أرشيف التصنيف: أعلام

سيرة ومسيرة الشيخ العلامة ” سي عامر محفوظي ” رحمه الله.

التعريف بالشيخ :

هو عامر محفوظي بن المبروك بن مزوز المحفوظ بن أحمد الملخوي النائلي العربي نسبًا، الجزائري موطنًا، الجلفاوي سكنًا، السُّني المالكي عقيدة ومذهبًا، كان ميلاده خلال 1930 بفيض البطمة، وهو من هذه المنطقة هو وأهله.

إخوته: أحمد وعلي والخليفة، وأخت شقيقة، وثلاث لسن شقيقات، والحي: علي فقط، والذكور كلهم يحفظون القرآن الكريم.

أولاده: خمس بنات، تُوفِّين صغيرات، أصيب فيهن بمقتل، فمن يصبر صبره، وذكَران توفي أحدهما، وهو عمر، وما زال أحدهما على قيد الحياة، نسأل الله له طول العمر وحُسن العمل، وهو الشيخ الأستاذ عبدالكريم يعمل مديرًا في قطاع التعليم.

تعلُّمه وتربيته: كانت الأُسر الجزائرية القارئة تتولى التربية والتعليم لأبنائها، ومنها أسرة شيخنا؛ فقد كان أبوه حافظًا لكتاب الله تعالى، يحفِّظه لولده خلال حياته اليومية، وهو مَن رباه وعلَّمه القرآن الكريم وعلوم العربية ومبادئها، حتى توفي والده الكريم سنة 1946.. لما وصل شيخنا سي عامر سورة يس وعَى وعرف أنه يقرأ ويحفظ القرآن الكريم؛ أي: إنه قبل وصوله إلى هذه المرحلة كان يلعب مع أترابه، ويعيش حياته طفلاً، ويحفظ بشكل روتيني دون وعي بأهمية ما يفعل من القراءة والحفظ، وقد يكون في عمر الخامسة، كونه بدأ التهجد بالناس والتراويح في سن التاسعة، في منطقة طاقين بقصر الشلالة لما وصل أبوه إلى تلك المناطق؛ حيث كانت الأسرة الكريمة من البدو الرحالة، فصلى بالناس إمامًا، وهكذا كان أبناء المسلمين والجزائريين يضطلعون بالمسؤولية العظيمة، ويتدرَّبون عليها صِغارًا.

ودرس أشهرًا بالزاوية الطاهرية بنواحي الجنوب من الجلفة، وكذا بزاوية الهامل، ولكنه لم يبقَ بهما إلا قليلاً، كونه ملازمًا أباه في عيشة الترحال البدوية، وكان من تحمله مسؤولية إعانة والده على تحمل أعباء الحياة الأسرية أنه كان ينتقل وحده ماشيًا وهو في عمر الحادية عشرة 11 من منطقة طاقين إلى بلدة فيض البطمة، وهي مسافة بعيدة حوالي 200 كم مائتي كيلومتر، ليحضر المؤونة من قمح وشعير، طعامًا لأهله، بسبب سوء الحال الذي تسببت فيه فرنسا الاستعمارية الكافرة، وكذلك الوضع العالمي السيئ نتيجة الحرب العالمية الثانية، التي أقحمت فرنسا فيها مستعمراتها، وخاصة الجزائريين، ووعدتهم بنيل الحرية إن تجندوا في صفوف جيشها لرد الألمان عنها، فكان جزاء الجزائريين بعد تحرر فرنسا جزاءَ سنمار، فأخلفت وعدها، وقتلت أكثر من 45000 خمسة وأربعين ألف جزائري في ثلاثة أيام بعد خروجهم في مناطق كثيرة، منها: قالمة، وخراطة، وسطيف في الجزائر، مطالبين بالحرية والوفاء بالوعد، وكان أن انتشرت المجاعة والأمراض، وصار الناس يموتون في الشوارع والأزقة ولا يجدون حتى من يدفن الموتى، ولم يجدوا حتى الأكفان، فضلاً عن الضروريات من العيش، فأكلوا الجِيف والنباتات، وأوراق الأشجار… وسمَّوا تلك السنوات بالمزغبة/المسغبة؛ أي: المجاعة، والتيفوس وهو اسم أعجمي لوباء انتشر وقتل الناس جماعات وفرادى، وعام الدشيشة، وهي القمح المهروس المطبوخ، ولم يكن قمحًا في الحقيقة، بل قشور القمح فقط، تطبخها بعض الجمعيات الفرنسية المنصِّرة التابعة للجهات المشبوهة – كالكنائس وغيرها – وتطعمها للجياع بدون إدام بماء فقط، فلا تُسمِنهم ولا تغنيهم من جوع، بل تتسبب في موتهم، وكانت تسجل توثيقًا، كل قبيلة في أرضها، ولا يجوز في عرف فرنسا أن تأخذ المؤونة أي أسرة أو قبيلة أو فرد منها من منطقة أخرى؛ لذلك كان يرحل الشيخ سي عامر الطفل كل هذه المسافة، ويأمُره والده بحمل اللوح الذي كتب فيه حزبًا أو حزبين جزءًا من القرآن الكريم، وعليه أن يعرضه على الوالد من ذاكرته حين عودته، وتزوده والدته بخبزتين، خبز شعير أو حنطة لا أكثر، فيعود وقد حمل المؤونة وحفِظ الجزء من القرآن الكريم.

استقراره:

في نهاية الأربعينيات 1947، سكن الجلفة في حي الظل الجميل، ثم حي بيروعرب (منطقة خاصة للعرب سكنًا، بحيث يمكن حراستهم وحصارهم من فرنسا، وكلمة بيرو معناها: المكتب الإداري الفرنسي المشرف على مراقبة العرب).

وقد تزوج من حاسي بحبح السيدة فيطس فاطنة رحمها الله، وكان منذ ذلك التاريخ ملازمًا للشيخ الفقيه المعلم المالكي المذهب الرحماني التصوف، فحل الصحراء، وسيد العلم في بني نائل وما جاورهم من القبائل، الشيخ: سي عطية مسعودي رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

وأقول: قد كنت أجلس مجالس مع الصالحين من الكبار والمثقفين في مناطق من الجنوب في الأغواط وغرداية وغيرها، فإذا علِموا أني من الجلفة ذكروا نكتًا وطرائفَ في الفتوى والفقه والدعوة والإرشاد ينسبونها حقيقة بسند إلى الشيخ سي عطية، يعرفونها ويروونها، وأنا لا أعرفها، مما دل على سعة اشتهار سمعته الطيبة، ولا يذكرون الشيخ سي عطية إلا وذكروا معه الشيخ سي عامر محفوظي رحمه الله تعالى، بنفس الإعجاب والمدح..

يعمل بالمسجد جامع الجمعة كل أعمال المسجد؛ فهو المؤذن والقيم، فينظف المسجد، ويقوم بتسخين الماء لمن يتوضأ، ويؤذِّن، ثم بعد الصلاة ينبري لتعليم القرآن الكريم، فكان بهذا قيِّمًا ومؤذِّنًا ومعلِّمًا وإمامًا ومدرِّسًا بتواضع ونشاط ورغبة تظهر زهده وعلمه وحِلمه، حتى لبى دعوة الإمام سي عطية مسعودي مساعدًا له بالمسجد.

سي عامر المعلم:

في بدايات الاستقلال 1963، التحق بقطاع التعليم ممرِّنًا في مدرسة الإخلاص إلى 1967، فأخذ منهجية التعليم الحديث تطبيقًا، وتفتح على الجديد في طرق التعليم ونظامه ومناهجه في كل المواد، وكيفية التواصل مع باقي المعلمين والنظام الإداري، وكيفية التسيير، وكيفية التواصل مع التلاميذ وأوليائهم، مما كان مختلفًا تمامًا مع نظام الكتاتيب والزوايا، فازداد تفتحًا، وتفتقت ملكاته وذاكرته ومنهجيته، واستغل هذه الخبرة بعد ذلك في تدريسه في معهد الأصالة للتعليم الأصلي بالجلفة، وكذا بمعهد المعلمين متعاونًا، كان معلمًا نصوحًا ذكيًّا سياسيًّا، يحتوي كل أطياف المجتمع صغارًا وكبارًا وإن خالفوه، فقد علم بالمسجد وبالمعهد التكنولوجي للمعلمين سنتين أو أكثر 1982، 1983، وبالمعهد الأصلي: اللغة العربية، والفرائض، والتربية الإسلامية، وبمدرسة الإخلاص، فلم يُذكَر بسوء أبدًا، وعلَّم الفقه في كثير من الأحيان لشباب المساجد من طلبة الثانوي والجامعة في أواخر السبعينيات إلى أوائل الثمانينيات، واحتوى الجميع، وكان محاورًا بارعًا، وداعية راشدًا مرشدًا.

في قطاع الشؤون الدينية والأوقاف:

أعاد الشيخ الإمام سي عطية مسعودي إمام جامع الجمعة دعوته للشيخ سي عامر سنة 1967 ليكون مساعدًا له، وكان قد نال الرضا بإجازة مكتوبة من الشيخ نعيم النعيمي النائلي عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بإمكانية قبوله في قطاع التربية والتعليم، وتوافق ذلك مع وقت استقالته من التعليم والتحاقه بقطاع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف مساعدًا بالمسجد الجامع مع الشيخ سي عطية مسعودي، وعين سنة 1974 مرشدًا ومدرسًا في بعثة الحج، وتقلد سنة 1975 مهامَّ المسجد كإمام ممتاز وقائم بدرس الجمعة والخُطبة والتراويح والفتوى الشفاهية والكتابية على مستوى الولاية، وكان الناس يأتونه من أماكن بعيدة، بل وتأتيه الاستفتاءات من مناطق في أوروبا، ويجيب عنها بروية وحُسن فقه وعلم، وقد تصدى للفتوى بإذن معلمه ورفيقه الشيخ سي عطية مسعودي رحمه الله تعالى بتزكية وإجازة مكتوبة (نسخة مصورة في آخر العرض)، كل ذلك ظهر جليًّا بعد عجز الشيخ سي عطية وإذنه، ونال التعيين في تلك الرتب بعد فوزه في مسابقة الأئمة سنة 1972، وكان الأول على مستوى ولاية التيطري، ونال شَهادة معادلة لليسانس في علوم الشريعة، كما اختير رئيسًا للمجلس العلمي لولاية الجلفة سنة 1991، ثم كلف بنظارة الشؤون الدينية بولاية الجلفة سنة 1993، إلى أن عاد إلى المسجد، ثم طلب الإحالة على التقاعد سنة 1996، وبقي في المسجد يؤدي وظائفه تطوعًا إلى أن مرض ولقي ربه إن شاء الله راضيًا مرضيًّا.

