يصعب فعلا أن يتقدّم المرء بتهانيه إلى الصحفيين في يومهم العالمي الذي لا يرقى في معناه حتّى إلى المحلي أو ما دون ذلك، فهذا العيد الرمزي ظلّ مجرّد شعار آخر من شعارات الجوف المُسوّق لها والتي يُراد منها إبراز دور السلطة في المرافعة عن حريّتي الصحافة والتعبير والتعتيم في نفس الوقت عن تضحيات وجهود صُحفيين هم من بنوا بنضالهم المستمر و كفاحهم المرير عالم الإعلام ذلك كي تُختزل صورة الصحافة في المسؤولين ضمن عمليّة موسّعة لتسييس القطاع وجعله أداة من أدوات السلطة … أي مثلما تم إحتواء باقي المجالات والقطاعات الأخرى.
والحقل الإعلامي يعيش اليوم أحلك أيامه بسبب الخلط بين مفهوم الصحافة والإشهار صار العامة من الناس يعتقدون أن دور الصحافة يقتصر على نقل إنشغالات الناس إلى المسؤولين وكأن الوسائل الإعلامية هي الفضاء الوحيد الذي يتواصل فيه المواطن مع مسؤوله وذلك لتتهرّب العديد من الهيئات الأخرى التي يُعتبر رفع الإنشغال الدور المنوط بها من مسؤوليتها كالمجالس المنتخبة و فعاليات المجتمع المدني وكذا بعض المؤسسات الأمنية وباقي الهيئات التي إنبثقت عن إرادة السلطات العليا بالبلاد في فتح قنوات الحوار مع المواطنين والإصغاء لإنشغالاتهم، فنتج عن ذلك خلط في المسؤوليات والأدوار و خيّم مفهوم همزة الوصل فوق رؤوس الصحفيين وما لا يعلمه البعض أن – همزة الوصل هذه -تعجز في أحيان كثيرة عن الدخول إلى مكتب مسؤول للإدلاء بإشكالية ما أو رفع تصريحاته لعدّة أسباب منها ضعف خبرة الصحفيين في التعاطي مع قضايا معيّنة أو إستقواء المسؤولين جرّاء تميّع المشهد الإعلامي بمن لا تربطهم صلة به …
لا يشكّك أحد في أن حمل إنشغال المواطن جزء من دور الصحفي لكن وجب أيضا التوضيح بأن كيفية حمل هذه الرسالة وطريقة سردِها هي الجزء الأهم في الحلفة، فنلاحظ في كثير من المقالات التي يتناولها معظم الصحفيين يوميا غياب تشخيص العلّة و تحليل القضية و الإشارة إلى حلولها، فالسطحية قد طغت على معظم الكتابات وربما لا يعلم الصحفي الكاتب عن قضية مّا مجريات الحادث أو خلفياته وهي أسباب كافية لقتل القضية وتمييعها وتمتدّ هذه السلبية لتصل إلى شخص الصحفي وجميع وسائل الإعلام بصورة عامّة.
لعلّ ممارسة حرية التعبير حقّ يضمنه الدستور للصحفي ولغير الصحفي أي أن المواطن هو الآخر معني بالمواد القانونية التي تتيح التعبير بكل حريّة، لكن التكلّم عن تمييع المشهد يُقصد به من لبِس عباءة الصحفي بدون وجه حقّ وحسِب أن من لا مهنة لهأبدا يستوي و من لا مهنة له غير الصحافة، ففي الحقيقة أن هؤلاء المتطفّلين صاروا يُزاحمون أهل الإختصاص وشكلّوا بدخولهم إلى هذا العالم أفواجا زحمة سير و خلّفوا الفوضى والإنفلات في المجال فأصبحوا كالقطيع التائه يتبع بعضهم بعضا ولا يعلمون أين يتوجّهون.
ظاهرة أخرى برزت مؤخرا نتجت عن ” الرداءة ” التي ضربت بأطنابها في شتى الحقول والمجالات، فالأكيد أن الصحافة ليست بالإشهار ولا بالتشهير، بل هي مهنة ترتكز على تنوير الرأي العام وترقية حسّ الوعي لدى المجتمعات، إلا أنها للأسف صارت ” صحافة فوتوغرافية ” لا يُراد من خلالها سوى الظهور أمام الرأي العام في حلّة الغرور و ” البريستيج ” وكم من صُحفي تحوّل إلى ” صوّار ” وكم من ” خضّار ” دخل إلى المضمار … ولا أحد كلّف نفسه عناء إيقاف المهازل وإرجاع الأمور إلى نصابها.
أخشى أن أهنّيء الصحفيين فأشكر عبرهم بعض من ذكرتهم في السابق وأخشى أن لا أهنّيء أحدا فأُجحف في حقّ بعض المخلصين، كلّ عام والرداءة تزداد من حولكم، كلّ عام و الإعلام مُسيّسٌ، كلّ عام و جمعُكم مُشتّتٌ، كلّ عام وأهل الصحافة بخير … كلّ عام والإعلام ثلث مهنة … و الصحفي ربع مواطن !.
بقلم / بدر الدين قرماط ( الجلفة نيوز )
