الندوة الثالثة لمؤسسة المعارف بعين وسارة

قراءة في كتاب «أقطاب في محراب الإنسانية» للدكتور بوزيد بومدين

في إطار موسمها الثقافي لسنة 2026، نظّمت مؤسسة المعارف للثقافة والعلوم وتنمية المجتمع ندوتها الثالثة، التي احتضنتها مكتبة المطالعة العمومية بمدينة عين وسارة، حيث ألقى الأستاذ الدكتور بوزيد بومدين محاضرة علمية وروحية متميزة، تمحورت حول كتابه «أقطاب في محراب الإنسانية».

أقطاب صنعت المعنى الروحي

قدّم المحاضر قراءة تحليلية معمّقة لتجارب خمس شخصيات محورية في التاريخ الجزائري والإسلامي، اعتبرها نماذج متكاملة للإنسان العارف الذي جمع بين الفعل الحضاري والبصيرة الروحية، وهم:
محمد بن عبد الكريم المغيلي،
أبي راس الناصري،
الأمير عبد القادر،
العربي بن عطية الونشريسي،
أحمد العلوي.

وأوضح الدكتور بومدين أن هؤلاء الأقطاب لم يكونوا مجرد رموز تاريخية، بل تجارب حيّة تجسدت فيها العلاقة العميقة بين الشريعة والحقيقة، وبين الالتزام الديني والمسؤولية الحضارية، ضمن سياقات اجتماعية وسياسية مخصوصة.

تفكيك المفاهيم وإعادة بناء الرؤية

وتوقّف المحاضر عند ضرورة التمييز بين الصوفية كمنهج روحي، والطرقية كتنظيم اجتماعي، والزاوية كمؤسسة تربوية، داعيًا إلى تجاوز الخلط المفاهيمي الذي أفرز قراءات مجتزأة للتراث الصوفي.

كما استعرض رمز “الشجرة” الذي اختاره لغلاف كتابه، مقرونًا بالماء، باعتباره دلالة على الامتداد والتجذر والنماء؛ في إشارة إلى أن التجربة الروحية الأصيلة تظل متجددة العطاء عبر العصور.

ثلاث مشتلات لفهم التحولات

وقسّم الدكتور بومدين محاضرته إلى ثلاث “مشتلات” فكرية:

  • الأولى دعت إلى إعادة قراءة التراث الصوفي قراءة نقدية واعية تستحضر السياق التاريخي.
  • الثانية سلّطت الضوء على الامتداد الإفريقي للتصوف، خاصة من خلال تجربة المغيلي وتأثيرها في تشكيل المجال الديني والثقافي بإفريقيا.
  • الثالثة تناولت تحولات التصوف خلال خمسة قرون، مع الدعوة إلى إعادة قراءة المقاومات الشعبية في جذورها الروحية بعيدًا عن التفسيرات الاختزالية.

نقاش وتكريم

أعقب المحاضرة نقاش علمي ثري شارك فيه عدد من الأساتذة والباحثين، في حوار عكس حيوية المشهد الثقافي المحلي وعمق الاهتمام بالقضايا الفكرية والروحية.

وفي ختام اللقاء، تم تكريم الأستاذ الدكتور بوزيد بومدين بوسام التقدير وإلباسه برنوس المنطقة، كما غرس الحضور “شجرة المعارف” بساحة المكتبة في مبادرة رمزية تعكس روح الامتداد والنماء، تزامنًا مع الحملة الوطنية للتشجير. كما شمل التكريم مدير المكتبة السيد حوينيتة كمال، تقديرًا لجهوده في إنجاح النشاط.

وهكذا أسدل الستار على ندوة علمية جمعت بين الفكر والتاريخ والروح، مؤكدةً أن المشهد الثقافي بعين وسارة ما يزال قادرًا على احتضان الأسئلة الكبرى وصياغة رؤى متجددة تخدم الإنسان وقيمه السامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *