رحلته إلى أوروبا (فرنسا) وأبعادها
كثيرٌ من النّاس تستهويهم الرّحلات إلى أوروبا للاستجمام والتّرفيه عن النّفس، لكن من يحملون هموم دينهم وشعوبهم وأوطانهم على عكس ذلك تماما، فهم يرحلون ويركبون البر والبحر من أجل قضاياهم الجوهرية، يستثمرون أوقات وجودهم في بلاد الغرب فيما ينفع العباد والبلاد. والشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله كان من الطّراز الذي جعل من رحلته إلى فرنسا خصوصا استجماما من نوع خاص يختلف عن غيره من الذين يتّخذون من رحلاتهم وسيلة لقضاء شهواتهم أو تحقيق مآربهم الشّخصية..
لقد كانت رحلة الشيخ البشير الإبراهيمي إلى فرنسا – في شهر أكتوبر سنة 1950م – من أجل هدف واحدٍ متفرّعٍ إلى قضيّتين ، باريس هي مركزهما، وهي ميدان الأعمال لهما ..
أمّا القضيّةُ الأولى فهي: فصل الحكومة الجزائرية عن الدّين الإسلامي، وحرّيّة التّعليم الإسلامي
لقد كان للشيخ الإبراهيمي وزميله العربي التّبسّي اتصالات مع السّلطات الحكومية والبرلمانيين ورجال الصّحافة، حيث قاما بشرح القضية على أكمل وجه، في غاية من الإبداع والإتقان والعرض الحسن، رغبة في إقناع سلطة الاحتلال للابتعاد عن شؤون المسلمين الدّينية ورفع القيود عن لغتهم العربية..
إذن الملاحظ في نشاط الإبراهيمي أثناء وجوده في فرنسا أنّه عمل أثناء رحلته إلى باريس على الاتصال مباشرة بالسّلطات الفرنسية المحتلّة لأرض الجزائر، والحال كذلك كان له مع البرلمانيين ورجال الصّحافة حتّى يعطي دفعا أكثر فعاليةً، ومقاومةً عقدية وفكرية وقومية ووطنية تلفت انتباه سلطات المحل وتجعله يفكّر بجدّية في مطالب الشعب الجزائري، ذلك أنّ تطوير المعارضة والمقاومة ارتقى من الدّاخل إلى الخارج في الداخل الفرنسي وهو ما عبّر عنه الشيخ الإبراهيمي بقوله: ” حكومة الجزائر متصاممة عن صوت الأمّة فيها، نخاطبها بالكلام الفصيح والحقّ الصّريح فكأنّما نخاطب صخرة صمّاء، ونجلو الحقائق الواضحة عليها، فكأنّما نعرضها على مقلة عمياء، فلمّا عيينا بالأمر ذهبنا إلى باريس لعلمنا أنّ الأمر منها بدأ وإليها يعود.”
أما القضيّةُ الثانية فهي: قضية الاهتمام بالمغتربين الجزائريين في فرنسا
وهذا هو الشّقُّ الثاني من الهدف العام من رحلته رحمه الله تعالى، وهو يعبّر عن اهتمام العالم الدّاعية الذي يفرض عليه دينه أن يسعى جاهدًا لتحصين بني وطنه دينيا ووطنيا حتّى يبقى على صلة – وهو موجود بفرنسا – بوطنه، فلا ينسى دينه ولا لغته.. فكانت المهمّةُ هنا لوعظ النّاس ودعوتهم إلى تأسيس مدارس لتعليمهم وتعليم أبنائهم العربية ودينهم الإسلامي، وهو ما جسّدته شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في باريس منذ الثلاثينيات خاصة حين انتدب الشيخ الفضيل الورتلاني إلى هنالك للتّعريف بها حيث كان واعظا بليغا مؤثّرا غرس في نفوس المغتربين الاهتمام بشؤون دينهم، والحرص على وطنهم، كما حثّهم – وهو حق إيماني – على ربط علاقاتهم بإخوانهم المسلمين الآخرين.. وقد كان لهذا التّأثير القوي إقبال شديد واستعداد منقطع النّظير من الجالية الجزائرية المغتربة شجّعهم على المضي في العمل وقوّى الأمل في النّجاح.
إنّ الاهتمام بالمغتربين يهدف -في مسعى الشيخ البشير الإبراهيمي- إلى المحافظة على الهوية الإسلامية والوطنية والقومية، وتحصينهم بالتشبّع بعقيدتهم الإسلامية، وقيمهم الأخلاقية الأساسية والفرعية حتّى لا يذوبوا في المجتمع الفرنسي الذي لا يعرف للأخلاق والمثل والفضائل قيمةً أو اعتباراً أو اعترافًا..
لقد كان الاهتمام بالمغتربين متضمّنًا عدّة جوانب مهمّة في حياتهم خارج ديارهم:
(1) التشبّث بالإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا في وسط الظلام الفرنسي الغربي.
(2) المحافظة على اللّغة العربية وفتح مدارس لها يتعلّم فيها أولادهم لغة وطنهم الجزائري العربي.
(3) رفض الاندماج في أوساط المجتمع الفرنسي فيما يتعلّق بالزواج بالفرنسيات أو الرّضا بتقاليدهم وأعرافهم الاجتماعية البهيمية التي جعلت من أهدافها السياسية إذابة الجالية الجزائرية المغتربة في فرنسا ومحوها في الهوية والعقيدة الفرنسية.
(4) ربط الجالية الجزائرية المغتربة بوطنها الجزائري وتهيئة الأجواء المناسبة لذلك من خلال المواقف العملية في الواقع، بما هو واجب عليهم تجاه وطنهم من الناحية الشرعية والوطنية والإنسانية.
وهكذا كانت لرحلة الشيخ البشير الإبراهيمي التي استمرّت أكثر من خمسين يوما مكاسبُها التي يعجز عنها كثير من الحكومات الرسمية في تحقيقها، كما يعجز عنها كثير من أهل التصوّرات والنّظريات التي تملأ الدنيا ضجيجا دون أن تحقّق شيئا يذكر في ميدان الواقع وهو ما نراه ونشاهده ونلاحظه في زماننا الذي نعيشه.
إنّ من يتأمّل في مسار الرّحلة للشيخ البشير الإبراهيمي يدرك أبعادها الدّعوية والقومية والوطنية والتي تبني بمجموعها الشّخصية الجزائرية المتشبّعة بالإسلام والعروبة .. لقد كان الشيخ رحمه الله حريصا على إحياء الضّمير الدّيني العقائدي والسّلوكي والأخلاقي في نفوس المهاجرين الجزائريين الذين كان يخشى عليهم الانغماس في ثالوث العقيدة المسيحية التي كانت ترغب– وتعمل جاهدة من أجل ذلك – في تحقيق أهدافها الاستعمارية من خلال من تبنيهم – من الجالية الجزائرية – على عينها بناء يوافق تطلّعاتها التّبشيرية من أجل إبعاد الإسلام من أرض الجزائر، وفرض عقيدتها القائمة على الأحقاد والأطماع…
الشيخ أبو القاسم العباسي
كاتب وباحث وداعية
يتبع في الحلقة القادمة
