مصيبة كبيرة تضاف في سجل مصائب أمّتنا المكلومة، وأيّ مصيبة أعظم وأخطر عندما يفتتن بعض المحسوبين على منبر الإفتاء، خصوصا في مصر وبعض الدّول الخليجية حين ينسون ربّهم، ويستحضرون في أنفسهم بريق إغراءات الدّجّال وترغيباته المادية والمالية، لأنّ يقينهم فيما عند الله صار في حكم العدم، بحكم اهتماماتهم العقدية النّظرية التي لم تَتجاوز صريف أقلام، وتمتمات ألسنة، وفرقعات مسابح يغرون بها من يظنّونهم علماء أو يعتقدونهم كذلك.
مصيبةٌ وما أعظمها من مصيبة عندما يقتحمُ ذوو الأطماع، ومرضى الأحقاد، وصرعى النّفاق، ميدان الشّريعة في باب الإفتاء والتّوقيع -كذبا وزورا وبهتانا – عن رب العالمين دون أن يلتفتوا إلى وعيده سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حين يخاطبهم في كل وقت.. بل في كل خاطرة فكر لديهم، أو مراودة نفس عندهم فيقول: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إنّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم} [النّحل/116-117]
تاه هؤلاء عن رشدهم، وغاب عن وعيهم عِظَمُ وخطرُ المسؤولية الشّرعية التي تثقل كواهلهم أَمَاَناتُها والتي ناءت عن حملها السماوات والأرض والجبال.. غاب عنهم حال السّلف وكيف كانوا يتهيّبون من الخوض في الإفتاء – وهم أتقى خلق الله تعالى – لعلمهم الجازم أنّ الله عزّ وجلّ جعل لكل إنسان ملكًا يرقب قوله وعمله ويكتبه ويحفظه، وسيسألُ يوم القيامة عن أقواله وأفعاله ليحاسب عليها. فقد قال سبحانه: {ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف/19] وقال: {ليسئل الصّادقين عن صدقهم}[الأحزاب/8] وقال: {ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد} [ق/18]… إنّ هذه الآيات وغيرها كانت هي المستحضرات العقدية التي تقي أساطين العلم من السلف الأنقياء، الأتقياء من تجاوز حدود الله في أخطر منصب، ألا وهو منصب الإفتاء .. لقد كان يودّ كلّ واحد منهم أن يكفيه مسؤوليةَ الإفتاءِ غَيرُهُ، فإذا تعيّنت عليه بذل جهده في انتزاع حكمها من الدّليل الشّرعي ثم أفتى به.
مصيبة عظيمة وقبيحة أن يتزلّف بعض أشباه العلماء إلى بعض الحكّام والسّلاطين والملوك والأمراء بفتاوى استجدائية قائمة على الأطماع المادّية والحظوظ الدّنيوية رغبة في أعلى المناصب وأرقى الوظائف، وهو مسلك خطير يدل على شر مستطير، وكيف لا وهم الذين خانوا أمانة العلم، لمّا جعلوه سلعة ليصيبوا به عرضا من الدّنيا زائلاً، فعن هؤلاء قال فيهم التّابعي الجليل مكحول الشّامي رضي الله عنه: ” من تعلّم القرآن، وتفقّه في الدّين، ثم صحب السّلطان تملّقا إليه، وطمعًا فيما لديه، خاض في بحرٍ من نار جهنّم بعدد خطاه “..
الإفتاء توقيع عن الله، ومن يخضعها لهوى سلطان أو لشهوةٍ سياسية لديه، رغبةً في رضاه فقد تُوُدِّعَ منه وانتزعت منه شرعية منصب الإفتاء حتّى ولو كان هو أعلم أهل الأرض، لأنّه لا قيمة للمفتي إذا كان في فتاويه لا يستحضر رقابة الله وخشيته في نفسه، كما قال تعالى: {إنّما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر/28] .. فمن المصائب التي حلّت بأمّتنا وكانت سببا في تراجعها الحضاري وتكالب أعدائها عليها تفصيل الفتاوى حسب الطّلب لمن يتغلّب من السّلاطين والحكّام ولاعتبارات سلبية أخرى، منها شهوة الاستبداد، والرّغبة في تحقيق شهوات النّفس، واستحلال المحرّم المنصوص عليه بالأدلّة الشّرعية القطعية، وغير ذلك من الأمراض السّلطانية التي عوّقت الأمّة الإسلامية وألقت بها بين أحضان المستحلّين لبيضتها وحرماتها من أعدائها في الدّاخل وفي الخارج..
فمن يتابع تاريخيا الفتاوى التي تستدرُّ من الحكّام والسّلاطين شيئا من دريهماتهم لَيَقِفُ على مساوئ أقبح من منكرات السّلاطين أنفسهم، لأنّهم هم من زيّنوا لهم الباطل وحملوهم على اقتحام محارم الله وانتهاك حدوده.. إنّها الفتاوى الاستدرارية المعلّبة، والمصنّعة في مصانع الأعور الدّجّال.. وللرّغبة في طلبها وسرعة الإقبال عليها من المبطلين، الطّامعين، المتزلّفين صارت البلاد الإسلامية مليئة بقطع غيارها.. المهم أن تسير سيارة الإفتاء بماركة الأعور الدّجال..
منذ الانقلاب العسكري الغاشم والآثم على الشّرعية الدّينية والمدنية والديمقراطية في مصر، والممثّلة في الرّئيس محمّد مرسي وحركة الإخوان المسلمين، والفتاوى الضّالّة والمضلّة تنزل تباعا كالصّواعق الحارقة مستهدفة المجتمع المصري المسالم في دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لأنّ من يصدرونها ارتبطت علاقاتهم بالأعور الدّجّال- الذي اعتقدوا فيه الرّبوبية المطلقة على دنيا البشر – أكثر من ارتباطهم بدينهم، بل إنّ علاقتهم بالإسلام ما هي إغراء للسذّج ومراوغة شيطانية باسم الإسلام المعتدى عليه.
من يشرف على الفتاوى حاليا في بعض الدول المتواطئة مع إسرائيل هم أولئك الذين ربطوا مصيرهم المادّي بالأعور الدّجّال (أمريكا) في الوقت الذي نسوا فيه أنّ الله هو الرّزّاق ذو القوة المتين.. وفق منطق الإغراء المادّي وبعين حمراء تعرّض بالعنف السّياسي مع هيئات الخنوع وعلماء الخضوع يُشْرِفُ الدّجَّالُ مباشرة على عملية استصدار الفتاوى التي تخدم مصالح الصهيونية ويكلّف بها عملاءه الذين اشتراهم من سوق الرّقيق ممّن باعوا دينهم بدنيا غيرهم.
هؤلاء المحسوبون على شرعية الإفتاء – في بعض هيئات ومجالس الزّور – فتنوا قبل وصول الدّجال الذي هو من العلامات الكبرى لقيام السّاعة..
فإلى متى ودخان الفتنة يغطّي على هؤلاء المتجرّئين على اقتحام ما حرّم الله يقينيات الحق وثوابت الصّواب؟ إلى متى وهم يزيّنون لأهل الباطل باطلهم..؟ إنهم خطر جسيم في جسم الأمة، يقفون مع الباطل كيفما كان حتّى ولو كان الدّجال نفسه الذي سخّر الله له بعض قوانين الكون، و أنذرنا النبي عليه الصّلاةُ والسّلامُ من فتنته وأمرنا أن لا نستجيب له..
الشيخ أبو القاسم العباسي
كاتب وباحث وداعية
