خالد ربيعي…… الشعلة التي انطفأت قبل الأوان. بقلم عيسى العباسي

521 مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 24 فبراير 2019 - 6:41 مساءً
خالد ربيعي…… الشعلة التي انطفأت قبل الأوان. بقلم عيسى العباسي

من جملة ما يدخل ضمن دائرة الاهتمام عند الكثير من النّاس، حرصهم الشّديد على بلوغِ عددٍ من الغايات، تتحدّد معالم تحقيقها انطلاقًا من طريقةِ تفكير كلّ واحدٍ فيهم، حيثُ هناك من يحتويه اتساع الأفق، فيختار وجهته مبكرًا، وفيهم من يتأخر كثيرًا إلا أنّه ومع ذلك يصل بالصدفةِ إلى ما لم يكن له فيه رغبة أو مجرد اهتمام، كما لا يكون للبعض الآخر نصيب ممّا كانت تراودهم فيه أحلام الطفولة البريئة، فيخرجون من كلّ ما حاولوا صنعه من آمال جميلة بأيادي خالية الوفاض.

وهناك من لا يعتمد في بلوغ الغايات والوصول إلى قمة النجاح في كثير من الأحوال على أسسٍ معينة أكثر من تلك التي توجد بين ثنايا الاجتهاد، حتى ولو وقفت إلى جانبه كل مقومات الحياة الرّغيدة، أو دون عناء منه وقد توفّرت أمامه أيضاً جميع الظروف المادية المناسبة لواقع الحال الذي يعيشه، حيث تتهاوى أوراق الرغبة عنده تباعا كلما غابت قوة التحدي التي لا تعترف بحجم المعوقات كالفقر أو مسافة العزلة، ولنا في ذلك أكثر دليل أن أغلب العلماء والأدباء والمفكرين أو القادة العظام هم من وُلدوا من رحم الحياة القاسية، فالمسيرة عندهم تظل ماضية نحو الأمام ولا يمكن لأحد أن يحدّد معالمها بسنوات معلومة مهما كانت رجاحة عقله واستشرافه الجيد للمستقبل القريب أو البعيد، وكمثال بارز يُستمد منه الطموح لأجل تحقيق أكبر النجاحات سواء لبني قريته المعزولة والمسماة (الخميس) بدائرة سيدي لعجال أو لجميع المناطق النائية المحيطة بها من التي تقع شمال غرب ولاية الجلفة، أو بالنسبة لكل واحد يعيش نفس الظروف وفي أي مكان أخر نجده في شخص الفقيد المرحوم [ربيعي خالد] الذي وصل إلى قمة النجاح، بعد أن كرس كامل سنين حياته لطلب العلم والبحث عنه أينما حل أو ارتحل، لكن ولما حان موسم قطف ثمار جده واجتهاده جاءت الفاجعة الأليمة التي أطفأت شمعته وهو ابن ستة وثلاثين ربيعا.

