أليس الحاضر شاهدًا على هذا التردي الكبير، الذي نعيشه كأمة و سيبقى مستمرًا، ليلقي على المستقبل ضلاله فيصبحان صورة واحدة، حيث يلغي الزمن من القاموس، و يعطل عند نقطة واحدة هي العبثية المستمرة، و سيخيل لأبطال هذا المشهد أنهم المبهرون على الركح، و أنهم أرباب اللحظة الذين تزدري بهم الجماهير المكونة لمزيج المشرق و المغرب.

لقد احتار الفيلسوف العربي ” مالك بن نبي ”  عن ما أراد أن يضع تصنيفاً دقيقاً للمراحل العمرية لهذه الأمة، و لعله اعتمد على العطاء الحضاري و خلق المعارف التي تساهم في بناء الحضارة الإسلامية، و كذلك على السطوة و القوة لجميع الدول التي تعاقبت على الحكم، و صنعت الوجه السياسي و الرسمي للأمة عبر هذه الفترة و بعدها، قد يتساءل القارئ لماذا صنف ” مالك بن نبي ” المسلمين لإنسان ما قبل الموحدين و إنسان ما بعد الموحدين، و قبل الولوج في تفصيل الأمر و للعلم فقط، فإن الدولة الموحدية تعتبر الدولة المغاربية الوحيدة التي كانت خلافة و يحكمها خليفة، يدير أمر المغرب الإسلامي الكبير و الأندلس   و إفريقيا من حضارة الخلافة مراكش بعيدًا عن بغداد و عن العباسيين الخلافة الرسمية آنذاك، و لأنها أنشأت حضارتها الخاصة و صنعت مدينتها و تمدنها الخاص بها كذلك، فحقيقة أن الإنسان المسلم آنذاك يعتبر مضرب المثل في التحضر و التمدن، و كان محور العالم آنذاك يدور حول بغداد – قرطبة حضارياً، لم يستطع التدفق المسيحي من خلال الحروب الصليبية أن يكبح التزايد الحضاري المبهر للمسلمين و أدائهم عالميًا، حيث أن خمسة ألاف عام من  الحضارة الإنسانية المتراكمة، لم تغير وجه العالم الهمجي و لم تبدل الصورة الفضيعة التي ورثتها أوروبا المسيحية عن أوروبا الوثنية، إلا أن انطلاق الإسلام نحو العالم المعروف آنذاك، استطاع بكل جدارة أن يغير العالم كلياً نحو الأفضل، فلقد ولدت مفاهيم و أساليب متطورة لمواصلة الحياة آنذاك.

لقد حاولت أن أرسم صورة بسيطة عن الإنسان الإسلامي، الفحل و المتحضر و الحضاري قبل انهيار دولة الموحدين و زوالها، و ما تلاه من فقدان الأندلس        و سقوط المغرب تحت التهديد الاستعماري المباشر، و اضمحلال دور المشرق بصورة كبيرة، و من باب الملاحظة العلمية فإن التبادل و التأثر الوجودي سواءً في حال الضعف أو القوة، لا يمكن بأي حال أن يغادر هذه الثنائية التاريخية و الجيو سياسية و الحضارية مهما تغيرت عوامل الزمن.

أليس هذه جدلية فلسفية قبل كل شيء تفرض نفسها بصورة وجودية، تفسر قوة الماضي و وهن الحاضر، و أن المسلمين الآن مجرد مشرق و مغرب.

أخبار عين وسارة / الأستاذ مدوح عبد الرحمان.

 

2 thoughts on “ما بعد الموحدين”

اترك رداً على عامر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *