هي حقيقة بينة جلية ناصعة الوضوح تلك التي اتفق الجميع عليها ولم يعد بالإمكان إنكارها أو التهرب من واقعها وهو أن وطننا العربي من أقصاه إلى أقصاه قد أصبح و بما لا يدع مكانا للشك الملاذ الأنسب والمرتع الأصلح لكل تلكم الأزمات الخانقة والمشاكل المستعصية التي لم تزل رياحها العاصفة تهب نحوها متربصة بها في كل مرة وفي كل حين حتى هاهي ذات يوم توشك أن تستأصل شأفتها لتجعل منها أثرا بعد عين .
لعل الحالة الراهنة التي يعيشها العالم العربي ليست وليدة عهد حديث بل هي في الحقيقة مشكلة غائرة في التاريخ إلا أن الوضع الحالي لدى هؤلاء قد تجاوز كل الخطوط الحمراء وهذا لا ينبئ إلا بتطور عكسي ينقل وضعنا من كونه سيئا إلى كونه أسوء وأسوء بكثير.
الأدلة على ما نقول كثيرة والشواهد على ذلك عديدة ومتعددة جدا فالعرب الذين كانوا ذات يوم يحملون لواء واحدا ويتحدثون تحت مظلة واحدة تسعهم كلهم أجمعين وهي مظلة الوطن العربي الكبير لم يعودوا كذلك بل أكثر من ذلك أصبحت كلمة الوطن العربي هاته مجرد مصطلح قاموسي مثله مثل غيره من كل تلكم المصطلحات الفارغة الجوفاء التي لا يراد منها إلا الاستهلاك الإعلامي لا غير وهم الآن أوطان وبلدان متفرقة مشتتة البون بينها كل يوم في اتساع وفي تزايد متواصل ومستمر .
لعل الخطر الأكبر والمشكلة الأعظم التي تداهم بلدان الوطن العربي هي تلك الأزمات الداخلية البينية التي لا تربأ تنخر جسد الأمة الكبير هذا لتجعل منها الشغل الشاغل لشعوبنا وحكامنا بدل الالتفات لما يتربص بنا من خارج حدودنا التي لم نعد نملك من أمرها شيئا .
لو تأملنا قليلا العلاقات العربية العربية لرأينا جليا الهوة الواسعة التي تشكلت مع مرور الزمن بين هؤلاء وهو الأمر الذي لاشك يهدد امن واستقرار هاته الدول التي قد حتم عليها تاريخها وجغرافيتها ألا تدوم وألا يكون لها بقاء واستمرارية إلا بحسن الجوار وتعاونها وتكاملها في كل مجالات الحياة وهو الحال الذي عاشته الشعوب العربية إبان زمن الخلافات الإسلامية المتلاحقة.
أمر آخر هو في الحقيقة اخطر واخطر بكثير وهي تلك النزاعات والشقاقات الطائفية والاثنية التي أصبحنا كثيرا ما نسمع عنها داخل الدولة العربية الواحدة والتي أوشكت في كثير الأحيان أو هي قد كانت فعليا فتيلا لحروب أهلية داخل الوطن الواحد وبين أفراده الذين يتكلمون لغته ويحملون لواءه الذي بذل في سبيله أجدادهم الغالي والنفيس لتحرره واستقلاليته من براثن الطغيان والاستعمار .
كأني بالأحفاد قد نسوا أو في الحقيقة إما أنهم قد انسوا عمدا وعن سابق إصرار وتعمد أو قد تناسوا ما فعله الاستعمار ذات يوم بوطنهم العربي هذا وانه هو أي الاستعمار الغربي الغاشم السبب الأهم في بلوغ أوطاننا الحال الذي هو عليه الآن .
كيف لنا أن نسامح هؤلاء ، كيف لنا أن نضع أيدينا في أيديهم وان نغفر لهم زلاتهم وخطيئاتهم التي جعلت منا شعوب العصور الحجرية البدائية التي كل همها وغايتها الأكل والشرب والنوم ولا مكان عندها لا للعلم ولا للعمل ومعلوم لدى الجميع كيف هي الحضائر والمجتمعات بدون علم العلماء والمجتهدين وبدون عمل النشطاء والمناضلين .
نحن الآن شعوب ومجتمعات أهم ما جادت به على أنفسها إحدى شيئين اثنين لا ثالث لهما :
أما أولهما فهو استدعاؤها لعدو أجنبي خارجي فإما هو مستعمر لها ناهب لخيراتها وثرواتها أو في أحسن الحالات مستغل لأراضيها لغزو واستعمار جيرانها وأقربائها .
وأما الشيء الآخر الذي أبدعته ماساتنا فهو جعلنا لأراضينا وأوطاننا ساحات وغى لأهم وابرز المعارك التي تهافتت وتنافست في نقل أحداثها كل الإذاعات وكل التلفزيونات المحلية والعالمية التي جعلت منها وجبة دسمة لأهم واحدث أخبارها.
هو هكذا مجمل حالنا لا يعدو أن يكون بين حالة كر وأخرى حالة فر, كر عدو غاز أتى به الطمع في نيل ما عندنا وفر صراعات ونزاعات بينية قبلية وأهلية أتت أو هي قد أوشكت أن تأتي على الأخضر واليابس في بلدان لم يعد أهلها يطيقون لأوضاعهم هذه طول صبر فلسان حالهم لم يتوقف يوما عن ذكر ما قاله الشاعر ذات يوم “صبرنا حتى مل الصبر منا”
ليس الصبر وحده كافيا لحل المشكلات والأزمات المستعصية بل هي الإرادة وتكاتف الأيادي والتفاني في العلم والعمل وصدق النية في إخراج هذه الأمة من حالة الفوضى واللا أمن واللا استقرار اليومي الذي يعيشه إلى حالة البذل والعطاء ومن ثم الأمن والاستقرار الذي طالما نشدته شعوبنا عقودا وعقودا طويلة من الزمن.
أخبار عين وسارة / خالــــــــــد.د