لقد كانت لخالد رغبة الوصول إلى المبتغى والوقوف على منبر العظماء مذ كان صغيرا، وهو ما جعله يقف شامخا في وجه أصعب المواقف رفقة كثير من أقرانه ممن يسكنون الأرياف حينما كان يتنقل بحماسة وتلهف إلى مدرسته القروية والبعيدة جدا عن البيت وقطعه بشكل يومي لمسافة طويلة غير آبه لريح الخريف أو لأشعّة الشمس الحارقة أو لبرد ومطر الشتاء القارص، والذين كانوا يحاولون عبثا الوقوف في وجهه كسد منيع للحيلولة دون مواصلته للمسير طيلة سنوات المرحلة الابتدائية وجره نحو ساحة الفشل البغيض، لتليها المرحلة الحاسمة من حياته والتي فصلت بين حضن الأم ورعاية الأب وولوجه لأول مرة عالم آخر يختلف كثيراً عما عاشه في صباه، وهو الانتقال إلى مدينة قصر البخاري التي احتضنته أربعة مواسم بإحدى متوسطاتها. صعوبة المَهمّة التي عايشها كتلميذٍ مجتهدٍ والانتقال إلى حياةٍ أخرى، فَقَدَ فيها كمتعلم كثير مما كان يحظى به في البيت من عناية ورعاية واهتمام عائلي قلّما يتوفّر لكثير ممّن لازموه المدرسة الابتدائية نظراً للظروف المادية الصعبة التي كانت تعيشها كثير من الأسر وحاجة أبنائها إلى الشُروط والمحفزات التي تشجعهم على التّمدرس، الشيء الذي زاد من قوّة العزيمة لديه وارتفاع منسوب إيمانِهِ بِوُجوب النّجاح تحقيقاً لرغبة والده الذي لم يقصِّر تجاهه بشيءٍ كان يطلبه منه، ليكون أولَّ المنتقلين إلى ثانوية نعيم النعيمي بالجلفة، ويعيش فيها كلَّ الأجواء المتّسِمة بالانضباط والصرامة حيث لا صوت يعلو عند إدارتها آنذاك فوق صوت المثابرة والالتزام، فكان لها فيه مثال الطالب المتفوق والمجتهد والأنموذج الذي ينتظر ورود اسمه يوم إعلان النتائج، ويكون من بين المذكورة أسماءهم على أمواج القناة الأولى للإذاعة الوطنية، وبالفعل كان ذلك يوم تم فيه بث نتائج شهادة البكالوريا من صيف 1979 ومنها تمكن من قطع شوط كبير وتجاوزه لعتبةٍ هي الأكبر في مسيرة كل طالب، وسمحت له بالانتقال مباشرة إلى الجزائر العاصمة لإتمام دراسته بها وتحديدا بكلية الآداب، والمكوث ما مدته أربع سنوات أبان من خلالها كبير اجتهاده والذي أهله أن يكون ضمن دفعة إلى مصر العربية وبالضبط إلى الإسكندرية أو المدينة التي هي عروس الماء وخميلة الحكماء والشعراء أو كما قال أحمد شوقي، حيث لم ينبهر أبداً بسحر جمالها أو زُرقة ماء بحرها العاكس للون سمائها الصافي، ولم تغرّه حينها الأصوات التي كانت تصدح ويتردد صداها بقوة بين المسارح وخلف قاعات دار الأوبرا المصرية ومسرح “هيلتون رمسيس”، بل استمد عزيمته من تفوق عظمائها قديما كالاسكندر المقدوني مؤسس المدينة سنة 332 ق م، والفاتح لها عمر بن العاص زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، أو حديثا مرورا بالملك فؤاد، والخديوي إسماعيل ثم أخيرا جمال عبد الناصر، أو من أدبائها من أمثال نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، أو المثقفين والصحفيين كالدكتور محجوب ثابت بك، والشيخ عبد العزيز البشري، ومحمود فهمي النقراشي، وأمين الرافعي، أو من طلاب نفس الجامعة التي اختارها قبله وزاولوا دراستهم بها كأحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، وعالم الذرة يحيى المشد، وعالم الآثار زاهي حواس، والعالم والمفكر المعروف عبد الوهاب المسيري، أين مكث بها ثلاث سنوات كاملة لأنه كان يؤمن بنبل الرسالة التي جاء لأجلها.

هذه الأحداث المتسارعة من حياة خالد ربيعي توقفت به عند عدد من المحطات، تجاوب بشيء من الكبرياء وكثير من التطلع مع ما كان يحيط بكل واحدة فيها وتتسم به من ظروف أغلبها لم تكن بدرجة السهولة التي يتخيلها كل من توفرت لديه شروط التعلم مثلما هي عليه الحال عند جميع المتمدرسين في الجزائر اليوم، حيث أجاد المكوث في كل محطة نزل بها طالبا للعلم، فكان منه سوى أن أحسن التفاعل معها بصدر رحب وبرباطة جأش أمام كلّ عرقلة حاولت فرملة مسيرته المفعمة بالنشاط والحيوية، ليمرّ قطاره سريعاً عبر نقاط متعدّدة، دون أن يعترضه سهل أو منحدر، بين كل نقطة وأخرى يوجد صمود وتحدّي، أخرها ما تكلل بنيله لشهادة من خارج الوطن، أين عاد وهو يحمل حقيبة من ضمن ما فيها شهادة ماجستير من مصر العربية سنة 1988 تناول في مضمون الرسالة التي تفضل بمناقشتها، جانب من حياة أحد شعراء القرن الهجري الأول الذي يعتبر أول من أدخل الجدل المنطقي في الشعر العربي وجاءت بعنوان “دراسة في شعر الكميت بن زيد الأسدي” وكانت مشفوعة بملاحظات شرفية عالية وقعها أكبر الأساتذة هناك، تدلّ على جدّه وتفوقه البارزين، ساعدته في الالتحاق مباشرة بجامعة عمار ثليجي بالاغواط كأستاذ بها وفي نفس الوقت كانت عينه منصبة نحو شهادة الدكتوراه التي سبق القدر الوقوف حائلا قبل مناقشتها إلا بقليل، لتنتهي معها الأحلام الجميلة التي كانت تراوده لأجل تحقيقها وهو في أرض الكنانة مصر، لمّا كان يأخذه التأمّل بعيداً عند عطلة نهاية كلّ أسبوع في زُرقة مياه بحر الإسكندرية الجميل أو على ضفاف نيل القاهرة أو كلما مرّ بالأزقة والحارات، كالغورية والعباسية، أو مبانيها الأثرية ذات الطابع الإسلامي، كمصر القديمة، والسيدة زينب، والدرب الأحمر، والتي بعثت رجالا ونساء عظام كطه حسين، والعقاد والرافعي، وأنيس منصور، واحمد شوقي، وإحسان عبد القدوس وأمه روز اليوسف، ومحمود سامي البارودي، والأديبة ملك حفني ناصف، وغيرهم كثير، لينتهي كل شيء حمل لواءه ما مدته سنين عمره وكأنّه حلم من ليلة عابرة، أو سراب من هاجرة النهار.

