سيرة ومسيرة الشيخ العلامة ” سي عامر محفوظي ” رحمه الله.

314 مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 22 يونيو 2018 - 1:41 مساءً
سيرة ومسيرة الشيخ العلامة ” سي عامر محفوظي ” رحمه الله.

التعريف بالشيخ :

هو عامر محفوظي بن المبروك بن مزوز المحفوظ بن أحمد الملخوي النائلي العربي نسبًا، الجزائري موطنًا، الجلفاوي سكنًا، السُّني المالكي عقيدة ومذهبًا، كان ميلاده خلال 1930 بفيض البطمة، وهو من هذه المنطقة هو وأهله.

إخوته: أحمد وعلي والخليفة، وأخت شقيقة، وثلاث لسن شقيقات، والحي: علي فقط، والذكور كلهم يحفظون القرآن الكريم.

أولاده: خمس بنات، تُوفِّين صغيرات، أصيب فيهن بمقتل، فمن يصبر صبره، وذكَران توفي أحدهما، وهو عمر، وما زال أحدهما على قيد الحياة، نسأل الله له طول العمر وحُسن العمل، وهو الشيخ الأستاذ عبدالكريم يعمل مديرًا في قطاع التعليم.

تعلُّمه وتربيته: كانت الأُسر الجزائرية القارئة تتولى التربية والتعليم لأبنائها، ومنها أسرة شيخنا؛ فقد كان أبوه حافظًا لكتاب الله تعالى، يحفِّظه لولده خلال حياته اليومية، وهو مَن رباه وعلَّمه القرآن الكريم وعلوم العربية ومبادئها، حتى توفي والده الكريم سنة 1946.. لما وصل شيخنا سي عامر سورة يس وعَى وعرف أنه يقرأ ويحفظ القرآن الكريم؛ أي: إنه قبل وصوله إلى هذه المرحلة كان يلعب مع أترابه، ويعيش حياته طفلاً، ويحفظ بشكل روتيني دون وعي بأهمية ما يفعل من القراءة والحفظ، وقد يكون في عمر الخامسة، كونه بدأ التهجد بالناس والتراويح في سن التاسعة، في منطقة طاقين بقصر الشلالة لما وصل أبوه إلى تلك المناطق؛ حيث كانت الأسرة الكريمة من البدو الرحالة، فصلى بالناس إمامًا، وهكذا كان أبناء المسلمين والجزائريين يضطلعون بالمسؤولية العظيمة، ويتدرَّبون عليها صِغارًا.

ودرس أشهرًا بالزاوية الطاهرية بنواحي الجنوب من الجلفة، وكذا بزاوية الهامل، ولكنه لم يبقَ بهما إلا قليلاً، كونه ملازمًا أباه في عيشة الترحال البدوية، وكان من تحمله مسؤولية إعانة والده على تحمل أعباء الحياة الأسرية أنه كان ينتقل وحده ماشيًا وهو في عمر الحادية عشرة 11 من منطقة طاقين إلى بلدة فيض البطمة، وهي مسافة بعيدة حوالي 200 كم مائتي كيلومتر، ليحضر المؤونة من قمح وشعير، طعامًا لأهله، بسبب سوء الحال الذي تسببت فيه فرنسا الاستعمارية الكافرة، وكذلك الوضع العالمي السيئ نتيجة الحرب العالمية الثانية، التي أقحمت فرنسا فيها مستعمراتها، وخاصة الجزائريين، ووعدتهم بنيل الحرية إن تجندوا في صفوف جيشها لرد الألمان عنها، فكان جزاء الجزائريين بعد تحرر فرنسا جزاءَ سنمار، فأخلفت وعدها، وقتلت أكثر من 45000 خمسة وأربعين ألف جزائري في ثلاثة أيام بعد خروجهم في مناطق كثيرة، منها: قالمة، وخراطة، وسطيف في الجزائر، مطالبين بالحرية والوفاء بالوعد، وكان أن انتشرت المجاعة والأمراض، وصار الناس يموتون في الشوارع والأزقة ولا يجدون حتى من يدفن الموتى، ولم يجدوا حتى الأكفان، فضلاً عن الضروريات من العيش، فأكلوا الجِيف والنباتات، وأوراق الأشجار… وسمَّوا تلك السنوات بالمزغبة/المسغبة؛ أي: المجاعة، والتيفوس وهو اسم أعجمي لوباء انتشر وقتل الناس جماعات وفرادى، وعام الدشيشة، وهي القمح المهروس المطبوخ، ولم يكن قمحًا في الحقيقة، بل قشور القمح فقط، تطبخها بعض الجمعيات الفرنسية المنصِّرة التابعة للجهات المشبوهة – كالكنائس وغيرها – وتطعمها للجياع بدون إدام بماء فقط، فلا تُسمِنهم ولا تغنيهم من جوع، بل تتسبب في موتهم، وكانت تسجل توثيقًا، كل قبيلة في أرضها، ولا يجوز في عرف فرنسا أن تأخذ المؤونة أي أسرة أو قبيلة أو فرد منها من منطقة أخرى؛ لذلك كان يرحل الشيخ سي عامر الطفل كل هذه المسافة، ويأمُره والده بحمل اللوح الذي كتب فيه حزبًا أو حزبين جزءًا من القرآن الكريم، وعليه أن يعرضه على الوالد من ذاكرته حين عودته، وتزوده والدته بخبزتين، خبز شعير أو حنطة لا أكثر، فيعود وقد حمل المؤونة وحفِظ الجزء من القرآن الكريم.