سيرته وعلمه وفقهه وزهده:

كان طيب السريرة إن شاء الله، وطيب السيرة، فطاب رحمه الله تعالى حيًّا، وطاب ميتًا، مِن سيرته روى لي ثقات أنه كان في كثير من فصول الشتاء يذهب إلى حانوت، دكان يبيع الجلاليب القشاشيب، فيشتري كميات ويذهب إلى ديار يعرف أن أهلها فقراء، ويوزعها عليهم، من ماله، بل وكذا كان يشتري البطاطين والأغطية ويوزعها ويؤتيها الفقراء، وكان متصوفًا رحمانيًّا معتدلاً، لم يعرف بالبدع أو الخرافات، وكان رجلاً قرآنيًّا لا يترك قراءة القرآن الكريم حتى في أحلك الظروف وأشدها؛ فقد كان في مرضه الذي مات فيه لا يفتأ يقرأ القرآن حتى وافاه الأجل على تلك الحال، وكان رحمه الله مفتيًا فقيهًا حاذقًا ذكيًّا مالكيًّا دون تعصب؛ فقد استفتاه بعضهم عن جواز لُبس الحذاء المصنوع من جلد الخنزير المستورد، فرد السائل قائلاً: عُدْ إليَّ بعد أيام، ثم بحث في المسألة وذهب من غده إلى التاجر السائل قائلاً: (أعطني حذاء مقاس 44 من النوع الذي استفتيتني فيه)، وكان رحمه الله تعالى يَقِيل ويستريح بعد صلاة الظهر ولا يستقبل الناس، فطرق عليه طارق ثقيلٌ الباب بشدة، فقال الشيخ لولده عبدالكريم: انظُرْ مَن الطارق! فنظر، قال: رجل رثُّ الهيئة يستفتيك، قال: ائذن له، قال ولده: أوَليس هذا وقت راحتك؟ قال الشيخ: هذا رجل فقير من العامة، لا يأتي به إلينا إلا الضروري من الأمور، وإني أخاف إن رددتُه أن أسأل عنه يوم القيامة: استفتاك ورددتَه وكتمت عنه العلم.

وكان بيتُه لا يُغلَق رحمه الله تعالى، وكان كريمًا يطعم الطعام، ولا يرد المستفتين والزائرين من أماكن بعيدة المدى البرج، والمسيلة، والأغواط.

وكان متفتحًا على المذاهب في فتواه وتعليمه، غير متعصب لطريق أو مذهب رغم مالكيته ورحمانيته الظاهرتين الجليتين رحمه الله تعالى.

وكان من منهجيته في فتواه أن يكتب سؤال السائل المستفتي كما سمعه، ثم يجيب كتابيًّا حسب السؤال، ويختم وثيقة الفتوى بختمه على أنه مفتي الولاية، ليستعملها السائل في حدود المسموح به قانونًا؛ أي: إن فتواه كانت تحمل الصبغة القانونية، ومعترفًا بها في الجهات المعنية.

وكان شديد الحفظ قوي الذاكرة إلى آخر أيامه رحمه الله.

ومن اللطائف عنه رحمه الله أن وزير الشؤون الدينية زار الولاية في السبعينيات، وطلب من ناظر الشؤون الدينية في تلك الفترة سي بولنوار الأخضري رحمه الله تعالى أن يقدم إمامًا ليلقي درسًا، فاختار الشيخ سي عامر، فلما انتهى من درسه أمام الوزير والجمع الحاضر من الأئمة والعلماء والأعيان، قال الوزير مخاطبًا ناظر الشؤون الدينية: (لقد جمعت كنانتك وضربتنا بأصلبِها عودًا)، شهادة من أعلى مستوى في قطاع الشؤون الدينية، الوزير، بأمرين؛ الأول: أن الجلفة بها كنانة غير خاوية، والثاني: أن أصلب نبالها وأقواها الشيخ الفاضل سي عامر محفوظي.

ومن اللطائف أن أول حجة سنة 1974 كانت على نفقة المملكة العربية السعودية؛ لأنه شارك وأجاب على أسئلة في مسابقة من المملكة فاز فيها بنيل دفع تكاليف الحج، ثم حج بعد ذلك سبع حجات وثلاث عمرات.

كان محبوبًا من الجميع؛ من جيرانه، وأهله، وأصحابه، ومنهم تلاميذ الشيخ بلكبير، الذين كانوا يدعونه لإلقاء الدروس في تجمعاتهم أثناء الحج.

ووصى ابنه عبدالكريم بزوجته خيرًا، وأن يبقيَها عنده ويرعاها، وقد فعل؛ فهي عنده إلى اليوم مثل أمه حفظهما الله تعالى.

مثَّل الولاية في العديد من الملتقيات الدولية والوطنية في مجال الفكر الإسلامي، وتتلمذ على يديه العديد من المشايخ، وله مؤلفات ومخطوطات عديدة، منها: “تحفة السائل بباقة من تاريخ سيدي نايل”، و كتاب: “الطرفة المنيرة في نظم السيرة”، وقد حدثني أنه ألف في النحو وعلوم اللغة متنًا، وكذا قرأت أن له مخطوطًا، هو شرح على سلم الوصول في علم الأصول للديسي.

رحل إلى جوار ربه عصر الأربعاء 20 ماي 2009، الموافق لـ 24 جمادى الأولى 1430 إثر مرض ألَمَّ به، إنا لله وإنا إليه راجعون!

موقع مديرية الثقافة لولاية الجلفة.

رموز وشخصيات من أبناء عين وسارة..رجل الحركة الوطنية: ” بن عزوز عياد “.

ولد فى 24_07_1924 عاش وترعرع فى عين وسارة المدينة التى أستحوذ عليها المعمرون وأقاموا بها محطة القوافل وحكمها “بول كزال”الذى حملت إسمه سنة 1935 ولم تسترجع إسمها الا بعدالاستقلال وعاث فيها “بتاي أوغستين” تاجر الاغنام والحلفاء وصاحب الطائرة الخاصة فى ذلك الوقت مستفيدا من خيراتها ومنتجاتها.

المدينة السهبية العارية من الجبال والغابات على مد البصر حولتهافرنسا إلى منطقة عسكرية وقسمت عرشها الى قسمين عرش رحمان الغرابة ورحمان الشراقة ومع ذلك لم يمنع ذلك من نشاط قوى وفعال للحركة الوطنية وكان من الأسماء التى لمعت وبرزت ونشطت إسم المناضل ‘بن عزوز عياد” الذى عمل على إنشاء خلايا وضم مناضلين للحركة الوطنية فى ذلك الوقت فى كل من قصر الشلالة وعين وسارة والبرواقية وكان ينسق مع المناضل الكبير” أحمد محساس” الذى أقام عنده بعين وسارة لمدة طويلة ومن ضمن الشخصيات التى عمل على ضمها للحركة الوطنية المناضل ” الصافي بوديسة ” وكان ذلك سنة1947 وفى 13ماي1948 ترشح فى الانتخابات التشريعية على رأس قائمة حركة إنتصار الحريات الديمقراطية (mtld) على مستوى دائرةقصر الشلالة التى كانت تتبعها عين وسارة وكان معه فى القائمة من عين وسارة مناضلوا الحركة الوطنية بعين وسارة منهم :(مالكى رابح.طويرىأمحمد.مقدس مسعود.رحماني عيسى بن الحاج أحمد …وغيرهم) .


واصل نضاله وعمله ونشاطه فى نشر الوعى وكانت فرنسا تعتبره من العناصر الخطيرة ولذلك فى بداية الثورة تعرض لوشاية من طرف بعض أعوان فرنسا ولكنه نجا من الاغتيال بعد أن تم إخباره مم يدبر له بفضل أحد الاشخاص من الأغواط (ب.ق) الذى أخبره فى الوقت المناسب وتمكن من الفرار الى قصر البخارى ثم المدية ثم العاصمة ثم الى فرنسا عبر إحدى البواخر …ليواصل نشاطه هناك ويتنقل بين فرنسا وسويسرا ويلتقى بمصالى الحاج وبشكيب أرسلان أمير البيان.


وكان بن عزوز عياد قد عمل مراسلا صحفيا أيضا لجريدة ” ألجيرى ريبيبليكان ” ، ليعود بعد الاستقلال سنة 1963 إلى الجزائر وعرضت عليه عدة مناصب فرفض أغلبها كما رفض بطاقة النضال ، واكتفى بتسيير إحدى قاعات السينما بالعاصمة ثم عمل بادارة أحد المراكز الفلاحية ثم تفرغ لاعماله وأشغاله بمدينة عين وسارة وظل وفيا لأصدقائه المناضلين القدامى وبقى مرددا دوما لمقولة “نداوو لجراح والى فات مات ”
مهما يكن من موقف أو رأى تجاه هاته الشخصية التى تعرضت للتهميش والنكران فانه يبقى نموذجا للشباب والمدينة فى النضال وغرس الوعى والدفاع عن تحرير الجزائر فى وقت كان فيه الحديث عن معارضة الاستعمار هو أكبر الجرم …توفى رحمه الله سنه 2008.

أخبار عين وسارة / الدكتور عطاء الله أحمد فشار.

