رحم الله الشيخ عطاء الله وغفر ذنبه وأسكنه فسيح جنانه، وكتبه في عداد الشّهداء، وأن يكرم أهله بالصبر والسلوان، إنّه وليُّ ذلك والقادر عليه.. إنّا لله وإنّا إليه راجعون..

الشّيخ عطاء الله: رسالةٌ أشرقت من أعماق التّراث الشّعبي الجزائري العربي الأصيل، والأمازيغي الأثيل، ولكن بصبغة نائلية محضة.. رسالةٌ فرضت وجودها من نفسها بعد أن قرأها من يفقهون التّعامل مع التّراث الوطني ذي البعد الإسلامي.. رسالةٌ أثبتت جدارتها في أركانها وتاءاتها الأربعة تحت الخيمة النّائلية.. رسالةٌ قدّر لها أن تبعث لتربط بين التّليد (الأصالة) والجديد (الحداثة)..

الشيخ عطاء الله: ركن من أركان التراث الشعبي الجزائري… لقد أحيا ما اندثر منه وأعاد له شبابه وحيويته مع مجموعة من الشعراء في إطار الضّوابط الأخلاقية التي يعرفها تراثنا الشّعبي والمستمدة أساسا من ديننا الإسلامي الحنيف..

الشيخ عطاء الله: صاحب الكلمة الطّيّبة، والنّكتة اللّطيفة، والابتسامة المشرقة المبشّرة..

هل انتهى مشواره؟.. باليقين الإيماني انتهى مشواره بأجله الذي وافاه اليوم في حادث مرور أليم، وهذا قدر الله وقضاؤه، ولا رادّ له إذا نزل.. ولكنّه لم ينته بيقين الاستثمار في بنك الحسنات عند الله رب العالمين.. فدعوات محبّيه وأصدقائه وكل من عرفه من قريب أو من بعيد ستشفع عند خالقه، وهو به سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين..

الشّيخ عطاء الله: يدٌ ممدودةٌ بالإحسان إلى الفقراء والمساكين.. فالإدريسية وهي مركز البذل والعطاء أثمرت فيه خصلة من خصال آبائه وأجداده.. و هو ليس بدعا في ذلك، بل

هي دعوة الإسلام الصّادقة في الحياة الاجتماعية الميدانية، وسَنَنُ مَنْ مضى من سلفه الصّالحين الذين بذلوا النّفس والنّفيس..

الشّيخ عطاء الله: عنوان الرأفة والرّحمة بالمرضى المحتاجين.. فسيّارته الإسعافية التي سخّرها في سبيل الله تشهد لها مدنٌ وقرى ومداشر وأحياءٌ بعيدةٌ قطعت مفاوزها وتجاوزت قفارها وهي تحمل داخلها في كل مرّة من بين مريض يعاني من آلام ذات الجنب (الكلى)، أو لديغ تتقطّع أنفاسه وتتمزّق أوصاله من سمّ عقرب، أو امرأة حامل تعاني أوجاع الوضع وزفراته، أو مريض انسدّت مسالكه البولية… هم كثير عرفتهم سيارته الإسعافية، بين رجل وامرأة…..، لم يستثن أَحَدٌ من المحتاجين..

الشّيخ عطاء الله: عنوان الخير في تحفيظ كتاب الله تعالى.. كان بيته زاوية لأنوار القرآن، حيث التّلاميذ الذين يمسكون بألواحهم الخشبية وهم يحفظون كلام الله تعالى يقوم على رأسهم معلّمٌ حاذقٌ وماهرٌ يأخذ أجرَهُ مع كل شهر على عينه وبرعايته الشّخصية (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه)..

الشّيخ عطاء الله: عنوان الحياة الاجتماعية المتفائلة.. مع الكبار كبير، ولكن بأدب وتوقير.. ومع الصّغار صغير، ولكن باحترامهم وبالحنوّ عليهم وضمّهم إليه والمرح معهم، كأنّما هو طفلٌ في سنّهم، وله في ذلك قدوة بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم.. ومع الشّباب شابٌّ يبادلهم شعورهم، ويشاركهم عواطفهم وميولهم في الثّقافة وفي الرّياضة، وفي الحياة الشّبابية العامّة.. وحتّى مع الذين لم يجدوا من ينصفهم أو يخفّف عنهم من آلامهم وبؤسهم وشقائهم النّفسي وجدوا فيه متنفّسهم وغايتهم بما يزرع فيهم من ابتسامات مشرقة صادقة تبعث في نفوسهم الأمل في الحياة بعد أن ركبهم اليأس والقنوط..

الشّيخ عطاء الله: في عشرية الأحزان، (التّسعينيات) حيث الدّماء والدّموع، أدخل إلى قلوب الجزائريين والجزائريات بابتساماته المشرقة، وطرائفه الضّاحكة المضحكة أطنانا من الآمال الواعدة والتي كانت سببا في التّنفيس عنهم جميعا، حيث خففت عنهم من ضغوط الأوضاع المأسوية خصوصا عند محبّي التّراث الشعبي الجزائري الهادف والنّظيف، بل حتّى الذين ليس لهم علاقة أو صداقة بهذا التّراث العربي العريق وجدوا في الشيخ عطاء الله ما يبعث في نفوسهم الأمل باستعادة (مستقبلهم) الذي كاد أن يُسْلَبَ منهم قبل حاضرهم..

الشّيخ عطاء الله: بإحيائه لتراث الآباء والأجداد استقطب معه كل ولايات الجزائر الزّاخرة بتاريخها وتراثها وجمالها الأدبي..  بل استدعى فعله الثّقافي والتراثي أن يبني جسورا مع دول الجوار كتونس مثلا.. وخيمتُهُ العربيةُ النّائليةُ وجدت في الإدريسية مقامها، وبين قاماتها قامت ركائزها، وفتحت أستارها شرقا وغربا، شمالا وجنوبا لتجمع ريحا طيبةً طالما تفرّقت هنا وهناك.. بعد إقرار أهل الحل والعقد من أولاد نائل الشّرفاء، الكرماء، الأدباء..

ترى من يخلفه في أداء رسالته التي لم يستكملها؟.. مَنْ مِنَ الشّعراء أو الفنّانين الملتزمين يواصل مهمّته؟..

هي مهمّة صعبة وشاقّة في الوقت نفسه حملها على عاتقه الشيخ عطاء الله.. تحتَ ظلال خيمته كانت فوائدُ الأدب الشّعبي، وموائدُ الكرم النّائلي..

عزاؤنا لكل محبيّه في الجزائر عامة والجلفة خاصة وأهل الإدريسية بالأخص…

الشيخ أبو القاسم العبّاسي

By oussra

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *