من حين لآخر ، ينتابك الألم الذي يلامس النفوس فترتعش، واذا ارتعاشها بوح مضن وآهات متتاليات، كلها تعصر القلوب البائسة فتذوب دموعا، وكل دمعة تحكي تفتت الكبد المجرحة و قصة الوجدان الملتاع. يسحق بعضنا الألم فيغيب في ذروة الاحساس بالكآبة ، يصب نفسه حروفا فاذا ما اكتملت حكاية البوح فرغت نفسك من شحنات التجربة المريرة، لكن هناك من يترك نفسه للذكريات الباكية تعصر قلبه، والموجعات الحارقة تنهب جسده، بل تصهر كيانه بنيران التشاؤم ،فيلم به الداء، وما يزيد في حرقة العذاب هو ذلك الاحساس بخيبة الأمل الذي يزيد الصبوة اتقادا ،ويصل التشاؤم الى مداه الواسع، فيغلق كل منافذ الأمل، ويؤجج الشعلة التي تذيب الضلوع، فيسيطر شعور الوحدة التي لا تكفيه الأرض بما رحبت، ماعدا مفتاح التفاؤل، هذا الأخير الذي ينزعك نحو النظر الى الجانب الأفضل للموضوع فتسلم مسبقا أن الناس والأحداث من حولك على ما يرام، و أن الحياة تسير اتجاه الأفضل،انه الشعور بالارتياح و الاستزادة منه الى أبعد الحدود، هو اليقين بأن الأمل قد يتلاشا لكن لن ينعدم، هو تحويل الخسائر الى أرباح بدل جعل المصيبة مصيبتين، فتكون البسمة الرائقة على الوجه، والكلمة الطيبة عند اللقاء والذكر الحسن عند الفراق، تماما مثل الذي ينظر الحياة بنظارات جميلة فيزداد هو جمالا بذلك، ويعقبه الاستبشار بالمستقبل.
فهو يترواح بين ذلك الاستعداد الشخصي الذي يجعلك تدرك كل ما حولك بطريقة ايجابية ،فتكون أنت ايجابيا نحو ذاتك كتحصيل حاصل، وبين الايمان بأن هذا العالم هو خير العوالم الممكنة، وهذا ما يحملك طبيعيا الى الشعور بالسعادة الدائمة ،متدرجا في ذلك من الرضا الى الى الانشراح الى السعادة في أعلى درجاتها.
انه فن مدروس يجيده الأبرياء الذين يمتصون الأحقاد بصفحهم الجميل، فبقدر استشعارك له يكون انبساط خاطرك، هدوء قلبك، راحة نفسك وسكينة ضميرك، ثم انه لا شيئ أقتل لنفسك أكثر من شعورك بأن كل شيء حولك مظلم، هذا الشعور الذي يكرسه لك دائما وأبدا تشاؤمك من الحياة ،فلا انت بهذا قادر على توقيف عجلة الزمن ،ولا عكس عقارب الساعة، ولا منع الشمس عن الشروق ولا القمر عن الأفول، لذلك: توقع الأفضل دائما، اقتنع بأنك بما عندك انت الأفضل من الكثير،اقرأ الجمال في الكون ،اعط الفرصة لكل يوم على أن يكون أحسن يوم في حياتك ، ذلك لأن:
Le temps qui nous reste à vivre est plus important que toutes les années écoullées
2- أعلام وأقلام:
اذا كان الشاعر رسولا يعلم الناس فن الحياة، ف “ايليا أبو ماضي” هو البارز في المجال، شاعر في روحه، في وجدانه، في عواطفه في صوره… ولد أبو ماضي سنة1889 في قرية تجثو على أقدامها أشجار الصنوبر تدعى “قرية المحيدثة”، كانت مدرسة القرية الصغيرة أول و آخر بيت علم دخله أبو ماضي، و لم ينل من الثقافة المدرسية الا ما درسه فيها حتى غادرها وهو في الحادية عشر من عمره ليذهب الى الاسكندرية عام 1902.
حياته كلها كانت غموض ، ذلك لأنه كان قليل الحديث عن نفسه ،فهو يرى أن حياته لا تهم فضول أحد، كل ما يعرف عليه أنه كان يتعاطى بيع السجائر في الاسكندرية، فلم يكن الرزق موفورا لديه كغيره ممن سافروا هناك، كما أن حداثة سنه لم تسعفه في بلوغ الرزق، يقول عن نفسه: ” كنت في النهار أبيع السجائر عند عمي، و في الليل أتعلم النحو والصرف “، بقي في الاسكندرية احدى عشر سنة ألف خلالها أول ديوان له ، لكنه لم يتمكن من نشر قصائده الوطنية لأن الأحكام المصرية كانت تقسو على كل من يتهجم على السلطة.
