الإجهازُ على الإسلام واستئصالهُ من جذوره مخطّط رهيب ينفّذه الأغبياء في العالم العربي.. لعلّ السّبب الرّئيس – لمن يتأمّل مراجعه التاريخية- هم اليهود الذين احتلّوا أرض فلسطين المباركة، فمنذ سنة 1948م -وهي السنة التي سلّمت فيها فلسطين إلى اليهود تحت غطاء أممي جائر وماكر- ازدادت حدّة العدوان على الإسلام إعلاميا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا، ليس فقط من أمم الغرب المتكالبة على قصعة الأمّة الإسلامية، وإنّما –وبكل أسف- من بعض أبنائه، من السّاسة الرّسميين والمعارضين المميّعين الذين يزداد غباؤهم يوما بعد يوم، حيث تتعفّنُ مواقفهم الانهزامية أمام عدوّهم، رغم أنّهم يعرفون ويشاهدون نهايات بعض من ساندوا هذه المخطّطات وخدموها، وكيف انتهت بهم المغالطات الغربية إلى أحوال مأسوية آلت بهم إلى مزبلة التّاريخ، كما جعلت منهم القطيعةُ العلمانيةُ المقنّنةُ بينهم وبين شعوبهم هي بداية الاستهداف لأي مشروع إسلامي ينهض بالأمّة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.
لقد مرّت القضية الفلسطينية بعدّة تنازلات تدل كلّها على أنّ المارد الغربي خصوصا ( الصهيوأمريكي ) احتضن أصحابها المتخاذلين والمتنازلين بما يمليه عليهم سياسيا وإيديولوجيا وفق ما يتحقّقُ لشهواتهم ذات الرّؤية الشيطانية المنتهية ببراءة الشيطان منهم في نهاية الهدف وانتهاء المشوار { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إنّي أخاف الله رب العالمين }[الحشر/16]
وللأسف صار المتنازلون عن القضية الفلسطينية هم الأداة الفاعلة في حماية إسرائيل إلى غاية السّاعة، ولم تجد الصهيوأمريكية معارضا إلا الحركة الإسلامية المعتدلة، ولذلك وظّفت هذه القوى الماكرةُ الموالين لها والمنبطحين بين أحضانها لضرب كل نشاط إسلامي قوي يحرّك الضّمير العربي والإسلامي، حتّى ولو كان النّشاطُ الإسلاميُّ عملا دعويا أو تربويا أو خيريا أو إغاثيا..
و بدا واضحا جليًّا ودون مواربة أنّ الاستهداف صار يطال الجماعات الإسلامية المعتدلة في العالم العربي، ويقع بصفة خاصّة على رموز العلم والدعوة والنّشاط الخيري والحركة الفاعلة.. ومن هؤلاء المستهدفين العلماء المخلصون والدّعاة العمليون الذين رسموا معالم الحياة الإسلامية ولو بالشّيء القليل من جهودهم المثمرة التي آتت أكلها في كثير من الجهات من أرض الله..
إنّ النّشاط الخيري لدعاة الإسلام وعلمائه وحركاته المعتدلة هو الذي أفزع أمريكا والصّهيونية والقوى العدائية في بلاد الغرب .. أفزعهم لأنه معتدل في وسائله وفي أهدافه، وهو ما لا يريدونه، كونه يوقظ الضمير الغربي بمسلكه الطيب هذا، ويصنع الحياة الطّيّبة في المجتمع البشري بدل صناعة الموت الذي شيّدوا له مصانع وبنوا له مخابر تتفنّن في صناعة وسائله القاتلة والتي لا تجرّب إلاّ في البلاد العربية والإسلامية تحت حجج واهية، بحيث في كل مرّة يختلقون وهما قاتلا يصدّقه الأغبياء والمغفّلون من العرب والمسلمين..
وفي هذه الأيام برزت إلى السّاحة العربية والإسلامية أوهام جديدة وأشدّها خطورةً الكذب على الدّعاة والعلماء وتلفيق التهم في حقهم، كما هو الشّأن بالنّسبة للشيخ طارق السّويدان الذي أقيل من قناة الرّسالة تعسّفا وهو الذي أعطاها دفعا إعلاميا قويًّا، والشيّخ محمّد العريفي الذي لايعرف الناس عنه إلاّ حبّه لبلد الحرمين وسائر بلاد المسلمين، ما سمع عنه أحدٌ أنّه تجاوز الحدود الشرعية في التعامل مع الناس ومع الحكومات، وقد أفرج عنه ولله الحمد والمنّة ..
دعاة وعلماء وجمعيات خيرية في القارات الخمس أدرجت أسماؤهم ظلما وعدوانا وتعسّفا في قوائم الإرهابيين الذين تجب محاربتهم.. وآخرهم إدراجا سلطان العلماء العلاّمة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه وأمدّ في عمره بكل خير .. هذا العالم الرّبّاني يدرج اسمه ضمن قائمة المطلوبين لدى الشرطة الدولية (الأنتربول) بطلب من السّيسي الذي لم يعد له من وجه يقابل به ربّه إلا الإثم المتزايد الذي سيثقل كاهله ويعجّل بسقوطه بإذن الله تعالى.
لا شك أنّ الخلفيات الدولية وخصوصا العربية المتواطئة مع إسرائيل صارت واضحةً بشأن إدراج الشيخ القرضاوي ضمن قائمة الإرهابيين.. فما عجزت عنه إسرائيل تكفّل به بعض العملاء من الصّهاينة العرب الذين هم أسرع من البرق الخاطف في كيل التهم وبث الأراجيف وتبنّي الظلم والعدوان..
يظنّ المعتوهون المحجور عليهم أخلاقيا وسلوكيا وسياسيا أنّ بإقدامهم على هذا الفعل الآثم سيتمكّنون من إلقاء القبض على الشيخ القرضاوي، وهيهات أن يتمّ لهم ذلك .. لقد رفع شكواه إلى رب العباد الذي يعلم السِّرَّ وأخفى، وقالها بلسان مقاله وحاله اقتداء بنبي الله يوسف عليه السلام: { إنّما أشكواْ بثّي وحزني إلى الله… } [يوسف/86] .. لن يتمكّنوا إن شاء الله، وقد انطلقت منذ اللّحظة الأولى من صدور الأمر أقلام العلماء والدّعاة والكتاب والشعراء والمثقّفين والإعلاميين والمحبّين وهم بعشرات الملايين للدّفاع عن الشيخ القرضاوي، وهي أدلّةٌ قاطعةٌ تدحض أوهام الظالمين الكاذبين وتضع الأنتربول عند حدّه حتّى يفيق من سباته وأنّه وسيلة لا قيمة له، وأنّه في يد الصّهاينة الذين يعبثون به وبشرعيته التي تضع علامات استفهام كبيرة عليه.
إنّ الشيخ القرضاوي ليس إرهابيا وإن توهّم ذلك مناوئوه وشانئوه والحاقدون عليه.. وهم يعلمون صفاء تاريخه حتى وإن تظاهروا بغيره لأنّ شهواتهم على حساب عقيدتهم و دينهم وشعوبهم تمنعهم عن قول كلمة الحق وإنصاف الحقيقة.
الأستاذ أبو القاسم العباسي
كاتب وباحث وداعية
