كثيرا ما تنتابني أحزان، وتساور نفسي آلام وهموم وغموم، حينما أرى بعضا من بني وطني يتخاصمون فيما بينهم، لا لشيء إلاّ لمنطلقات نفسية مريضة، كبر رانُها واشتدّ لهيب نارها في نفوسهم حتّى بلغ رجع السّماء الإعلامي، فتلقّفته الأسماع الآثمة، وأذاعته الألسنة الكاذبة، وتناولته الأقلام الرّصاصية القاتلة..
ماذا دها النّاس من أدعياء الفكر المتحرّر من قيود الثوابت وضوابط المبادئ وحدود الوطنية؟
وما الذي جرّأ أدعياء الإسلام والنّظرات الفوقية الدّالّة على العصمة التي ليست إلاّ للأنبياء عليهم السلام ممّن تصوّروا أنفسهم أنّهم أوصياء على الإسلام في جزائرنا الحبيبة؟
وعمّن ينوب الفريقان في صراعاتهم الفكرية التي لم ترق إلى مستواها العقلي والعلمي والتربوي والأخلاقي، والنّاضج وفق الشريعة والتاريخ والقومية والوطنية والإنسانية؟
منذ يومين قرأت -بعد اقتحامي عالم الشبكة العنكبوتية عشية الجمعة من خلال صفحات التواصل الاجتماعي– أخبارا لا تسرّ وأنباء لا تبشّر بخير، لأنّ من راجت بشأنهم واستفحلت بسببهم كانوا مادّتها السّامة التي لا ترحم من يتعاطاها أو يتناولها، كما أنّها كانت بين أنياب أفعى برأسين تزحف في اتّجاهين متناقضين أو متعاكسين..
ما أعنيه وأرمي إليه في هذه العجالة السّانحة نفايات فكرية، وقُمامات ثقافية جمعها من هنا وهناك أحد الفرنكوفوليين الجزائريين المتشبّعين بنفايات الثّقافة الفرنسية التي صارت الجزائر ميدانا مفتوحا أمامها لترمى فيها.
غريب جدّا أن تقرأ لمدّعٍ أنّه مفكّر – وهو لا يحسن الكتابة، ويجهل قراءة التاريخ، ولا يدرك تماما قواعد الوعي الحضاري في الفكر الإسلامي- شيئا من أفكاره الموجّهة – غربيا- فتجده هاذيًا، يخبط خبط عشواء يمينا وشمالا، مادًّا خطوه كالمجنون الذي فقد وعيه في الاتّجاه الصّحيح..
غريبٌ جدًّا أن ينبري وبكل وقاحة للطّعن في الإسلام وفي أعزّ مقدّساته دون أدنى احترام لمشاعر بني دينه، وأهله، وبني وطنه..
مصيبةٌ وأي مصيبة عندما يتجرّأ رويبضةٌ جعل من نفسه أضحوكة فرنسية بعد أن استغلّته بعض الدّوائر الغربية التي تقدّم جوائزها لمن يقبل بقيود الرّق الفكري والعقدي، ويقوم بخدمتها بإخلاص منقطع النّظير..
إنّ هذا الصّنف من البشر فاقدٌ لحرّيّته، مضيّع لكرامته، مهدرٌ لقيمه التاريخية والوطنية والقومية، ليس له على نفسه شيء من سلطان القرار الدّيني الحرّ، أو القرار السّياسي، أو القرار الوطني الأبيّ، كل ما في الأمر أنّه صار عبدا مملوكا، ورقيقا مستباحا في كل شيء، مجرّدًا من كل حقوقه إلاّ حقّ التّطاول على الدّين الإسلامي عقيدة وشريعة وسلوكا، وهذا هو الظّاهر من خلال تصريحاته المسيئة والمتلقطة من قمامات الثّقافة الغربية ونفاياتها الفكرية..
وما هذه الأفكار الهدّامة والمستجمعة بإيعاز من جهاتها القائمة عليها إلاّ من دلائل التطرّف الفكري الغربي الذي يسمح لمعتنقيه من العرب بالهجوم على مقدّساتهم، معتبرا كل ذلك من الحرّيّات الفكرية، وهو عين التطرّف.