لقد ترك خالد ربيعي غصة في حلق كل من عرفه أو سمع عنه، ليس لأنه وحيد زمانه أو ما كان من هذا القبيل، بل لأنه وحيد قريته- الخميس- التي ما استطاعت أن تنجبَ واحدا يحمل من صفات التحدّي الّتي توفّرت في شعلة انطفأ نورها للأسف قبل الأوان، أو كزرع وبمجرد أن أينع أمامهم حتى باغته الأجل دون سابق إنذار، ويتوفى في حادث سير أمام مدخل جامعة الأغواط. سنوات الزرع انتهت بالنسبة إليه مكللة بكلّ النّجاح، لكن ولمّا همّ بالبدء في عملية الحصاد حتى توقفت الآلة التي كان يطمع الجميع في جمع غلة اجتهاده من خلفها، سواء من نبل كرمه الذي هو صفة أهله والمحيطين به، أو من عظيم عطائه، وحسن سيرته، وتشبع سلوكه بالأخلاق الفاضلة، ليذهب كل شيء مع تلك النكبة التي آلمت الجميع، ونغّصت عليهم فرحة الوصول إليهم بعد غياب طويل، فلم يأخذوا لا القليل ولا الكثير مما أرادوه وانتظروه منه حينها.

كما ظل ذكره ألما يتجدّد عند أطفاله الأربعة (ثلاث بنات وابن واحد) والذين بدأ يكبر معهم ألم الفراق بمجرد أن بدأ يزداد الوعي لديهم سنة بعد أخرى بأن أبيهم كان أستاذا جامعيا في الوقت الذي كان أمثاله يعدّون على أصابع اليد بالمنطقة كلها، تحصرا منهم على شعاع أفل نوره بغتةً وكان من الواقعي لكل أب لأبنائه أن ينير درب النّجاح أمامهم، لكن وبتعويض من رب كريم أن وهبهم أمًّا لها من الصمود والشجاعة الكبيرة، وإرادة الوقوف في وجه المحن، والإخلاص لزوجها الفقيد على إتمام الرسالة التي أراد أن يكتب أسطرها كاملة في سجل مستقبل أبنائه، ومن المستوى التعليمي العالي عندها ما أهلها أن تعوّض هؤلاء الصبية بذلك النقص الذي كان من المفروض أن يتكفّل الوالد بملء فراغه، بمزيد من النجاح والتفوّق والسماح لهم بمجاراة الحياة ودون مركّب نقص، فتحملت الوزر، وباستعداد تام لتحمل المسؤولية، فكان الحمل ثقيلا إلى أن صنعت فيهم نفس التحدي والعزيمة اللتان لازمتا والدهم خالد لَمّا كان بنفس السن معهم، إلى أن صاروا يتبوءون أحسن المناصب المشرفة، فالبكر أستاذة جامعية، والأخرى أستاذة تعليم ثانوي والأخرى أستاذة تعليم ابتدائي أما الابن الوحيد فهو الآن متصرف رئيسي بمستشفى الجلفة، والشجرة الطيبة لا يخرج منها إلا ما هو جميل وطيب. وأخيرا يشهد كل من عاصر خالد ربيعي، بمستواه العالي، وبمقدرته على تقديم محاضراته أمام طلابه بأسلوب متين، يستمد قوته من طبيعة البيئة التي عاشها طفلا، ومن روح الدعابة التي كانت تسكنه وتثري الحديث إليهم بخصائص تحتّم أن تكون حافزاً مهما أمامهم ليستلهِموا منها شتّى العبر وتجعلهم يُسايرون جميع ما يقدِّمه إليهم، بكلمات كانت تنساب من خلفها ودون شعور منهم، نظرات صادقة جاءت من فضاءات مختلفة لتصنع فيهم جملة من الأجواء المضيئة، المقتبسة من محياه الباسم، فضلا عن حسن أخلاقه، وكبير تواضعه، وحرصه على غرس الألفة والحب بين أصدقائه والدعوة على التكتل في لواء واحد، يسوده الاحترام المتبادل والتشجيع على بناء أسوار الرسالة العلمية، بعيدا عن كل غلو أو غل أو تفرق، وجميل أناقته التي كانت تطبعه بتميز واقتدار، ظلت دوما تضفي على شخصه داخل الجامعة عموما أو أمام الجميع في قاعات المحاضرات وخارجها، ألوانا بديعة ليس من الطبيعي أن تكون عند الغالبية ممن لازموه، ينشر بفضلها مشهدا من الفرجة والمتعة. الحياة ما هي إلا لحظات تغمرنا الفرحة فيها أحيانا، وأحيانا أخرى ما هي إلا كومة من الشقاء، وأحيانا أخرى هي تتبع دائم لشيء لا نراه بعينه أو ندرك أن نتائجه ستتحقق كواقع بيننا، أو أننا نعرف الوجهة التي يريدها القدر منا.