أوراق من حياة…الشيخ عبد الحفيظ القاسمي رحمة الله عليه.

انطلقت مدرسة النجاح في البيرين ومحيطه تصنع النجاح، أفلا يستحق هذا الجهبذي أن نذكره، ونجدّد ذكراه العطرة، ونحيي أفكاره ونستشف منها ومن جميع مواقفه وابداعاته وأعماله كل الخير؟

1- مدخل:{..يَرفع اللهُ الذين آمَنوا منكم والذين أوتوا العلمَ درجات..المجادلة -11}النفوس البشريّة ضعيفة، يصيبها النسيان والملل والفتور،وقد تشغلها زخارف الحياة فلا تلتفت الى الوراء، وقد تصاب بالصدأ أوالتكلس ولا تعود تتذكر، والذكريات كالمسبحة ملتصقة ببعضها، فان نسينا واحدة ذكرتنا الأخرى، وان النظر في سيّر الأفذاذ من علمائنا ورجالنا الأفاضل تذكرةلألي الألباب، تعيد لنا الأمل وتجلي صور السلف الصالح، و تمنحنا قوّة ونشاطا واعتزازا بعلمائنا وبماضينا التليد،فلاريب أن التذكيربهؤلاء يثير في النفوس كوامن الاقتداء، الجزائر الكبيرة تملك رصيدأ ضخما من العلماء العاملين في حقل التربية والتعليم والدعوة الى الله،،أولئك الذين أرتوت الأمة من معين علمهم وخلقهم وجهادهم، و شباب اليوم يجهلون هؤلاء أويتجاهلون سيّرهم وأخبارهم ولايسألون، فهم يعرفون الكثير عن سيّر ابطال لاعبي الكرة ونجوم الفن والغناء وللأسف يزهدون في معرفة علماء الجزائر الفاعلين الناصحين ابان فترة الاستعمار، هذا الانفصام النكد كان سببا في ضعف منظومتنا الأخلاقية والقيْمِيَّة والتربويّة،وساهم في تشتت جهود أمّتنا العربية وعزتها، انّ ماضينا التليد حافلُ بالأعمال الفكريّة وبالرجال الأفذاذ ومن بينهم الشيخ عبد الحفيظ القاسمي،ألمع علماء الزاوية القاسمية، وأكثرهم حضورا وحركة، كانت شخصيّته لامعة ًومتألقة وله مظهر راق، يقول علماء النفس – مامعناه- في حياة كل انسان شخصية يتمنى أن يكون مثلها، ونحن الذين تعلمنا عن الشيخ تأثرنا به وكان قدوتنا،وما زلنا نذكره، وهذه لمحة مضيئة عن حياته أوجزتها في هذه الأوراق انصافا له واعترافا، هوشيخ فاضل وأستاذ جليل من علماء المنطقة المغمورين العارفين العاملين،نشأ في أسرة حظها من العلم كثير،وتميّز في وقت مبكر من حياته العلمية بالنبوغ،وهو الذي عاش للعلم، ونشأ في بيت العلم ، ولقي ربه وهو يخدم العلم،هذه النبذة من حياته جمعتها وعملت علي ترقيمها حسب سياقها التاريخي واعتمدت علي مروياتي بالخصوص وعلى وثائق ومعلومات لدى الأصدقاء ومن أسرة الشيخ، ولم اتطرق فيها الى أعماله الابداعيّة ، وكنت أنوي تقديم نماذج حيّة من كتاباته الرائعة وأنتظرت وحاولت ولم أفلح، اذ العين بصيرة واليد قصيرة.” كما يقال، فاكتفيت بسيرته العطرة المحفورة في أفكارنا وهي باقية وأهم أعماله الفكرية والإبداعية محفوظة عند أفراد من عائلته و لم تعرف طريقها بعد إلي القارئ والدارس 1.و يبقى الأمل منوطا بأسرته الكريمة وبطلبته وبمن عرفه أو يحتفظ بأعماله التفضل بطبعها والإفراج عنها،والكشف عن مخطوطاته النثريّة وأشعاره بخاصة.

2- فالشيخ عبد الحفيظ القاسمي وا حد من الشخصيات الاسلامية الفذة و المتميزة والتي قلما جاد أو يجود بها الزمان، قدّم لعلوم العربية وآدابها خدمات معتبرة، وقدّم للفقه الاسلامي وأصول الدين وعلوم الشريعة واللغة العربية أجل الخدمات وأنفعها للبلاد والعباد، ساهم وبكل تفان في المحافظة على مقوّمات الشخصية الوطنية وبكل ما أوتي من قوة وحكمة وبعد نظر، كانت حياته تطبيقا عمليًّا لما يقوم به وينصح، مدرِّسا و مشاركا في الجمعيات الوطنية، وكاتبا في الجرائد، ومحاضرا في النوادي والملتقيات، مدافعا عن اللغة العربية دفاعا مستميتا، وكان في دفاعه عمليا فاعلا جريئا كأشياخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلمائها ودعاتها وبذات الاهتمام وبالتوجه الاصلاحي الهادف، مسخرا جهده ووقته وما يملك لنشر العلم ونفع المتعطشين له، كان يردّدفي مجالسه نص الحديث:{من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا الى الجنة..} 

خاض المعترك العلمي بوفاء ووعي، ووفق الى أبعد الحدود،هذا الشيخ المَعْلمُ لم ننصفه ولم نذكره للأجيال رغم أنه خدم الأجيال 
بمئات المتخرجين من مدرسته{ النجاح} في مطلع الاستقلال وقبله، وكان من الواجب أن نجلو حياة أمثال هؤلاء العباقرة ونجدّد مآثرهم بإزالة الغبار من على آثارهم ، وابراز أعمالهم الخوالد وجعلها فى المتناول للأسف لم نفعل، في هذه العجالة ومن خلال هذه الأوراق المتواضعة جدا، أتشرف بتقديم ا لشيخ عبد الحفيظ ألقاسمي إلى القارئ الكريم عساه يظفربابداعاته، ومخطوطاته، والى ذوي الاختصاص من الدارسين والباحثين ربما يهتـدون الى هذا الانتاج المطوّق، وهم بالطبع أقدر منا على الجمع والغربلة والتمحيص، ولعل طلبته وأصدقاءه وعائلته وكل من يملك فكرا أوقلما مهتما بالأدب يعنيه الأمرويستهويه، ولاشك أنهم سيساهمون في اثراء المعلومات والدراسات المتعلقة بهذه الشخصيّة الفذة الكريمة، وبانتاجه الفكري المحفوظ في تلك الادراج المهجورة، ومن يدريك فلربما{خيرالأمور ماكان معتقا} فمن هو الشيخ عبد الحفيظ القاسمي؟ وما هي أعماله ؟ 

3- يمكن القول وبكل صدق أن الشيخ عبد الحفيظ الموسوعة، وحيد زمانه، وفريد عصره، فهو رجل خبير بالحياة العصرية ومتطلباتها الفكريّة والحضاريّة، غيرمتواكل ولامتقاعس، مكين في القرآن الكريم، وآدابه وعلومه، أخذ من معينه الفيّاض الذي لاينضب،ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة، مايبدّد به ظلام الجهل الدامس المخيّم يومئذ على النفوس الحائرة في ليل استعماري بهيم لايرحم، والذي ازداد توحّشا وتحرّشا، وقطرسة وقهرًا للعلماء والوطنيين، بازدياد الوعي السياسي، وبانفجار حرب التحرير المباركة، في هذ ه الأجواء المدلهمة راح الشيخ المقدام وبكل تواضع وهدوء يجابه بفكره المتوقد، وعلمه الفيّاض، وحركته العلمية التعليمية الدؤوبة، التي لاتعرف الكلل ولا الملل ولاالمداهنة، يجابه تعليما غريبا، وغزوًا فكريَا رهيباَ، وسلوكات استعمارية مغريّة للشباب، ومثبّطة للعزائم، تصدى كأمثاله من العلماء المجاهدين، والوطنيين المخلصين، وأهل الزوايا العلمية المرابطين المصلحين، أقول تصدي لمخططات الاستعمار الثقافيّة الرهيبة،كالطود الأشم، بتعليم عربي اسلامي أصيل، وبكل تواضع وصبر وثبات، خاض المعركة كأمثاله{2} فكان تعليمه جادًا، وارشاده صادقا، وتوجيهات صائبة وارادته قويّة صلبة،و كانت ثقته بنفسه كبيرة، وهذا فى اعتقادنا هو سرّتفرّده بالتوفيق والنجاح، قرّب منه الرجال المخلصين الأتقياء، وتقرّب الى الشباب الواعي، وشجّع الأوفيّاء الفاعلين، وبعث فى جموع وعيهم الوعي و الأمل، وحب الوطن، والتفّ من حوله كبار القوم وساعدوه، وبكل اخلاص وصِدق وقفوا الى جانبه، وتلقي منهم الدعم المادي والمعنوي، ومن قيّادة الثورة في النواحي التابعة للولاية الرابعة والسادسة كل التأييد و الحماية، انطلقت مدرسة النجاح في البيرين ومحيطه تصنع النجاح، أفلا يستحق هذا الجهبذي أن نذكره، ونجدّد ذكراه العطرة، ونحيي أفكاره ونستشف منها ومن جميع مواقفه وابداعاته وأعماله كل الخير؟ ألم يأن للذين عرفوه وتعلموا منه وعنه واستفادوا من مجالسه الممتعة ومن مواقفه الرائعة أن ينصفوه ويعيدوا له على الأقل حضورا فكريا تربويا وثقافيا ليجدّدوا من خلاله ذكريات طيّبة، وبناءات ثقافيّة شامخة، ظلت قائمة في هذه الديار، وفي البيرين بالخصوص، البلد الطيّب والمدينة العامرة المضيافة ، التي احتضنت مشروعه الثقافي، في ظروف صعبة للغاية، وفي أجواء معتمة مشحونة بالمتناقضات، فشرفته وشرفها، وفيها فسح المجال للشباب المتلهف الى الثقافة العربية الاسلامية السيّدة، فانتظموا في مدرسته الحرة التي اخترقت بصحوتها حواجز الاستعمار ومحضوراته، وتحدت 

