الشيخ بن عبد الرحيم دحية … رجل القرآن المجاهد.

344 مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 7 ديسمبر 2014 - 11:53 مساءً
الشيخ بن عبد الرحيم دحية … رجل القرآن المجاهد.

بسم الله الرحمن الرحيم

فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربّكم من رحمته و يهئ لكم من أمركم مرفقا ” …

أرقى كهف و أجمل غار جدير الاحتفاء به ، هو غار حراء الذي استوعب النّور كلّه ، و الذي ادّخر البركات كلها ، و النّفحات جميعها ، و الذي كان موئلا لرسول الله صلّى الله عليه و سلم حتّى فاجأه الأمين جبريل عليه السّلام بوحي الله إليه فأنزل عليه : ” اقرأ باسم ربّك الذي خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرأ و ربّك الاكرم الذي علّم بالقلم ، علّم الانسان ما لم يعلم ” …
في غار حراء كانت الخلوة الأولى للإقراء ، حيث سمعت الدّنيا صدى الترتيل النبوي للآيات الأولى من القرآن الكريم تنطلق من الغار عبر أثير جبال مكّة لترسل بأنوارها إلى آفاق الأرض المحجوبة بظلمات الجاهلية الدّامسة .
و استمر العطاء القرآني بالسّند المتّصل من رسول الله صلّى الله عليه و سلّم من خلال الصّحابة و التابعين رضي الله عنهم و من جاء بعدهم إلى يومنا هذا ..
و من هؤلاء الذين غمرتهم نفحات الرحمن ، و شملتهم بركات الغار في حراء ، الشيخ عبد الرّحيم دحية ، رجل القرآن المجاهد ، الذي كان نعم المحفّظ هو ، و خير الأصحاب لكتاب الله تعالى تعاطيا و تعليما و تربية و مجاهدة.
أربع ولايات من القطر الجزائري تشهد كلّها لعطائه الذي لم يعرف له كللا و لا مللا ..
ولاية المسيلة ، ببلدية ( جبل مساعد ) كانت بركة مولده بتاريخ 1916 ، من أسرة شريفة ينتهي نسبها إلى سيدنا رسول الله عليه الصّلاة و السّلام .. في هذه الرّبوع المباركة حفظ الشيخ عبد الرحيم دحية أجزاء كثيرة من القرآن الكريم على والده لحويشي الذي لم يألو جهدا أبدا في تربيته و تعليمه ، و حرصا منه على إتمام تحفيظه القرآن الكريم أرسله إلى زاوية الهامل التي كانت مركزا حضاريا و منارة علمية تضاهي الأزهر في مصر ، و الزيتونة والقيروان بتونس ، و القرويين بالمغرب ، و كثيرا من الحواضر العلمية المعروفة في العالم الإسلامي .
في زاوية الهامل العامرة بالعلم نهل الشيخ من معين علمائها ، و ذاق من طعوم موائدهم ما لذّ و طاب من العلم .
و من هؤلاء العلماء الذين تلقّى عنهم العلم الشيخ سي بن عزّوز القاسمي الحسني رضي الله عنه الذي أخذ عنه بعض العلوم الشرعية منها الفقه و التفسير و الحديث و علومه و اللغة العربية .
مسيرته التعليمية
بدأت مسيرة الشيخ التعليمية مطلع الأربعينيات عملا بحديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ” خيركم مـن تعلّم القرآن و علّمه ” ، حيث كان المنطلق فيها من الشّرق الجزائري في ربع من ربوع ولاية تبسة بمنطقة تسمّـى( بيضة الحراكتة ) التي مكث فيها وقتا قصيرا معلّما و مربّيا و مرشدا لشبابها و فتيانها ، ليشدّ عصا التّرحال بعدها إلى إقليم التيطري ، حيث طاب له الحال ، و استقرّ به المقام في إحدى نواحي مدينة عين بوسيف ، و هناك دأب على تحفيظ القرآن الكريم .. و لقد كان من بركات إقامته هناك أن أجرى الله تعالى على يديه فتحا كبيرا ، فقد حفظ عنده كتاب الله عز و جل عدد كبير من الطّلبة و الطّالبات ، و بقي في هذه الرّبوع الطاهرة و العامرة أربعة عقود بين أهل الخير من سكّانها إلى غاية سنة 1980 م ، حيث استقر بمدينة عين وسّارة ( ولاية الجلفة ) التي كان أهلها كرماء معه إلى أبعد الحدود بعد رغبة مشايخها الذين استقدموه إليها ، منهم الشيخ الحاج يحي مالكي ، و الشيخ خالد مختاري ، و غيرهم ، إذ اختار مقامه إلى جوار مسجد الشيخ خالد مختاري رحمه الله بحي المحطّة ليكون إماما له و معلّما لكتاب الله سبحانه و تعالى دون أن يعرف له انقطاع في حركة من العطاء الدّائم دون كلل أو ملل .
من الذين حفظوا القرآن على يديه الكثير من أبناء مدينة عين وسّارة منهم على سبيل المثال لا الحصر : مشتي محمد ، زغيم عبد المالك ، جيلي بلخضر ، جيلي محمّد ، حشيش محمّد ، حجاب لخضر ، و غيرهم كثير .
مسيرته الثورية و جهاده المبارك
من مراحل سيرته المباركة دعمه للثورة التّحريرية ، حيث كان كُتّابه مركزا يفد إليه المجاهدون من أجل الاجتماع بأنباء المنطقة التي كان يقطنها و ما جاورها من المناطق الأخرى ، و ذلك من أجل دفعهم إلى الالتفاف حول القضية الوطنية .. و الدليل على اهتمامه بالقضية الوطنية أنّه كان كاتبا لمراسلات المجاهدين ، و همزة وصل بين مختلف المناطق دفعا لحركية المقاومة و الجهاد الوطني ..
رحلته إلى الحج
كما هي الأشواق المتدّفقة ، و الحنين إلى بيت الله الحرام ، و الرغبة في أداء مناسك الحج و العمرة التي تدفع الملايين من المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها ، حيث يفد من تعلّقت قلوبهم بالكعبة المشرّفة ، و تهوي أفئدتهم إلى الالتصاق بالبيت العتيق ، تحقيقا لدعاء الخليل إبراهيم عليه السّلام { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم و ارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون } [إبراهيم :37] ..
شيخنا عبد الرحيم رحمه الله ناله هذا الشّرفُ و تحقّقت له أمنيته التي لم تغادر ضميره ، و أشواقه التي رامته حتى وفّقه الله بالسّفر إلى البقاع المقدّسة لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام ، و ذلك في سنة 1975 م الموافق 1394 هـ
مرض الشيخ و وفاته :
سبعة أيّام بلياليها من البدايات الأولى من شهر رمضان المبارك قضاها الشيخ مريضا بمستشفى مدينة قصر البخاري حيث مكث به يسابق الزمن المتبقّى من عمره تاليا لكتاب الله تعالى دون انقطاع ليلفظ آخر أنفاسه مع آخر آياته و يغادر الدّنيا و يلقى ربه في يوم السبت الثامن من شهر رمضان المبارك 1430 هـ الموافق لـ : 29/08/2009 م .. حيث دفن بمقبرة الهامل العامرة بالعلماء و الصالحين ..
عاش الفقيد حياته كلها في خدمة القرآن الكريم تحفيظا و تعليما و تربية ، محدثا الناس بلسان الحال أن القرآن الكريم رفيق دائم للعبد الصالح في دنياه و في أخراه .. فرحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح جنانه مع أهل القرآن من النبيين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا ..

أبو القاسم العباسي
كاتب و باحث و داعية

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.