ليس للحياة بداية نعلمها، وليس لبدايتها نهاية نخافها أو نطمع في أن تعطينا أكثر مما أعطيناها من عشق وهوس، وأحيانا أخرى نشكّ في أنها أخذت منّا أكثر ممّا كان لها من عندنا يوم تشبثنا بأسوارها وأحببنا كل ما فيها مما نراه انه جميل. فالنهاية أو موت كل واحد منا ليس مرهون بعطائنا وكثرة اجتهادنا في المدة التي عشناها، بل هي لحظة تسجلت يوم مولدنا بأن النهاية آتية لا محالة ودون تحديد موعد منها، غير أننا لا نولي لها كل الرعاية والاهتمام، ومع ذلك تختلف في تنفيذ ما أمرت بتنفيذه نحونا بأشكال وطرق متعددة بقدر وزن كل واحد منا، فهناك من يكون مروره فيها كمجرد حدث ليس إلا، وهناك من يبقى اسمه مرسوما في ذاكرة الآخرين طويلا، منقوشا بين دفاتر الأيام كثيرا، وما تطرقنا لواحد مثل خالد ربيعي ليس من باب المبالغة، أو لأجل التذكر فقط، لأنّ هناك من الأحياء هم ميتون، وهناك ممن غيبهم الموت عنا ومنذ أمد طويل، إلا أن ذكرهم لا يزال يدوي المجالس ويملأ صحائف المتحدثين بشيء فيه من الوقائع المثيرة والأحداث العجيبة، والدّالة كلّها على نبل الأخلاق وكريم السجايا وعظيم العطاء، وهو ما يترجم روح الاعتراف والتفضّل بتثمين كل ما رأوه فيه أو سمعوه عنه ذات يوم. لقد رحل خالد سنة 1994 مثلما يرحل كل إنسان أو أي مخلوق هو إلى الفناء ذاهب، ولكن ما لا يجب أن نتغافل عنه، أن الاعتراف له، هو الدَيْن الوحيد الذي تركه في أعناق كثير ممّن عرفوه وأحبوه، وواجب قضائه يكمن في التفضّل بتدوير عجلة الزمن إلى الخلف قليلا وصنع ما يليق بمقام فرد شهد له حتى من لم تسمح له الفرصة بالملاقاة إلا بما هو خير.

خالد ربيعي عنوان لكتاب ضخم تدوّنت بين صفحاته حوادث وأحداث، وأنشودة ترنمت بعذب ألحانها أحسن العصافير صباحا بزقزقة في فصل جميل، فيه من المتعة ما يبعد عن النفس ما يكدرها، ويضبط دقّات القلب بحركة وميل السنابل حينما تهب نسمات مساء أيام الربيع، حيث الجمال يبدو وقد طلّت شقائق النعمان بلونها الأحمر الأرجواني على سفوح الجبال وبين الوهاد.

لقد رحل خالد في غفلة ودون سابق إنذار وكأنه أراد أن يقول: آن لي أن أرحل كما يرحل كل شيء، آن للحق أنْ يأخذ مساره ويعود كما أراد القدر، لكل شيءٍ بداية وليس لكل بداية نهاية، فالعمر إن لم يرحل اليوم فإنه سيرحل غدا… وداعا.. وداعا… أيها الأحبة.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 2 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.