قوانينه وثقافته،وكان النصر مبينا ،{3} نتساءل لماذا أسدل الستار عن أمثال الشيخ عبد الحفيظ القاسمي وهم كثر؟ من أبعد هم من الذاكرة طوال هذه السنوات؟ أين انتاج الشيخ الفكري الغزير؟ من الصّعب أن نجيب! ومن الانصاف والموضوعيّة أن نقول: لافائدة في تراث محنط {2} والى متي سيظل محفوظا؟لامعنى لمثقف يحتجز ابداعات غيره،أكيد هي من التراث الوطني، قلت هذه الأعمال أم كثرت، أفادت أم لم تفد، فان لم تكن تخدم الحاضر فهي علي الأقل تفيد في المستقبل، ولايمكن أن نغمط الناس حقوقهم، ومن الواجب أن نذكر اسهامات علمائناوأشياخناومن شارك في الحياة الثقافية من بعيد أوقريب، ونذكر بالخصوص الذين ساهموا في فترة من تاريخ امتنا بجهدهم، وبادروا في ظروف حرجة ومتميّزة بالتحدي، ومن المحزن أن يساء الى التراث، ومن المخجل أن لانكترث بذلك الموروث الانساني، فمتي يفرج عن أعمال الشيخ؟ و متي نميط اللثام عن هذه الكنوز النائمة، فالشيخ عبد الحفيط الموسوعة كان فضاء رحبا، وكان محط ّأنظارالمثقفين والعارفين فى وقته، بل كان قبلة لروّاد الحركة الثقافية والفكرية في الجزائر، الأساتذة منهم والجامعيون والدارسون، فقد زاره المفكر الجزائري ” مالك بن نبي ” عام 1967 ومكث عنده اسابيع،وظل يتردّد عليه، وكانت بينهما مراسلات ولقاءات، وتردّد عليه أعضاء من المجلس الاسلامي الأعلى، وعناصر من جمعية العلماء المسلمين، وعلماء أجلة من الأزهر الشريف العاملين ضمن البعثات الثقافية، ومنهم ا لشيخ الشعراوي، وأشياخ الزوايا، وأصحاب الرسائل الجامعية،وشعراء وصحفيون، ومكنهم من الاطلاع على المخطوطات وأمّهات الكتب النادرة ، وهيأ لهم ظروف البحث والدراسة والعمل، وللأسف لم يذكروه.

وجلس فى حلقات العلم وكان متقدما في التحصيل، بل من أنبغ الطلبة وأذكاهم، أخذ على أشياخ الزاويّة وعلمائها من أشراف الهامل خاصة، علوم الشريعة والفقه،وأصول الدين وفقه اللغة وآدابها وكان مقربا من شيخه الأستاذ بن عزوز القاسمي ينوبه في حلقات العلم، ونال اجازات كثيرة، وشهادات …

4- حياته :ولد الشيخ عبد الحفيظ القاسمي عام { 1330هـ 1912 م بالهامل{بوسعادة } عمالة تيطري سابقا{ ولاية المسيلة حاليا} ..والده الشيخ بلقاسم بن محمد بن أخ الشيخ محمد بن بلقاسم مؤسس زاوية الهامل، وقد تولي والده مشيخة الزاوية { 1918 /1928 } وكانت له حلقات علم مشهودة، وله تآليف مخطوطة..أما والدته فتدعي عائشة بنت عبد المؤمن أحد قضاة مليانة،عاش الشيخ مكرما في وسط علمي محترم، يعجّ بألوان المعرفة، وعلوم الدين، وفنون الأدب واللغة،وبيوت مكتظة بآلاف من طلبة القرآن الكريم، وحلقات العلم المختلفة وحظي بتربية خاصة وباهتمام الوالدين الكريمين،حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وجلس فى حلقات العلم وكان متقدما في التحصيل، بل من أنبغ الطلبة وأذكاهم، أخذ على أشياخ الزاويّة وعلمائها من أشراف الهامل خاصة، علوم الشريعة والفقه،وأصول الدين وفقه اللغة وآدابها وكان مقربا من شيخه الأستاذ بن عزوز القاسمي ينوبه في حلقات العلم، ونال اجازات كثيرة، وشهادات علمية من الشيخ الكتاني وغيره، وأصبح من أعلام الزاوية القاسميّة، بله شيخا من مشايخها الكبار، يجله ويقدره الجميع، ، تجدر الاشارة هنا أن زاوية الهامل فتحت أبوابها لطلبة العلم عام 1863 وذاع صيتها يومئذ،قال عنها الشيخ الحفنوي صاحب تأليف الخلف:{ان زاوية الهامل لاتطأطئ رأسها للزيتونة ولا للقرويين} وقال عنها المؤرّخ توفيق المدني في كتابه حياة كفاح: بأنها {معقل العروبة والاسلام} وقال عنها المستشرق جاك بيرك اثناء زيارته للهامل:عام 1964{ ان تاريخ زاوية الهامل يهمّ تاريخ المغرب بأسره…}في هذه البيئة العلمية المعطاء عاش الشيخ عبد الحفيظ ونشأ بين العلماء والطلبة، كان رجلا متواضعا، قصير القامة بدينا وسيما عندما يتكلم كأن الناس على رؤوسهم الطير، ذكيّ قويّ الحافظة طويل الأناة، فصيحا ذا هيبة ووقار، فهو بليغ العبارة، واضح التعبير، دقيق في نقل فكرته، ويحرص على أدائها بلغة فصحى، يملك ذخيرة لغوية غنية، متدفق المشاعر، متوهّج العواطف،مرهف الاحساس،متحمّس للعمل الجماعي،يحترم رأي الجماعة، طيب القلب،أعطاه الله بسطة في الجسم وحسن سمت وجمال،سهل الجانب ،كريم النفس، واسع الائيثار،حسن الألفة والمعاشارة، عالي الهمّة واسع الصدر كثير التحمّل، يجلس الساعات الطوَال في حلقة الدرس ولا يتزحزح،داره ملجأ للطلبة والفقراء، مشرّعة لأهل الفضل ولكبار الجماعة في كرم حاتمي، فقريتنا الوديعة{ البيرين} بَصَمت ْبجليل أعماله ومواقفه الانسانية الملوّنة بشتى صوّر النبل والشهامة،والقدرة على مسايرة قوافل الاصلاح،كانت قراءاته متنوّعة، يتابع الجديد بشغف ويبحث في أمّهات الكتب، يجلس الى تدريس علوم اللغة والفقه والحديث والتفسير، ويلازم الزاويّة رغم انتقاله الى بوسعادة في مطلع الأربعينات،{1947 }كان سياسيا بارعا ومحاورا ذكيا، ولذلك فإنه أصبح رئيسا لجماعة أولاد نايل {جمعية علمية ثقافية}{1} ولعب من خلال هذه الجمعية دورا كبيرا في اصلاح ذات البين، والتكفل بمشاكل ومصالح القبائل الرحل منهم بالخصوص، وكانت العملية نواة لاستقرار البدو وإعادة إدماجهم في الحياة السياسية، يساعده الدكتور لعراف علي بن دياح والذي اصبح بعد الاستقلال مديرا للمعهد النووي والبحث العلمي وبحوزة هذا الرجل وثائق مهمة .

وقد أهلته هذه المهام ليكون من نجوم الحركات الوطنية،عضوا فاعلا في نجم شمال افريفيا، ثم في حزب الشعب، ليلتحق بخلايا الثورة المباركة فيما بعد وإلى جانب ذلك كان يتولى تسييرممتلكات الزاوية ويدير العمليات الفلاحية في الأراضي [الحبوس] التابعة لزاوية الهامل، وكان له نشاط تربوي واجتماعي وسياسي وعلمي فيّاض مع أحد أفراد عائلته يدعى” الحاج عبد القادربن أبي القاسم “الذي أسّس جريدة {الرشاد} عام 1938 وأدارها الشيخ عبد الحفيظ الى أن توقفت قبيل الحرب العالمية الثانية، عبد القادر القاسمي تربطه علاقة عضويّة بجمعيّة العلماء المسلمين، بل هو من الأعضاء المؤسسين، وكان نائبا في البرلمان{1951 }، لذلك تجد الشيخ عبد الحفيظ يتردّد كثيرا على العاصمة{1} كونه هو الآخر،عضوا مؤسسا في جمعية العلماء المسلمين التي تأسست عام 1931 كردّ فعل قويّ وشجاع علي احتفال فرنسا بالذكري الميئوية لاحتلال الجزائرفي1930وهذا قصد اذلال الجزائريين وتركيعهم وقتل روح الثورة فيهم،وكانت غاية الجمعية في إصلاحها تخليص الدين من بعض الشوائب والانحرافات، والمحافظة علي الشخصية الجزائرية العربية المسلمة،وتعليم العربية،وتعميق الوعي في نفوس الشباب، كان الشيخ ينشط في هذا الإطار بقلمه السيّال ويعمل ضمن لجان معارضة، مشكلة ضد قانونالأحوال الشخصية،اذ الطريقة الرحمانية الخلواتية في تكوينها وفي أد بياتها علميّة جهاديّة مناوئة للاستعمار مذ أن وطئت قدماه أرض الوطن،وهي مستمية في الدفاع عن القرآن الكريم واللغة العربية،لذلك فلاريب أن يكون الشيخ هذا الشبل من تلك الأسود المرابطين، فطاحله العلم المجاهدين،هذا و لما تغيرت الأحوال، وهبّت رياح الثورة على المنطقة، كانت الهامل ومحيطها بحكم التضاريس والجبال الوعرة، والغابات الكثيفة، منطلقا للطلائع الأولى للثورة عام 1955، لذلك فان بوسعاد وبحكم موقعها وشهرتها، تهندست فيها أفكار الثورة مبكرا، وتبلورت الأهداف والمطالب، و تسارعت فيها الأحداث، الي درجة أنهااختلطت فيها بعض الأوراق{2} وبلغت المعارك أوجها عام 1958 لهذا فان الشيخ وبالنظر الى علاقته المتميزة، وسمعته الطيبة، ومكانته فى قلوب أهل العلم والاصلاح والخير، أصبح محط اهتمام،ومحل مضايقة ومتابعة،من طرف الحاكم العسكري،وفعلا وجد نفسه ذات خريف على رأس قائمة لستين{60} شخصيّة من أعيان بوسعادة مستهدفة ومطلوبة من الحاكم العسكري، فأشعر من طرف قيادة الجيش فى الولاية السادسة، وكذلك من أحد البشغوات بضرورة الإسراع في تغييرالاقامة، بعيداعن العيون التي باتت ترصده، توجّه الشيخ رفقة عائلته فى خريف عام 1959 الى حاسي بحبح ثم عين وسارة فعين بوسيف ثم الى البيرين، التى وجد فيها الأمن وحسن الاستقبال، فا ختارها دار اقامة ونشاط علمي بعد أن فتح فيها مدرسة “النجاح “، وشرع في تدريس الفقه على المذ هب المالكي، وقواعد اللغة العربية، وفى سكن متواضع جدا،انتظمت حلقات العلم، وكانت بحق 