استقراره:

في نهاية الأربعينيات 1947، سكن الجلفة في حي الظل الجميل، ثم حي بيروعرب (منطقة خاصة للعرب سكنًا، بحيث يمكن حراستهم وحصارهم من فرنسا، وكلمة بيرو معناها: المكتب الإداري الفرنسي المشرف على مراقبة العرب).

وقد تزوج من حاسي بحبح السيدة فيطس فاطنة رحمها الله، وكان منذ ذلك التاريخ ملازمًا للشيخ الفقيه المعلم المالكي المذهب الرحماني التصوف، فحل الصحراء، وسيد العلم في بني نائل وما جاورهم من القبائل، الشيخ: سي عطية مسعودي رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

وأقول: قد كنت أجلس مجالس مع الصالحين من الكبار والمثقفين في مناطق من الجنوب في الأغواط وغرداية وغيرها، فإذا علِموا أني من الجلفة ذكروا نكتًا وطرائفَ في الفتوى والفقه والدعوة والإرشاد ينسبونها حقيقة بسند إلى الشيخ سي عطية، يعرفونها ويروونها، وأنا لا أعرفها، مما دل على سعة اشتهار سمعته الطيبة، ولا يذكرون الشيخ سي عطية إلا وذكروا معه الشيخ سي عامر محفوظي رحمه الله تعالى، بنفس الإعجاب والمدح..

يعمل بالمسجد جامع الجمعة كل أعمال المسجد؛ فهو المؤذن والقيم، فينظف المسجد، ويقوم بتسخين الماء لمن يتوضأ، ويؤذِّن، ثم بعد الصلاة ينبري لتعليم القرآن الكريم، فكان بهذا قيِّمًا ومؤذِّنًا ومعلِّمًا وإمامًا ومدرِّسًا بتواضع ونشاط ورغبة تظهر زهده وعلمه وحِلمه، حتى لبى دعوة الإمام سي عطية مسعودي مساعدًا له بالمسجد.

سي عامر المعلم:

في بدايات الاستقلال 1963، التحق بقطاع التعليم ممرِّنًا في مدرسة الإخلاص إلى 1967، فأخذ منهجية التعليم الحديث تطبيقًا، وتفتح على الجديد في طرق التعليم ونظامه ومناهجه في كل المواد، وكيفية التواصل مع باقي المعلمين والنظام الإداري، وكيفية التسيير، وكيفية التواصل مع التلاميذ وأوليائهم، مما كان مختلفًا تمامًا مع نظام الكتاتيب والزوايا، فازداد تفتحًا، وتفتقت ملكاته وذاكرته ومنهجيته، واستغل هذه الخبرة بعد ذلك في تدريسه في معهد الأصالة للتعليم الأصلي بالجلفة، وكذا بمعهد المعلمين متعاونًا، كان معلمًا نصوحًا ذكيًّا سياسيًّا، يحتوي كل أطياف المجتمع صغارًا وكبارًا وإن خالفوه، فقد علم بالمسجد وبالمعهد التكنولوجي للمعلمين سنتين أو أكثر 1982، 1983، وبالمعهد الأصلي: اللغة العربية، والفرائض، والتربية الإسلامية، وبمدرسة الإخلاص، فلم يُذكَر بسوء أبدًا، وعلَّم الفقه في كثير من الأحيان لشباب المساجد من طلبة الثانوي والجامعة في أواخر السبعينيات إلى أوائل الثمانينيات، واحتوى الجميع، وكان محاورًا بارعًا، وداعية راشدًا مرشدًا.

