحجاز : في سنة 1934م تزوّج وبعدها بسنةٍ شد رحاله بصحبةِ أفراد أسرته – الذين آلمهم تآمر بعض العملاء للاحتلال الفرنسي، فكانوا سببا في هجرتهم- إلـى بلاد الحجاز، وفـي المدينة المنوّرة عــلى ساكنها الصّلاة والسّلامُ، وبعد فترة وجيزة من استقراره بها التحق بكلّية الشّريعة التي كانت البركة فيها عليه ظاهرة، حيث ارتقى علميا في ميدان الشريعة الإسلامية، وتحصّل على أعلى الدّرجات، وهو الامتياز الذي أهلّه أن يكون أستاذا بها فيما بعد، وهي ميزةٌ تدلّ على تفوّقه ونبوغه الشرعي والأدبي.وكأنّه في هذه الهجرة يخرج ببريد السّلام من عقبة بن نافع إلى موطنه الأصلي في بلاد الحجاز ليشهد له ويزكّيه أنّه متشبّعٌ بروح الإسلام وفضائل العروبة ..

 (3) توظيف التّفوق الشرعي والأدبي والتّقني:

 النّابغة يجـــــد نفسه في أي مجال يوكل إليــــه خصوصا فيـــــما يتقـــنه ويحسن التّمنية فيه، والأديب أحمد رضا حوحو وجد نفسه كذلك، بل فرض تفوّقه الشرعي عندما اختير أستاذا في كلّية الشريعة، كما كان حاضرا في المجال المعرفي الأدبي السّياسي، إذ تبوّأ أعلى المناصب الأدبية في الكتابة الصّحفية ، فكان عنصرا فعّالاً يشار إليه بالبنان، كما هو الشّأن مع مجلّة الرّابطة العربية المصرية التي فتحت له صفحاتها حيث نشر فيها أوّل مقالٍ له بعنوان [الطّرقية في خدمة الاستعمار] وذلك في سنة 1937م عندما كان في المدينة الموّرة، وفي سنة 1938م عيّن سكرتيرا لتحرير مجلّة المنهل السّعودية بعد أن كان كاتبا ضمن طاقمها التحريري، حيث شارك في قسمها الثّقافي وقد ذاع صيته من خلال ترجمته لبعض النصوص والقصص من الأدب الفرنسي، واشتهر أكثر ابتداء من العدد الثالث الصادر في فبراير سنة 1937م  عندما قام بعرض واف لكتاب المستشرق المسلم والفنان التشكيلي العالمي الكبير ناصر الدين- إتيان- ديني الذي انبهر بجمال الصحراء الجزائرية، وقرر ان يقضي كل حياته بين أحضانها، وجعل من مدينة بوسعادة مرتعه الخصيب الذي يستلهم منه روائع لوحاته، ومبهرات ألوانه وأضوائه، إلى أن توفاه الله يوم 24 ديسمبر 1929 بـباريس، فرنسا، وأوصى أن يدفن في مدينة بوسعادة حيث يوجد الآن ضريحه ومتحفه.      

لقد مكث أحمد رضا حوحو مدّة سنتين مع مجلة المنهل ليستقيل بعدها حيث اشتغل موظفاً في مصلحة البرق والهاتف بالقسم الدولي، واستمر في هذه الوظيفة إلى أن عاد إلى الجزائر سنة 1946 بعد وفاة والديه.

(4) بين محاضن جمعيـــة العلمـــاء المسلمين الجزائريين:

وهـــي محاضن متنوّعـــة،فكرية، وأدبية، وإعلامية، وتعليمــية، وتربــوية وجد فيها متنفّسه خصوصا مع جمعية العلماء، وهذا ما كانت تطمحُ إليه نفسه، فهو كالسّمك إذا خرج من الماء مات، وهو كذلك، لا يجد نفسه إلاّ في بحر الفكر والعلم وما شاكل ذلك .. ففي سنة 1946م، وهي السّنةُ التي عاد فيها من الحجاز إلى أرض الوطن الجزائري. في قسنطينة عمل لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أستاذا مصلحًا وفق منهجها الإصلاحي والتربوي، وظهر ذلك في تدريسه وفي كتاباته، حيث جنّد قلمه وفكره لبث الوعي في النّفوس وحثّ الهمم، ومحاربة الاحتلال والبدع والخرافات وكل الآفات الاجتماعية التي تكبّل المجتمع -بقيود العبودية، ولتكون ظهيرا للاحتلال و ليعيث في السّاحة – بكل ألوانها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنّفسية – فسادًا وانتهاكا لحرمة الدّين والأرض والعرض.

من يتأمّلُ في الأبعاد التي يهدف إليها من خلال مقاله ” الطرقية في خدمة الاستعمار ” يدرك أنّه – وإن كان بعيدا بجسده عن الجزائر وعن جمعية العلماء الجزائريّين – على صلة فكرية وعاطفية ووطنية ومصيرية بهذه الأخيرة جمعية العلماء، كما أنّه في صفّ المقاومين بالكلمة والفكرة والسّنان للمحتل الغاشم .

(5) وظائفه ونشاطــــاته:

  • ·       عيِّن مديراً لمدرسة «التربية والتعليم» التي كان الشيخ ابن باديس قد أسسها بنفسه وبقي فيها ما يقارب سنتين
  • ·       انتدب لإدارة مدرسة «التهذيب» بمدينة «شاطودان» التي تبعد عن قسنطينة بحوالي 50 كيلومترا ولم يمكث فيها إلا مدة قصيرة.
  • ·       في 25 سبتمبر من 1946 نشر أول مقال في البصائر بعد عودتها إلى الصدور تحت عنوان (خواطر حائر)
  • ·       اشتغل في منصب كاتب عام بمعهد ابن باديس الذي فتح أبوابه سنة 1947م 
  • انتخب عضوا في المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذلك في سنة 1948م
  • في الأسبوع الثّاني من شهر ماي 1949م شارك في مؤتمر باريس الدّولي للسّلام، حيث مثّل الجزائر خير تمثيل.
  • في 27 أكتوبر قام بإنشاء جمعية المزهر القسنطيني ومن خلالها كان يعرض مسرحيات مثل: ملكة غرناطة، بائعة الورود، البخيل.
  • في سنة 15 ديسمبر 1949م أسس مع جماعة من أصدقائه جريدة الشعلة وتولى رئاسة تحريرها، وأصدر خمسين عددا منها . وكذلك كتب في جريدة البصائر.
  • قام بترجمة العديد من النصوص والكتابات في الأدب الفرنسي. وهذا على تمكّنه من ناصية اللغتين العربية والفرنسية.

يتبع…

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.