فضاءات حافلة بجلائل الأعمال،عمليات تربوية تعليمية را ئدة مفتوحة على طلبة العلم، ومن مختلف الأعمار والمستويات، وانطلقت الدروس بصفة رسمية ومعلنة فى الفاتح نوفمبر 1959 
وبعد ان استأنس الطلبة لهذه الحلقات وألفوها، كان لابد من تحديد وتنظيم المستويات، وتبعا لذلك حدث التفويج، طبقة للكبار، وطبقة للصغار، ويتولى الكبار مساعدة الشيخ في تعليم الطبقة الأولى ،وتحضير دروس الطبقة الثانية [ من طرف السباق أو النظار ] 
وللغرض ذاته شكل مجلسًا علميًّا ولجنة للافتاء{ الحاج محمد بن عطاء الله..الامام الشيخ داسه بلخضر – بلقاسم ابراهيمي العلامة – شويحة الدراجي- قدوربوشريط – أحمد الفاطمي – عمراني علي -عمراني محمد الصغير – متقدم الحاج السلامي – خضراوي بن أحمد،دحية لخضر ..الخ..} وتوافد الطلبة من المناطق المجاورة والبعيدة،وتعدّدت الحلقات، وكثرت الحركة،بعدأن ذاع خبر افتتاح المدرسة، وتوسّع مجال التدريس فيها،ولأنه غطي علي كل الأنشطة التي تقوم بها السلطات المحليّة، تضايق الطفيليون أذناب الاستعمار، وتعرّض الشيخ لوشاية، ألزمته طلب ترخيص،اذ توسط له امام المدينة السيد داسه بلخضرلدى القائد فى الموضوع ،يوم 30 -12 – 1959 {3} وكان القائد” قدورمحمدي “من الرجال الأوفياء المتعاونين مع الثورة المحبين لزاوية الهامل، والذي كان له الفضل في استقدام شيخ زاوية الهامل الشيخ {مصطفي القاسمي } وأفراد أسرته الفارين يومئذ من بطش الاستعمار ومضايقاته، وأصبحوا سندا وعونا للشيخ في مشاريعه،وفي عام 1960 تحول الشيخ بمدرسته الى سكن فسيح ، {1} الأمرالذي ساعده على ادخال تعديلات معتبرة على البرامج والمواقيت ، وتنظيم فى المستويات ، { ابتدائي ، متوسط، ثانوي } ولما حدث التغيير، وتوسعت دائرة الطلبة، بشكل سريع، تعددت الاهتمامات،والمطالب، فاستجاب الشيخ لذلك، وشرع في ادخال فنون أخرىجديرة بالتدريس واستعان بالطلبة الكبار، الذين أجازهم، وبأبناء الزاوية الوافدين وشكل{4}منهم مجلسا للاشراف والتسيير والمتابعة..
05 – الفنون التي كانت تدرس : كانت تدرس في المدرسة الزاوية جميع الفنون الشرعيةوالأدبية، وعلوم اللغة والرياضيات – التفسير- الحديث – الفقه المالكي…. 
– البلاغة والعروض والأدب – النحو والصرف – التاريخ والجغرافيا 
– التصوف وعلوم التوحيد – الجبر والهندسة والحساب – السيرة النبوية
وقد جلبت الكتب من تونس والمغرب ، { الأجرومية – ملحة الاعراب 
النحو الواضح – ألفية مالك – قطر الندى – البلاغة الواضحة – متن ابن عاشر – رسالة أبي زيد – متن خليل وشراحه – هذه الجزائر- المطالعة العربية .. 
– تاريخ الجزائر علوم الفلك [ السنوسية والرحبية ] وكتب أخرى الخ……
06 – المنهجية وطرق التناول:كانت الطرق السائدة فى اعتماد الكتب واستعمالها في الزوايا والمدارس الحرة يومئذ، هي طريقة المتون وا لشروح والحواشي،أما فى مجال التدريس فالسائد هو: طريقة المحاضرات، وطريقة التلقين والقياس والتكرار 
وطريقة المحاورة أوالمناظرة،وحيث أن الشيخ سلفي فانه متأثربالمنهج

السلفي و بالطريقة السلفية في التدريس خاصة { الحلقة – جلوس الطلبة والشيخ..و..} بيد أنه كان يحاول التجديد، ويسعى الى تفادي عيوب طرق التلقين، والقياس، والالقاء ،وذلك بادخال فنيات وأساليب الحوار والتدرج من السهل الى الصعب، ومن المعروف الى المجهول، وهو ينتهج أسلوب التكرار، ويرى أن { المكرر أحلى }كمـا يري أن{ الشيئ اذا تكرر تقرر..} وهو يجدد الانتباه، بالمساءلة حينا أو باحالة الطلبة على النص أحيانا أخرى،وهذا لتحديد فكرة، أوتوضيح مسألة، أولضبط معلومة، ويعمل بمبدا التعلم الذاتي،{ذاتية التعلم } والمحاولة والخطأ الى أنه يظل يحتفظ بأسلوب الالقاء، والمحاضرة، ويوظف الطريقة القيّاسية، مع اثارة الاهتمام فى الموضوعات الجديدة { بعث الحيرة التربوية فى نفوس الطلبة } مع الاستعمال المكثف للمكتسبات القبلية { تغذية راجعة } معتمد ا على الذاكرة { الحفظ والاستظهار} وهو شغوف بالبحوث، اذ يلزم طلبته بذلك رغم أن مستواهم لايسمح لهم بذلك، وتجد هم مع ذلك يقرؤون ويطالعون، ويكثرون من الجمع والاقتناء ،ويجبرهم على الحفظ وعلى المذاكرة وأحيانا على المناظرة، كان يرفض أن ينصهر طلبته فى قوالب جاهزة، وأن يروا برؤاه، انماهو يبتهج ويسعد لما يراهم يبدعون، ويجتهدون،ويخالفونه في التمثيل والمنهج ولايمانع،واذا مافعلوا شجعهم وطاب بأعمالهم نفسا، كان شغوفا بالمناقشة الجادة،والمذاكرة والحوار، يميل الى البحث الممنهج ، والتحقيق في المسائل التي تثار، ويرى فى التلقين كبتا للقدرات، وتعطيلا للفكر، ومع ذلك يستعمل التلقين والقياس استعمالا يلازمه الحوار { المساءلة } كان ينظر للأمر فى ضوء حياته السابقة، وحياة أسلافه، فتلمع أمام عينيه حقائق يثيرها بشوق، ويرى أنه فى عرف الذين يزنون الأمور بميزان الأوامر والنواهي اجحافا، وأن الذين يكثرون من سرد التعليمات أويسرفون فى الوعظ والاستطراد إرهاقا للذاكرة وإماتة للابداع،كان اشرافه التربوي عريضا وعلمه واسعا، وحديثه ممتعا ومجالسه لاتمل، يجعلك تطلب المزيد وهو مبحربك فى احد الفنون، وانك لتستجيب تلقائيا لتوجيهاته، اذ يصب عقله كله فى الموضوع، ونفسه فى المسائل محل المعالجة،وهذه وتلك تجعلك تغوص في المسائل، وتذلل صعوباتها بنفسك باذلا مااستطعت من جهد اضافي، اذ قدرته علي الاقناع فائقة، و في التقبل والاستجابة سريعة،وفى النقد والمساءلة مقنعة، انه يشارك الأطراف كلها حتى من خارج حلقة العلم، ويثير لدى الجميع الدافعية والرغبة فى التحصيل، وحسبك أنك تجلس فى الحلقة فتكون فيها عنصرا مشاركا وفاعلا لامتلقيا فقط، وتلزم نفسك على المواظبة والحضور، وتبذل قصارى جهدك لتستفيد وتفيد..{والأرض دون الانسان لاتنبت قمحا } وفيما يلي بيان خطوات الدرس فى الفنون ا لتى كان يدرسها.. التفسير : من العلوم التي يهتم بهاالشيخ اهتماما خاصا في حلقاته تفسيرالقرآن الكريم ، ويكون الوقت عصرا، تدوم الحصة ساعة ونصف ، يستهل الدرس بمقدمة خطبة الرسول [صلى ] “..أمابعد فان أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي..” – يتلو الآيات الكريمات التي يريد تفسيرها ، وأحيانا كل السورة – يشرح معاني الألفاظ والعبارات شرحا وافيا – يذكر بأسباب النزول، ويتناول بعض القصص والأحداث التاريخية- يحدد المقاصد، ويجلي بكل وضوح العبر، ويضرب أمثلة- يستشهد بالحديث الشريف، وسيرة الرسول {صلي } والسلف الصالح، وهذه المحطة تنال حظا أوفر من الدراسة والتوقف – يختم الدرس بالدعاء التالي: “..نفعني الله واياكم.
بقية الفنون: طريقة التدريس فيها لاتختلف، وشبكة الاتصال والتواصل عمودية، وأحيانا تبادلية أفقية، فالطريقة كما بينا تتمثل في الحلقة،حيث يتحلق الطلبة حول الشيخ، فيلقى عليهم الدرس القاء وبعد ان يستمعوا الى سرد المتن، يكون الالقاء متبوعا باسئلة تضيئ جوانب الدرس وتثبت معانيه 1- المجموعة الأولى تتكون من فئة الأجرومية وابن عاشر 2-الفئة الثانية تتكون من فيئة قطر الندىورسالة ابن زيدون القيرواني.3- الفيئة الثالثة تتكون من فيئة الألفية والشيخ خليل ابن اسحاق.، بعد اتمام المقرر يتولى الطلبة بالتناوب سرد الشرح، أحدهم يقرأ قراءة معربة، وبقية الطلبة يستمعون ويتابعون واذا ماأخطا القارئ يتدخلون ويجري بينهم نقاش اثره يتم التذكير بالقاعدة أوالمعلومة وتوظف القاعدة توظيفا حيا،انها عمليات تطبيقية ادماجية تمارس فيها لغة الخطاب بشكل يسمح للطالب اكتساب آلياتها بالدربةوالمران ..

