حين يثب الانسان الى ذاته، باحثا في ثنايا وجدانه عن الأسباب التي تدفعه إلى التمرد حينا و الى الحقد حينا آخر، تفلت من شفتيه آهة متألمة هي الاحساس بالفوارق الاجتماعية التي تجعل هذا عزيزا و ذاك ذليلا، هي الشعور بالغبن إذ يرى أن الحياة أغدقت نعمها هنا، و قبضت كفها هناك، هي يقظة الأنانية التي تود لو تملك الدنيا ولو على حساب سعادة الآخرين، تلك نظرة المشاعر التي يسوؤها ألا يكون الناس سواسية كأسنان المشط، و كل امتياز يحملها على التذمر واللعنة والثورة، لكنها تحترق في ثورتها وتضيع قواها في مجامر الغيظ والكبت إن هي لم تتخط عتبة النقمة إلى هياكل المحبة الفسيحة و جنائن التفكير العاقل اليقظ، فالحياة في غناها مسرح يمر عليه الناس يؤدون فيه أدوارهم ثم يتوارون خلف حجب الموت لا تيعفهم كل الوسائل على تحدي الحقيقة ، ولا يستطعون مهما بلغوا من مجد أن يوقفوا عجلة الحياة في سيرها نحو المطلق.

الحياة تمثيلية يسعى كل فرد ليقوم فيها بدور البطل، لكن البطل هو الذي يثور في صمت و يخلق في الخفاء ويبدع للبقاء، ليس الذي تبهره الضجة ويسعده التصفيق،البطل الذي هو في صراعه العظيم لا تستوقفه المراتب، ولا تغريه المظاهر العارضة، لأنه لو تأمل بعمق في حقيقة الوجود لزهد في الدنيا ورغب عنها إلى ما يشبع جوع نفسه و يروي عطش قلبه، و المتخمون من نعم الأرض و عطاياها هم الجائعون إلى نعم الحقيقة و عظمتها،العطاش إلى ينابيع الثورة التي لا تبددها الريح ولا تعبث بها يد الزمن، من هذه الزواية ننظر للعقل فنحتقر قوى الجسد، و نستعرض وجوه الحقيقة فإذا أبهاها ما كان قد ابتعد عن الزيف والتستر بالوهم، فمتى اقتنع الانسان بتفاهة الأشكال و بتساوي الناس أمام الأحزان والأفراح ابتسم معلنا رمي عقدة التكبر والعجرفة.

الأستاذة : ريمة جيدل

By oussra

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *