عين وسارة تستضيف قامة فكرية وعلمية… الأستاذ الدكتور عمار طالبي في لقاء علمي متميز
في لقاء فكري وازن احتضنته مدينة عين وسارة، التقت التجربة العلمية العميقة بسؤال النهضة الحضارية، في حضور أكاديمي لافت أعاد فتح النقاش حول علاقة التراث بالواقع، ومسؤولية الفكر في تحويل الوعي إلى فعل.
احتضنت مدينة عين وسارة لقاءً فكريًا متميزًا بدعوة من مؤسسة المعارف للثقافة والعلوم وتنمية المجتمع، حلّ خلاله الأستاذ الدكتور عمار طالبي، القامة العلمية والفكرية البارزة، ضيفًا كريمًا على المدينة، رغم تقلبات الجو وقساوته، حيث أصرّ على الحضور بروح متقدة وحماس لافت، مرفوقًا بالأستاذ الدكتور رشيد ولد بوسيافة.
ويُعدّ الدكتور عمار طالبي من أبرز الأسماء المرجعية في البحث العلمي والفكر الحضاري، وصاحب مسار أكاديمي ثريّ توّجه بالحصول على شهادة الماجستير من جامعة الإسكندرية، ثم الدكتوراه في الفلسفة من جامعة الجزائر. وقد شغل مناصب علمية وأكاديمية مرموقة، من بينها رئاسة جامعة العلوم الإسلامية بقسنطينة، والعمل أستاذًا ورئيس قسم بجامعة قطر، فضلًا عن كونه الرئيس الأسبق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحد مؤسسي المعهد الوطني العالي لأصول الدين، ورئيس لجنة إغاثة غزة، إضافة إلى رصيد علمي معتبر من المؤلفات والمقالات.
واستُهلّ اللقاء بكلمة افتتاحية ألقاها الأستاذ الدكتور عطاءالله فشار، شدّد فيها على أن الأزمة التي تعيشها الأمة اليوم لا تعود إلى نقص في الموارد، ولا إلى فقر في النصوص، ولا إلى غياب التراث، وإنما هي في جوهرها أزمة فهم وعجز عن تحويل الفكرة إلى فعل حضاري مؤثر. وأوضح أن المفكر مالك بن نبي طرح، منذ أكثر من نصف قرن، سؤالًا بسيط الصياغة عميق الدلالة حول امتلاك الأمة لمقومات الحضارة دون قدرتها على إنتاجها، معتبرًا أن التراث في مشروعه النهضوي لم يكن ماضيًا يُستدعى للتقديس، ولا الواقع قدرًا يُستسلم له، بل مجالًا حيًا للفحص والمساءلة، لأن نهضة بلا تراث تفقد روحها، وتراثًا بلا واقع حيّ يتحول إلى عبء يثقل مسار التقدم.
وخلال اللقاء ذاته، ألقى الأستاذ الدكتور عمار طالبي محاضرته الموسومة بعنوان «مشروع النهضة لمالك بن نبي بين التراث والواقع»، تناول فيها الأسس الفكرية للمشروع النهضوي عند مالك بن نبي، مؤكدًا أن الإشكال الحقيقي الذي تعانيه الأمة لا يتمثل في نقص الإمكانات أو وفرة النصوص، بل في غياب الفعالية الحضارية الناتجة عن اختلال العلاقة بين الفكرة والعمل. وأبرز أن سؤال النهضة الذي طرحه مالك بن نبي لا يزال راهنًا، لأن شروط التخلف لم تُستأصل بعد، وفي مقدمتها القابلية للاستعمار، وتهميش دور الإنسان باعتباره محور كل نهضة.
كما تطرق الدكتور طالبي إلى مركزية الفكرة الدينية بوصفها طاقة محركة للتاريخ، وإلى مظاهر الأزمة في الواقع الإسلامي، من استهلاك وتبعية وضعف في الإحساس بالمسؤولية بين الحق والواجب، مبرزًا أن عناصر المشروع النهضوي، المتمثلة في الإنسان والفكرة والوسيلة، لا تزال صالحة للتجديد، شرط الانتقال من تمجيد الأفكار إلى تفعيلها في الواقع. وأكد في هذا السياق أن مشروع مالك بن نبي لا يُقدَّم كوصفة جاهزة، بل كمنهج تفكير حضاري يحمّل النخب والمجتمع مسؤولية التغيير.
واختُتم اللقاء في أجواء فكرية عميقة، أكدت الحاجة الملحّة إلى إعادة طرح سؤال النهضة بعيدًا عن الشعارات، والاقتراب منه باعتباره مشروع وعي ومسؤولية، يختبر صدق الأفكار بمدى قدرتها على تغيير الواقع، لا بمجرد ترديدها في الخطاب.