قرب عين وسارة، هناك طعن الزمن سفينته فاصطدمت سيارته بشاحنة متوقفة على حافة الطريق فى وضعية غير قانونية فمات وماتت الزوجة الكريمة أم الطلبة ” السيدة: رابعة” ونجا السائق، كان ذلك على الساعة الخامسة{17 }والنصف مساء من يوم الاثنين 14 رمضان 1390 هجرية الموافق لـ: 24 / 11 / 1969 …

07- اسهامات الشيخ فى الحياة الثقافية: 
نذر الشيخ عبد الحفيظ وقته في البحث عما ينفع الناس، فكان جهده كبيرا واسهاماته كثيرة،حتى وان كان لا يكفي في زماننا الجحود غزارة علم المرءوسعة أفقه مالم يكن له جماعة أو تلاميذ يقفون الى جانبه في حياته ومماته ويعطونه حقه أو على الأقل ينصفونه، وان الاعتراف بالجميل من خصال الأخيار، فهل انصف الشيخَ معارفُه وطلبته ؟ وسبق أن قلنا لم ينصفوه، فما هي اذن اسهامات الشيخ.؟ وما هي أعماله التنويرية ؟وأين هي ؟ باعتبارأن للشيخ نشاط تربوي علمي مشهود وحركة دؤوبة لاتتوقف،فقد ترك بصماته في الوسط، لأن نشاط الشيخ لم يتوقف طيلةحياته، وانه وبصرف النظر عن جلساته الخاصة والعامة، ومختلف الدروس العلمية، واللقاءات التي كان يحضرها، أويدعي الي تأطيرها. فانه كان يشرف على : 
4 -1- المحاضرات : كان يحاضر فى موضوعات تحدد مسبقا ، وخاصة بعد الاستقلال، ويحرص على المشاركة في الملتقيات وتشهد له بذلك أبحاثه القيمية ومداخلاته المستنيرة، كان محل اكبار وتقدير واجلال من الجميع، وللشيخ ولع شديد بجمع النوادروالأخبار. 
4-2- الحفلات : كان يشرف على تنظيم الحفلات، يركز فيها على احياءالأعياد الدينيةوالموسمية وسهرات رمضان ، هذه عند الشيخ مشهودة ،وتنظيمها يكتسي طابعا خاصا، من حيث الدروس، والمحاضرات،ويقحم طلبته فيها بعروض ومداخلات ووفاته كان سببها العجلة للعودة من مدينة الجلفة قبيل المغرب وهذا لحضور حفل مبرمج فى المسجد العتيق في البيرين..
4-3- المسرح : ان اهتمام الشيخ بالعمل المسرحي كان اهتماما ملحوظ ومدروسا، اذ يعتبرالمسرح مدرسة قائمة بذاتها، ويرى ثقافة الفرجة بصفة عامة محركة للوعي، بل هي الوعي ذاته.
4-4- الزيارات والرحلات : يتجوّل الشيخ مع طلبته كثيرا، ويري فى ذلك فوائد كثيرة، تبعا لقول الشاعر. “..سافر ففى الأسفار.الخ ..” ولذلك تجده يبرمج الأسفار والزيارات ويحضّرلها تحضيرا ماديًا ونفسيًّا، والرحلة ليست للرحلة كما يقول:ولكنها دروس واختبارات وبحث علمي واكتشاب، واذ ماعاد الطلبة من رحلتهم عادوا ومعهم ذخيرمة من الكتب والمعارف، وقد رحل الى كثير من المدن والبلدان المجاورة رغبة منه في الاطلاع وتوسيع دائرة معارفه العلمية عن طريق الاحتكاك ولقاءات الأفاضل.. 08- أعمال الشيخ الفكرية وآثاره : 
8-1 الشيخ الكاتب : يوم أن كان الناس يجهلون أهمية التدوين والتوثيق. قام الشيخ بتدوين الكثير من الأعمال الأدبية والعلمية اذ يعودالفضل له في حفظ وتدوين أعمال القاسميين الابداعية والبحثية والتصوفية قي الزاوية القاسمية، ولولاه لضاعت معظم آثار المشايخ فى الزاوية، كان أسلوبه الكتابي متميزا جدا وراقيا وحديثه يتجاوز الذاتية الضيقة، تتفجرفي نفسه ينابيع القوة، كانت لغته متجنحة متألقة متدفقة يحلق في أفق الخيال بأجنحة مرهفة، له مقالات أدبية وفكرية رائعة،ذات بعد انساني وتربوي كتب فى جريدة ” المحافظة ” المحلية، والتي أصبحت تحمل العنوان ” الروح ” عام 1948وكتب في جريدة {الرشاد} أجمل المقالات، وهي جريدة اسسها الحاج عبد القادر قاسمي، وانتظم معه في جمعية {السنة }و حقق فى موضوعات فقهية جديرة بالاهتمام،تتعلق بالمعاملات وأحوال الأسرة ولغوية ركز فيها على الاعراب، والاشتقاق وتاريخية تحدث فيهاومن خلالها على العروش، والقبائل ، ومقاومة الاستعمار الفرنسي وعن الثورة وبعض الأحداث فيها ، وله مراسلات كثيرة، واخوانيات، وسيرة ذاتية محفوظة، ذكرفيها مقابلاته لشخصيات بارزةعربية وأجنبية، وتحدّث عن بعض الانشغالات العائلية،ويتعجّب من محاولة الاطاحة بالوليّة الصالحة {لا لا زينب بنت الشيخ محمد بلقاسم }مؤسّس الزاوية الهاملية ، ومالقيت من معارضة من طرف بعض أفرادالعائلة، وتحيز أطراف القضاء والادارة الفرنسيّة لصالح أطراف ومنعها من الحركة ،الشيخ يذكر القصّة بمرارة لكنه يتباهي بصمودالسيدة زينب ، ويسجل رحلاته الى الزيبان وجامعة، ومناطق أخري من الوطن، وكانت رحلته الى بيت الله الحرام بداية لعهد جديد، يقول :انه اكتشف من خلالها أشياء لم يكن يعرفها.تمتاز كتاباته بالأسلوب العلمي الرصين وهو كثير التدقيق في المسائل وتأصيلها،فيتبع المسألة جلدا وقراءة ويشارك الطلبة والفقهاء .
8-2- الشيخ الخطيب: وهو خطيب مفوه، له الكثير من الأعمال، كخطب الأعياد والمناسبات، واللقاءات خاصة بعد الاستقلال. 8-3- الشيخ الشاعر : وله مايربو على الفين ومئتين وخمسة وثمانين بيتا من الشعر{2285 } فى مختلف الأغراض، وأهم أشعاره ما اشتمل عليها ديوانه المسمى “..شذي الياسمين ..فى ماقيل فى القاسميين..” وشعره تقليدي يميل الى النظم، ويهتم بالشعر الشعبي كثيرا ويعتبره فضاء أدبيا متميزا،يعبر عن مشاعر محبيه، وهو أقرب الي فهوم العامة وأنسب.
8-4- الشيخ الجمّاع : يهتم الشيخ بالادب الشعبي، الذي استرجع دوره الاعلامي التحريضي في الثورة ويهتم بالطرائف والألغاز والحكم والقصص الشعبية، وله كراسات جمع فيها مايزيد على {12 الف } بيت من الشعر الملحون، لأكبر الشعراء وأغزرهم انتاجا، وفى جميع ألأغراض أكثرهذه الأشعار مدائح ومراثي، وأعجبت كثيرا بكراسة كبيرة صنفها على منوال كتاب ” المستطرف } لاأدري ان كانت ماتزال محفوظة . 8- 5- الشيخ يكتب المقالات :وقد حاول الشيخ انشاء مجلة وأطلق عليها اسم ” الجيل الصاعد” جمع فيها مقالات ودراسات وأعمال فنية مختلفة،وكنت أنا المشرف على جمع مادتها، وللأسف لانعلم أين ذهبت تلك الأعمال.؟ وله أعمال منشورة في جرائد محلية ووطنية.
8-6- الشيخ المجاهد : شارك فى الثورة بشجاعة وبكل صدق، وتعرض لمضايقات كثيرة، وكان قائد فرقة الدرك الفرنسي يحضر الى منزله ويمده بكل الأسرار، ليعمل على تبليقها الى عناصرفي جيش وجبهة التحرير الوطني، وكان على اتصال بقيادة الجيش،التي عينته قاضيا أثناء الثورة وعشية الاستقلال.
