لعل طيب الحياة و هناءها ورغدها ،وعمارة الأرض وعمرانها على أحسن وجه هي أغلى وأسمى ما سعى إليه وما تمناه هذا الإنسان البشري منذ نشأته على هذه الأرض ومنذ أن حط أولى خطواته وأولى قدميه عليها ولعله أيضا قد بذل في سبيل الوصول إلى ما أراد كلما ما أمكنه من إمكانيات مادية كانت أو معنوية.
هي غاية نبيلة وهو هدف سام عمارة الأرض و التكاثر فيها والعيش فيها بذالك الهناء وتلك المودة والسلام التي نشدها ذات يوم الإنسان الأول وها نحن لا زلنا حتى هذه الساعة ننشدها ونتمنى حصولها في كل وقت وفي كل حين.
لا شك أن الحقيقة التي اتفق الكل عليها ولم يختلف عليها أبدا اثنان هي أن الخير والشر صنوان متلازمان لا يفترقان أينما وجد أحدهما لابد من وجود الآخر وهو الدرس الذي علمنا إياه رب العزة جل وعلا منذ وطأت أقدام أبينا الأول آدم الأرض فكان أن حباه الله بهابيل الذي كان مثالا ساميا للإنسانية في الخير و التسامح، و بقابيل الذي علم البشرية كيف تقسو القلوب و تسود و تمتلئ بالحقد والغل والكره فكان أن ارتكب الجريمة لعلها الأقسى في التاريخ على الإطلاق بقتله لأخيه الشقيق .
هكذا إذا كان رسم المعالم الأولى التي على إثرها عاش البشر وتناسلوا وتكاثروا وخط كل واحد من هؤلاء لنفسه الخط الذي سيمشي هو على إثره بل سيمشي غيره الكثير على هذا الخط وهذا النهج.
قال تعالى في محكم التنزيل (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا)، ترى ما هي هذه الأمانة التي عجزت عن حملها حتى هذه السماوات العوالي وهذه الأراضين الفسيحة وهذه الجبال الرواسي وأبى الإنسان على نفسه إلا أن يحملها وأن يثقل كاهله بها إنها أعظم أمانة إنها الرسالة.
خلق الله الإنسان وكرمه أحسن تكريم وقومه أحسن تقويم وأعطاه هذه الصفة وهاته المنة التي حرم منها كثيرا من خلقه ومخلوقاته فكان أن حباه بالعقل الذي حمل على إثره الرسالة فإما هو قائم بحقها مؤد لواجباتها وله بذلك النجاح والفلاح والجزاء الحسن وإما هو مضيع لها هاضم لحقوقها وواجباتها وله بذلك الخسران الأزلي الأبدي.
قال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، الرسل والأنبياء أئمة الناس وهداتهم إلى الخير والى طرق الصلاح والاستقامة التي تصفو بها حياتهم وتستقيم بإتباعها أحوالهم وتعرف من خلالها حقوقهم وأيضا واجباتهم.
قال محمد صلى الله عليه وسلم وهو خير الأنبياء والرسل وخيارهم بل سيدهم وإمامهم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
لعلها دلالة واضحة وإشارة جلية أبداها النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في معنى حديثه هذا وهي علو وسمو شان مكارم الأخلاق وأهميتها في حياة البشر وفي استمرار وجودهم وبقاء عنصرهم على هذه الأرض، روي انه قد سئل الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يوما فقال كونوا دعاة لله وانتم صامتون قالوا وكيف ذلك يا أمير المؤمنين قال بأخلاقكم.
ذكر الرافعي عليه رحمة الله وهو معجزة الأدب العربي وإمام الكتاب في هذا العصر في إحدى كتبه ذات يوم معنى احسبه الأهم على الإطلاق في فهم الكثير من الأمراض والعلل التي تعاني منها البشرية جمعاء اليوم وهو بهذا في الحقيقة قد وضع يده على أصل الداء واصل الورم الذي قد أصاب جسد الإنسانية فقال (عندي أن للشعب ظاهرا وباطنا ،أما الباطن فهو الدين الذي يحكم الفرد وأما الظاهر فهو القانون الذي يحكم الجميع ولن يصلح هذا إلا بصلاح ذاك وهنا يظهر الخلل عند الأوربيين فصلاحهم في ظاهر الأمر لا باطنه) إذن هو الدين الإسلامي لا غيره مفتاح الحل وحبل الأمان وصمامه الذي ستنجو به البشرية وتعيد وتستعيد بذلك لنفسها الأمن والأمان والاستقرار الذي طالما نشدت العيش في أكنافه، وليس ديننا الإسلامي الأعظم إلا تلكم الأخلاق التي سئل الرافعي ذات يوم أن يجمل فلسفة الدين الإسلامي في كلمتين فقال (إنها ثبات الأخلاق) والإنسان في الحقيقة بثبات أخلاقه والتزامه بذلك بتعاليم دينه إنما هو يحقق لنفسه مبلغا من السمو والارتقاء عن كلما يكبله ويقيده من تلكم الصفات الأرضية الترابية فيصل بنفسه ليكون إنسان الدرجة التي انتهى إليها الكون في سموه وكماله.
وان مجتمعا من المجتمعات مهما كان مكانه وزمانه ومهما بلغ تطوره ورقيه اغفل أو في الحقيقة قد تغافل عن معنى الأخلاق وغيب ترجمتها في واقعه فهو آيل للزوال والنهاية لا محالة لان مظهر المدنية المتقدمة في كل تلكم المجتمعات التي غابت الأخلاق عن تفاصيل حياتها ما هي إلا قناع تجميل وضع على وجه عجوز شمطاء أبت على نفسها إلا أن تكون جميلة وأبى الدهر عليها إلا أن تكون على ما هي عليه من قبح شكل ومظهر ذميم.
أخبار عين وسارة / خالد.د