في قطاع الشؤون الدينية والأوقاف:

أعاد الشيخ الإمام سي عطية مسعودي إمام جامع الجمعة دعوته للشيخ سي عامر سنة 1967 ليكون مساعدًا له، وكان قد نال الرضا بإجازة مكتوبة من الشيخ نعيم النعيمي النائلي عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بإمكانية قبوله في قطاع التربية والتعليم، وتوافق ذلك مع وقت استقالته من التعليم والتحاقه بقطاع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف مساعدًا بالمسجد الجامع مع الشيخ سي عطية مسعودي، وعين سنة 1974 مرشدًا ومدرسًا في بعثة الحج، وتقلد سنة 1975 مهامَّ المسجد كإمام ممتاز وقائم بدرس الجمعة والخُطبة والتراويح والفتوى الشفاهية والكتابية على مستوى الولاية، وكان الناس يأتونه من أماكن بعيدة، بل وتأتيه الاستفتاءات من مناطق في أوروبا، ويجيب عنها بروية وحُسن فقه وعلم، وقد تصدى للفتوى بإذن معلمه ورفيقه الشيخ سي عطية مسعودي رحمه الله تعالى بتزكية وإجازة مكتوبة (نسخة مصورة في آخر العرض)، كل ذلك ظهر جليًّا بعد عجز الشيخ سي عطية وإذنه، ونال التعيين في تلك الرتب بعد فوزه في مسابقة الأئمة سنة 1972، وكان الأول على مستوى ولاية التيطري، ونال شَهادة معادلة لليسانس في علوم الشريعة، كما اختير رئيسًا للمجلس العلمي لولاية الجلفة سنة 1991، ثم كلف بنظارة الشؤون الدينية بولاية الجلفة سنة 1993، إلى أن عاد إلى المسجد، ثم طلب الإحالة على التقاعد سنة 1996، وبقي في المسجد يؤدي وظائفه تطوعًا إلى أن مرض ولقي ربه إن شاء الله راضيًا مرضيًّا.

سيرته وعلمه وفقهه وزهده:

كان طيب السريرة إن شاء الله، وطيب السيرة، فطاب رحمه الله تعالى حيًّا، وطاب ميتًا، مِن سيرته روى لي ثقات أنه كان في كثير من فصول الشتاء يذهب إلى حانوت، دكان يبيع الجلاليب القشاشيب، فيشتري كميات ويذهب إلى ديار يعرف أن أهلها فقراء، ويوزعها عليهم، من ماله، بل وكذا كان يشتري البطاطين والأغطية ويوزعها ويؤتيها الفقراء، وكان متصوفًا رحمانيًّا معتدلاً، لم يعرف بالبدع أو الخرافات، وكان رجلاً قرآنيًّا لا يترك قراءة القرآن الكريم حتى في أحلك الظروف وأشدها؛ فقد كان في مرضه الذي مات فيه لا يفتأ يقرأ القرآن حتى وافاه الأجل على تلك الحال، وكان رحمه الله مفتيًا فقيهًا حاذقًا ذكيًّا مالكيًّا دون تعصب؛ فقد استفتاه بعضهم عن جواز لُبس الحذاء المصنوع من جلد الخنزير المستورد، فرد السائل قائلاً: عُدْ إليَّ بعد أيام، ثم بحث في المسألة وذهب من غده إلى التاجر السائل قائلاً: (أعطني حذاء مقاس 44 من النوع الذي استفتيتني فيه)، وكان رحمه الله تعالى يَقِيل ويستريح بعد صلاة الظهر ولا يستقبل الناس، فطرق عليه طارق ثقيلٌ الباب بشدة، فقال الشيخ لولده عبدالكريم: انظُرْ مَن الطارق! فنظر، قال: رجل رثُّ الهيئة يستفتيك، قال: ائذن له، قال ولده: أوَليس هذا وقت راحتك؟ قال الشيخ: هذا رجل فقير من العامة، لا يأتي به إلينا إلا الضروري من الأمور، وإني أخاف إن رددتُه أن أسأل عنه يوم القيامة: استفتاك ورددتَه وكتمت عنه العلم.