.8-7- الشيخ رئيس لجنة التربية والتعليم : حدث هذا بعد توقيف القتال مباشرة حيث بادر الشيخ بتعويض هيئة التدريس وهذا بتشكيل لجنة للتربية والتعليم، عناصرها : {عوج بنمالك ، قاسمي محمد الصغير، لمين عبدالرحيم، رحماني محمد ،عمراني مصطفي ،غويني بلقاسم ،الخ…} اشرفت على انهاء السنة الدراسية {61/62 } وحضرت للموسم الموالي {62/63 } وتولي التدريس طلبة الشيخ وبعض المجاهدين المفرج عنهم من سجون فرنسا ..{..لمين عبد الرحيم ، قاسمي يحي ،محمد الصغير داسه ، العيد عوج ، محمد ابراهيمي ، رحماني علي ، الخ..}
09- الشيخ وحركة الاصلاح : للشيخ علاقة طيبة جدا مع أعضاء في جمعية العلماء المسلمين، وهو متأثر بالحركة البادسية خاصة، وبالفكر الاصلاحي في المشرق عامة، لذلك فتوجيهاته وآراؤه فى الاصلاح مستمدة فى الغالب من برنامج جمعية العلماء، يهتم بمطالبهم وأفكارهم المنشورة فى جرائدهم، مثل الشهاب وغيره، وباعمال الشيخ البشير الابراهيمي الفكرية خاصة التي جمعت فى كتاب{ عيون البصائر } وهو وان كان من أبناء الزاوية بل من شيوخها الا أنه أكثر المشايخ وعيا وتفتحا على المحيط الثقافي والاجتماعي والسياسي، وله آراء واضحة فى المجال الاصلاحي، وقودها التغيير، ومحاربة البدع والخرافات والكسل والخمول، وهو يرفض التواكل وينبذالعنف، ويحترم الآخرين مهما كانت اتجاهاتهم وآرؤهم وينصفهم، ولايرفض أحدا ، وهو يسعى الى تهذيب السلوك والذوق الرفيع, وترقيّة أفكار الشباب وتحديثها عن طريق الحوار وعصرنة الحياة بالتفتح على الثقافات العالمية، ولكنه يحذر بقوة من التغريب، والذوبان فى ثقافة وفكرالآخر، ومن التخلى عن الثقافة الاسلامية وعن التقاليد الوطنية والعادات الطيبة التي لاتتنافي مع قيمناالعربية الاسلامية.
09 – مشاريع الشيخ: وهي فى الميدان الثقافي كثيرة ، وقد اشرنا الى بعضها، أما فى ميدان العمران فهي: 
9-1- مشروع بناء المدرسة: فكر فى الموضع، وخامرته الفكرة ، ولما تزايد عدد الطلبة اهتدي الى حل تمثل فى شراء مساحة كبيرة تابعة لسكن قديم، وشرع فى العمل ، لكن الموت لم يمهله، فتوقف المشروع بتوقف أنفاس الشيخ الطاهرة وضاع الحلم 9-2- مشروع بناء المسجد: وظلت الفكرة تراوده ،وقد اختار المكان بنفسه ،ذاك الذي شيّد فيه المسجد الكبير الحالي، وسط ساحة أول نوفمبر، ظل يثير الموضوع فى مجالسه، وكعادته يزرع الفكرة ويتعهده بالمتابعة، ويترك أهل الخير يبادرون، وفعلا فان جماعة البيرين طيّب الله ثراهم ،حققوا الحلم، وأطلقوا اسم الشيخ على المسجد الكبيربعد انجازه، عام 1987 فى حفل بهيج حضره الحاج خليل شيخ زاوية الهامل يومئذ،وأقطاب من العلماء وأشياخ الزوايا وأعضاء في المجلس الاسلامي الأعلي، ووالي ولاية الجلفة ..واطارت وزارة الشوؤن الدينية.. 10- حادث المرور ووفاة الشيخ: كان الشيخ عائدا من الجلفة،يستحث الخطي لحضور حفل مقام فى المسجد العتيق، بالبيرين، بمناسبة احياء ليالي رمضان، والحفل مبرمج من طرف الشيخ نفسه، ضمن سلسلة من المحاضرات والدروس، وكان مدعوا لتناول الفطور عند شيخه ” بن عزوز القاسمي ” بعين وسارة ، ترافقه زوجته ، وكانت مريضة، وعلى الطريق الوطني رقم واحد فى مكان يدعي” بوسدراية” قرب عين وسارة، هناك طعن الزمن سفينته فاصطدمت سيارته بشاحنة متوقفة على حافة الطريق فى وضعية غير قانونية فمات وماتت الزوجة الكريمة أم الطلبة ” السيدة: رابعة” ونجا السائق، كان ذلك على الساعة الخامسة{17 }والنصف مساء من يوم الاثنين 14 رمضان 1390 هجرية الموافق لـ: 24 / 11 / 1969 . وبات فى المسجد العتيق بعين وسارة جثة هامدة مع زوجته،نزل الخبر الصاعقة على سكان البيرين والمدن المجاورة في ليلة لن ينساها التاريخ،فهب الكبار والصغار لالقاء نظرة الوداع عليه، ودفن.فى الهامل، فى موكب جنائزي مهيب قل نظيره..وقام يؤبنه حشد من الشعراء والأدباء ومن بينهم الشيخ الأزهاري القاسمي ابن الشيخ المكي، قال في قصيدته: {كفى اسفا كفى كمدا وحزنا*غيابك ياوحيد العصر عنا مصاب لايقاس به مصاب** ورزء هدّ ركن الصبر منا أصخت بسمعي والليل داج ** لنعيك ليتني لم أصخ أذنا لتبكيك المروءة يوم فقد**اذا هي لم تجد كفؤاوحصنا وتبكيك العلوم فأنت **فقيد في مجال العلم قرنا } 
وقال الشاعر الشعبي اخذري علي من قصر الشلالة: {سِي لزَهَاري ياابني لازم تصبر*ياثمرة فلاج بحبح رد البال شيخ التلاميذ للدرس يعبّر* وافترقوا في يوم وفاة همال ياحصراه عمارة البر تودّر* دَرْق ذاتو والسماء باقي خيال احزن يا برين دائم والتفكر* حزنك جائز في الشرع ماه محال ياخزانة شوفتي مفتاحك مُر* ماهو بالصنعة ولايشروه بمال } 
11- المدرسة بعدالشيخ : وبعد الوفاة ، بدت المدرسة وكأنها متعبة حزينة تعاني من الناحية المادية والمعنوية تئن تحت وطأة الفراغ المهول الذي تركه الشيخ، نهبت مكتبتها وتوزعت شذر مذر. { مدارس آيات خلت من تلاوة ** ومنزل وحي مقفر العرصات ..} دعبل الخزاعي ولذلك راحت المدرسة تتعثر،رغم الجهد المعتبر الذي بذله الشيخ الكريم محمد بلقاسم القاسمي ابن الشيخ بن عزوز، وفاء منه لخاله،اذ تولي الاشرا ف على إدارة المدرسة، برجاء من جماعة البيرين وبمساعدة طلبة الشيخ {بن الطاهر الحاج- محمد الصغير داسه.- العيد عوج ، مصطفي بن عطاء الله ، عمراني مصطفي، البشيربن عطاء الله ، مجاهدي بلقاسم ،،قاسمي أحمد ،دحية بلال ، عوج رابح ،عامر بن عطاء الله ، خضراوي حسن.. الخ } وقد استعادت عافيتها وبدأت تخطو خطوات ثابتتة ميسرة لتتوقف نهائيا عام 1975اثر صدور المرسوم المتعلق بالغاء التعليم الأصلي والتعليم في المدارس الحرة، وتوحيد التعليم {1}أوصدت المدرسةأبوابها في موفي شهر نوفمب 12 – الطلبة والأساتذة : أدمج جميع الطلبة فى التعليم
المتوسط والثانوي، وألحق الأساتذة بالوظيفة العمومية، وحتى الأساتذة الشرقيين،استفادوا من الاجراء. 13 – الخلاصة : كان الشيخ عبد الحفيظ يعمل بذكاء وفي صمت وهدوء، ليتجنب المضايقات الاستعمارية، وقد امتاز تفكيره بلون من الاهتمام بالعمل السياسي الراقي، وكان صمت الجوّ وقمع الحريات، ينقل الأصداء والمشاعر ويوطنها فى النفوس المتوثبة، ثم يترجمها الى أفعال فى شيء من الحساسية والثبات، ويكسوها هذا الثوب الألق، جهادا طريا، لاتخالطه قسوة ولانشوة، وانما دعوة صادقة الى الجها د، الي مناصرة الثورة المقدسة، وطلب العون المعنوي لها ثم المادي .