غادر بعدها الى نيويورك ليبدأ حياته الصحفية ويكون احد اركان الرابطة القلمية (رابطة أدبية نقدية) وهنا نضجت شاعريته، فأصبح شاعرها الأكبر، و طبع له ثلاثة دواوين :ديوان ايليا أبو ماضي، ديوان الجداول، ديوان الخمائل، و ديوانه الأخير “”تبر وتراب”” الذي وافته المنية سنة 1958 وهو على أهبة الاستعداد لنشره .
3- ان من الشعر لحكمة
قال: السماء كئيبة وتجهما ……………… قلت : ابتسم يكفي التجهم في السما
قال: الصبا ولا ! قلت: ابتسم ……………………..لن يرجع الأسف الصبا المنصرما
قال :العدى حولي علت صيحاتهم………….. أأسر و الأعداء حولي في الحمى؟!
قلت:ابتسم لم يطلبوك بذمهم …………………….. لو لم تكن منهم أجل و أعظما
فلعل غيرك ان رآك مترنما …………………………………طرح الكآبة جانبا وترنما. .
يصيبك الحزن حينا من الزمن ، فتتمنى لو أن قلبك كالصخرة الصماء التي لا تزعزعها حتى الرياح الهوجاء، يضيق صدرك، تتلاطم آهاتك، يجتاحك السواد ،تتقاسمك الأوجاع ، معتقدا انه لا يوجد في هذا العالم غيرك حزين.
فلا تنظر الا للجوانب السلبية ،السماء كئيبة، الأصحاب تركوك، الليالي تشربك كأس الحنظل…. لكن مرد كل ذلك هو لذاتك انت بالذات، حين امتزجت الطبيعة بوجدانك فأردتها أن تعيش تجربتك بحزنك، فيسيطر عليك مشهد الغروب الذي يستر وجه الحياة الحقيقي، فتستفيق في صدرك الذكريات التي تزبدك قلقا ومعاناة، و ما أصعب الذكرى ساعة يكون الانيان فريية اليأس والتشاؤم! يقف أماو وجه الحياة خائفا مذعورا، و تجيش في البال الخواطر الجريحة كالغيوم التي تنزف دما، و يترقق الدمع فيمتزج بضوء الشعاع الهارب الى الزوال، و كأنما دمعة الكون باتت على شفير الانتهاء.
4- ضادنا الأنيقة:
– كثيرا ما نقول للخاطب أو المتزوج: ” بالرفاه والبنين “، وهذا خطأ لغوي شائع جدا بين الناس، فلا وجود لكلمة الرفاه في اللغة العربية، و الصواب أن نقول :بالرفاء والبنين ،الرفاء بكسر الراء و بالهمزة في نهايتها تعني. حسب ” المعجم الوسيط ” الالتئام والاتفاق، وهو دعاء للمتزوج بجمع الشمل،و استيلاد البنين، و توجد كلمة “الرفاهة” في اللغة العربية و تعني رغد العيش، و سعة الرزق اذ ممكن ان ندعو للمتزوج بالرفاهة وليس بالرفاه.
– يكتب معظم العرب المحدثين كلمة (موسيقى) بالألف المقصورة و الأصح بالألف الممدودة،(موسيقا) فهي ترجمة لكلمة Music و جميع الكلمات الأعجمية المنتهية بألف تكتب ألفا طويلة مثل: فرنسا، كريستينا…
5- نصيبنا من التراث:
يقال: ” من نهار ماتت المرحومة ، ما كليت كسرة مرقومة ” في صياغ هذا القول، يحكى ان رجلا يعيش في سكينة وسعادة رفقة زوجته، شاءت الأقدار أن تنتقل الزوجة الى جوار ربها، وتترك وراءها أطفالا ، ومن الطبيعي ان يسعى الزوج لاستخلاف زوجته، فتزوج اخرى عرفت بمهارتها وخفتها في الاشغال المنزلية، كانت تحاول قدر الامكان ادخال الفرحة على العائلة، لكن الزوج لم يكن يعجبه كل ما تطهيه الزوجة القانية، صادف ان سمعت زوجته قوله: من ماتت المرحومة ما كليت كسرة مرقومة، فقررت ان تسأل الاطفال عن الخبز المرقوم كيف يكون، فأخبروها أن أمهم كانت تقوم بتحصير الخبز ، وتتركه جانبا ، حتى يأتي الديك وينقبها بمنقاره، فتقوم بطخبزها على ذلك الشكل، يأكلها الزوج بفرح ظانا أن زوجته نقشتها من أجله.