وكان بيتُه لا يُغلَق رحمه الله تعالى، وكان كريمًا يطعم الطعام، ولا يرد المستفتين والزائرين من أماكن بعيدة المدى البرج، والمسيلة، والأغواط.

وكان متفتحًا على المذاهب في فتواه وتعليمه، غير متعصب لطريق أو مذهب رغم مالكيته ورحمانيته الظاهرتين الجليتين رحمه الله تعالى.

وكان من منهجيته في فتواه أن يكتب سؤال السائل المستفتي كما سمعه، ثم يجيب كتابيًّا حسب السؤال، ويختم وثيقة الفتوى بختمه على أنه مفتي الولاية، ليستعملها السائل في حدود المسموح به قانونًا؛ أي: إن فتواه كانت تحمل الصبغة القانونية، ومعترفًا بها في الجهات المعنية.

وكان شديد الحفظ قوي الذاكرة إلى آخر أيامه رحمه الله.

ومن اللطائف عنه رحمه الله أن وزير الشؤون الدينية زار الولاية في السبعينيات، وطلب من ناظر الشؤون الدينية في تلك الفترة سي بولنوار الأخضري رحمه الله تعالى أن يقدم إمامًا ليلقي درسًا، فاختار الشيخ سي عامر، فلما انتهى من درسه أمام الوزير والجمع الحاضر من الأئمة والعلماء والأعيان، قال الوزير مخاطبًا ناظر الشؤون الدينية: (لقد جمعت كنانتك وضربتنا بأصلبِها عودًا)، شهادة من أعلى مستوى في قطاع الشؤون الدينية، الوزير، بأمرين؛ الأول: أن الجلفة بها كنانة غير خاوية، والثاني: أن أصلب نبالها وأقواها الشيخ الفاضل سي عامر محفوظي.

ومن اللطائف أن أول حجة سنة 1974 كانت على نفقة المملكة العربية السعودية؛ لأنه شارك وأجاب على أسئلة في مسابقة من المملكة فاز فيها بنيل دفع تكاليف الحج، ثم حج بعد ذلك سبع حجات وثلاث عمرات.

كان محبوبًا من الجميع؛ من جيرانه، وأهله، وأصحابه، ومنهم تلاميذ الشيخ بلكبير، الذين كانوا يدعونه لإلقاء الدروس في تجمعاتهم أثناء الحج.

ووصى ابنه عبدالكريم بزوجته خيرًا، وأن يبقيَها عنده ويرعاها، وقد فعل؛ فهي عنده إلى اليوم مثل أمه حفظهما الله تعالى.

مثَّل الولاية في العديد من الملتقيات الدولية والوطنية في مجال الفكر الإسلامي، وتتلمذ على يديه العديد من المشايخ، وله مؤلفات ومخطوطات عديدة، منها: “تحفة السائل بباقة من تاريخ سيدي نايل”، و كتاب: “الطرفة المنيرة في نظم السيرة”، وقد حدثني أنه ألف في النحو وعلوم اللغة متنًا، وكذا قرأت أن له مخطوطًا، هو شرح على سلم الوصول في علم الأصول للديسي.

رحل إلى جوار ربه عصر الأربعاء 20 ماي 2009، الموافق لـ 24 جمادى الأولى 1430 إثر مرض ألَمَّ به، إنا لله وإنا إليه راجعون!

موقع مديرية الثقافة لولاية الجلفة.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة أخبار عين وسارة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.