وهذا السّلوك الثّقافي الغريب أشدُّ غرابة منه مواقف بعض النّكرات المحسوبين على الإبداع فيما يزعمون الذين يعتبرون أنفسهم متحرّرين من كل القيود الشرعية والدينية والوطنية، وأنّ الانطلاق وراء سعار الشهوات بغريزة الحمر المتسافدة هو قمّة الإبداع عندهم، بما تدلُّ عليه فواحش أفكارهم ونجاسات أقلامهم ومفاسد أخلاقهم وسلوكهم. فلا عجب أن يعلنوا تضامنهم مع تافهٍ طفيلي من فصيلتهم.. فأيّ إبداع هذا الذي يتغنّون به ويتحدّثون عنه وهم سبب التراجع الحضاري لأمّتنا منذ سقوط الأندلس بسبب انتشار هذا اللّون من الإبداع المزعوم الذي أعلن جرأته في تحدٍّ صارخ تنصّله من القيم الأخلاقية الإسلامية:{فاستخفّ قومه فأطاعوه إنّهم كانوا قوما فاسقين} [الزخرف/54]
وفي الضّفّة الأخرى نجد ردود أفعال متباينة أو متقاربة عند من يدافعون عن المقدّسات الإسلامية، وقد تصل في بعض الأحيان إلى العنف الجسدي عند المتحمّسين الذين لا يحسبون للعواقب أي حساب، بحيث يفتون حسب التهاب حماسهم في نفوسهم، معتقدين أنّ الفتوى الشّرعية تخضع لأهوائهم كونهم أشدّ النّاس انتصارا لدينهم، وهذا هو الخطأ بنفسه، لأنّنا لو نظرنا في أحكامنا الشّرعية وكيف كان ينزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الواقع بين أصحابه لوجدنا أنّنا بعيدون تماما عن شريعة الإسلام، لأنّها لا تخضع لحماس النّاس أو غضبهم، وإنّما تقوم على أساس الحكم الذي أراده الله من عباده كما في قصّة الرّجل الذي أراد أن يحكّم سلطان غضبه بعيدا عن الحكم الشّرعي المنصوص عليه في كتاب الله تعالى وفي سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث نهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الموقف الجانح إلى مخالفة الشرع.
مشكلة صراع الأفكار في العالم الإسلامي أنّها لم ترق إلى مستواها المطلوب واللاّئق بها فكريا وحضاريا.. وما نراه تطرّفا فكريا وسلبية حضارية ما يعتقده كلُّ إنسان عاقلٍ أنّ الطّرف المناوئ لمبادئ الإسلام هو من يستهين بالمقدّسات ويعلن حربه على الإسلام من خلال الإساءة إليه بحجّة الحرّية الفكرية والثّقافية والإبداع. فإذا ما دافع أهل الغيرة عن دينهم اتّهموا بالتّطرّف والهمجية والعدوانية في الوقت الذي ينسى الطّرف الأول المعتدي أنّه هو السّبب في المشكلة.. ومع كل ذلك نقول أنّه لا يجوز شرعًا أن يجنح أيٌّ كان إلى العنف الجسدي، أو الاعتداء بالسّلاح كيفما كانت الحال، وإنّما تقتضي المصلحة الفكرية والثّقافية فتح باب الحوار والنّقاش ومقارعة الحجّة بالحجّة، وهو أقوى سلاح نافذ في وجه يمكن استعماله وتوظيفه دون اللّجوء إلى سبيل العنف.. فلعلّ الخاطئ أو المخطئ كل واحد منهما يتدارك نفسه ويصلح ما أفسده في ماضي أيامه، ولا شك أنّ الأرقى علما والأكثر ثقافة والأحسن فهما هو من ينتصر في نهاية اللقاء الحواري مع منافسه.
أمّا إذا بقيت الحال على تنافرها بين الأطراف المتخاصمة ثقافيا وفكريا وعقائديا فإنّ الأفعى اليهودية ذات الرأسين هي من تكون سيّدة الموقف، وهي من تنفث سمومها فيهما مستغلّة غباء الفريقين وأنّ كلاهما يمكر بالآخر ويزيد من تطرّفه دون شعور منهما..
والحلّ أن تسعى الجهات الوصية الرّسمية، وكذا الجهات العلمية والخيرية، والعلماء الذين لهم وزنهم العلمي لاحتواء المتناقضين المتلاعبين بالدين والوطن وأمن المجتمع الأخلاقي والنفسي والاقتصادي. وهذا ليس صعبا على كل مواطن جزائري مخلص لدينه، محبٍّ لوطنه الجزائري…
الشيخ : أبو القاسم العبّاسي
كاتب وباحث وداعية