يتردّد الضابط ” الطيب ” من فرقة الدرك الفرنسي على المدرسة ، وفى الزيارة يكون الحديث “..المغمض العينين ..” وباللمحة الخاطفة تقنعهما الكلمات السريعة، ويقضي الله أمرا كان مفعولا ،
وتتجدّد اللقاءا ت بتجدّد المستجدات، وتنضج خميرة الحياة السيّاسية ، فى صفوف الطلبة، ويشاركون في مظاهرات 11- 12 – 1961. وتكون المدرسة قد أوعزت الى طلبتها بتنظيم الصفوف، والتجمهر
قبالة الثكنات، وقد انطلقوا كالمارد يحملون الأعلام الوطنية ، ويهتفون بحياة الوطن،ومن ذا الذي يتجرأ فى هذه الأجواء على
حمل الراية، أوالهتاف بحياة الوطن،ولم يتوقف نشاط الشيخ الاصلاحي والجهادي بعد الاستقلال، بل كان له حضور متميزفي جميع مجالات الحياة ،ولقد توسعت المدرسة في عام 1962 
وفي عام 1963أدخلت على هياكله ترتيبات بيداغوجية جديدة ، محلات مجهزة، وبرامج حديثة، وكتب عصرية، ومستويات أكثر تنظيم{ ابتدائي – متوسط – ثانوي } وذاع صيتهاوحضر الطلبة من كل حدب وصوب، من جميع الولايات تقريبا، واستعان بأساتذة مصريين وفلسطنيين، وسوريين، وساعده فى التسيير طلبته الذين وظفوا فى المدرسة ، واطارات من وزارة التربية وكانت للمدرسة مرافق أهمها مكتبة زاخرة بالكتب النادرة ، والسندات البيداغوجة، والوسائل العلمية،ونظرا لتزايد عدد الطلبة ، واكتظاظ الحجرات بالدارسين، فتح الشيخ ملحقات في كل من { عين بوسيف، شلالة العذاورة، عين وسارة..} كان الطلبة يتفكهون بقولهم من،دخل مدرسة النجاح فهو آمن، أي فهو ناجح،وفعلا فجل الناجحين فى امتحان التوظيف، على مستوي ولاية التيطري وخاصة وظيفة معلم هم من مدرسة النجاح بالبيرين، وقد بلغ عدد المتخرجين من المدرسة أزيد من{ 1200 متخرج ،والشيخ لم يخلف أولادا وإ نما خلف طلبة، كان يذكرهم ويعتز بذكرهم كثيرا ، وكانوا يذكرونه فى مجالسهم،كمثل يقتدي،ونجم ببريق أنواره يهتدى، تغمده الله برحمته وطيب ثراه وجزاه الله عنا كل خير ، وجعل عملنا هذا خالصا لوجه الله الكريم… 

بقلم محمد الصغير داسة /// مجلة أصوات الشمال

العالم العلّامة الشيخ سي عطية مسعودي مفتي أولاد نائل

هو الشيخ الكامل و الإمام العارف الفاضل عطية ابن مصطفى مسعودي الإدريسي الحسني ( نسبة إلى إدريس الأكبر و إلي الحسن السبط ) ابن على بن أبي طالب كرم الله وجهه و هو من قبيلة أولاد نائل .
ولد بالبادية قرب زاوية الجلالية على مشارف مدينة الجلفة سنة 1900 م ، من أسرة كريمة عريقة في المجد، و نشأ نشأة صالحة في عائلته بين أبيه و إخوته.
ختم القرآن الكريم و حفظه و عمره لا يتجاوز تسع سنوات على يد أخيه الأكبر العلامة سي الهادي، أستاذ الزاوية المذكورة، وأخذ عنه بعض المبادئ في العلوم الدينية ثم إنتقل إلى زاوية الشيخ عبد القادر بن مصطفى طاهري مؤسس زاوية الزنينة (الإدريسية حاليا) و درس عنده علم التوحيد و الفقه .

اتصل به الشيخ نعيم النعيمي و لزمه سبع سنوات كانت كلها دراسة و بحثا في علوم الشريعة الإسلامية و قد كانت فترة ذهبية للتزود بالمعرفة . 

سياحته

دفعته رغبته في طلب العلم إلى السفر إلى مختلف جهات القطر الجزائري حيث درس في زوايا بلاد القبائل وقرر الذهاب إلى جامع الزيتونة بيد أن ظروف الحرب منعته من ذلك .

ثم عاد إلى العاصمة و درس عند العلامة عبد الحليم بن سماية مفتي العاصمة في العشرينيات ( أحد تلاميذ الشيخ محمد عبده) الذي كان يتجوّل يوميا بين أحياء العاصمة ممتطيا فرسه لإلقاء دروس في فنون مختلفة على الطلاب في مساجد العاصمة، فكان الشيخ عطية مسعودي من بين أولائك الطلبة الذين يحضرون تلك الدروس.

مكث أكثر من سبع سنوات عند عائلة سيدي محي الدين أولاد الباي حيث كان يذكرها دائما بكرم الضيافة و حسن الرعاية ، و انتقل إلى زاوية الشيخ عبد القادر الحمامي و درس بها . و اجتمع بالعالم الأصولي الشيخ بن اشيط

أثناء رجوعه إلى مدينة الجلفة توقف بالبليدة ليحضر دروس الشيخ الفقيه سيدي محمد بن جلول حيث تعلم منه الكثير .

تولّى التدريس بالمدرسة الحرة الوحيدة بمدينة الجلفة التابعة لجمعية العلماء المسلمين بتاريخ افتتاحها سنة 1943م، و حضر له بعض الدروس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، و قد أُعجب الشيخ الإمام أيّما إعجاب بأدب و ذكاء أستاذنا حيث التمس منه أن يقترح له عنوان المحاضرة التي يريد إلقاءها على مسامع الجمهور الحاضر ، فاقترح أستاذنا على الشيخ الإمام قول الله تبارك و تعالى “واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا” فقال له الشيخ بن باديس : بورك في اختيارك لهذه الآية الكريمة. 

عين إمام خطيبا بالمسجد الكبير بالجلفة و أسند له بعض المجاهدين في جيش التحرير الإفتاء و القضاء بين الناس في تلك الفترة ( إبان الثورة التحريرية ) و استمر في القضاء حتى الفترة الانتقالية لتشكيلة الحكومة .

مراسلاته

كانت له اتصالات و مراسلات مستمرة مع شيوخ الزوايا و العلماء منهم من لحق بالرفيق الأعلى و منهم من ينعم بالصحة و هؤلاء منهم :الشيخ سيدي المختار بن علي حسني بوشندوقة الحمدي الذي كان قاضيا بمدينة البيض، و الشيخ بلكبير بأدرار و الشيخ بيوض ( شيخ المذهب الإباضي ) و الشيخ عبد القادر عثماني بزاوية طولقة و شيخ زاوية الهامل و الشيخ الطاهر العبيدي (الذي أجاز الشيخ سي عطية لما زار مدينة الجلفة) و شيوخ الزاوية التيجانية و الشيخ الصالح ابن عتيق و ابن أشبط و الشيخ الرابحي مفتي مدينة البليدة و الشيخ الزبير بالبليدة أيضا و الشيخ سي أحمد الخطابي و بعض علماء باكستان و الأزهر الشريف و العراق .

وقد استشهد به الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في عدة محاضرات .

توفي أسبغ الله عليه رضاه يوم الأربعاء بعد صلاة الفجر لسنة 1989 م يوم 27 من شهر سبتمبر ، و ترك وراءه مكتبته الخاصة و التي تحتوي أكثر من ألف عنوان، ومن عينات شعره ديوانه قصيدة “الأخبار المذاعة في أشراط الساعة” و كذا “القصيدة المزدوجة” في علم الكلام أي فن التوحيد، و قصيدة “نصيحة الشباب و حلية الآداب ” التي تحوي نصائح عالية و توجيهات غالية… وبعض المؤلفات التي ستطبع مستقبلا منها : – باقات من الشعر – مجموعة أحاديث نبوية و بعض المخطوطات – فتاوى شرعية في فقه المالكية ..الخ.

الكلام المختصر في حياة الشيخ الأغر سي عامر محفوظي رحمه الله (1930 – 2009).

تعريف:

هو عامر محفوظي بن المبروك بن مزوز المحفوظ بن أحمد الملخوي النائلي العربي نسبًا، الجزائري موطنًا، الجلفاوي سكنًا، السُّني المالكي عقيدة ومذهبًا، كان ميلاده خلال 1930 بفيض البطمة، وهو من هذه المنطقة هو وأهله.

 إخوته: أحمد وعلي والخليفة، وأخت شقيقة، وثلاث لسن شقيقات، والحي: علي فقط، والذكور كلهم يحفظون القرآن الكريم.

 أولاده: خمس بنات، تُوفِّين صغيرات، أصيب فيهن بمقتل، فمن يصبر صبره، وذكَران توفي أحدهما، وهو عمر، وما زال أحدهما على قيد الحياة، نسأل الله له طول العمر وحُسن العمل، وهو الشيخ الأستاذ عبدالكريم يعمل مديرًا في قطاع التعليم.

 تعلُّمه وتربيته: كانت الأُسر الجزائرية القارئة تتولى التربية والتعليم لأبنائها، ومنها أسرة شيخنا؛ فقد كان أبوه حافظًا لكتاب الله تعالى، يحفِّظه لولده خلال حياته اليومية، وهو مَن رباه وعلَّمه القرآن الكريم وعلوم العربية ومبادئها، حتى توفي والده الكريم سنة 1946.. لما وصل شيخنا سي عامر سورة يس وعَى وعرف أنه يقرأ ويحفظ القرآن الكريم؛ أي: إنه قبل وصوله إلى هذه المرحلة كان يلعب مع أترابه، ويعيش حياته طفلاً، ويحفظ بشكل روتيني دون وعي بأهمية ما يفعل من القراءة والحفظ، وقد يكون في عمر الخامسة، كونه بدأ التهجد بالناس والتراويح في سن التاسعة، في منطقة طاقين بقصر الشلالة لما وصل أبوه إلى تلك المناطق؛ حيث كانت الأسرة الكريمة من البدو الرحالة، فصلى بالناس إمامًا، وهكذا كان أبناء المسلمين والجزائريين يضطلعون بالمسؤولية العظيمة، ويتدرَّبون عليها صِغارًا.

 ودرس أشهرًا بالزاوية الطاهرية بنواحي الجنوب من الجلفة، وكذا بزاوية الهامل، ولكنه لم يبقَ بهما إلا قليلاً، كونه ملازمًا أباه في عيشة الترحال البدوية، وكان من تحمله مسؤولية إعانة والده على تحمل أعباء الحياة الأسرية أنه كان ينتقل وحده ماشيًا وهو في عمر الحادية عشرة 11 من منطقة طاقين إلى بلدة فيض البطمة، وهي مسافة بعيدة حوالي 200 كم مائتي كيلومتر، ليحضر المؤونة من قمح وشعير، طعامًا لأهله، بسبب سوء الحال الذي تسببت فيه فرنسا الاستعمارية الكافرة، وكذلك الوضع العالمي السيئ نتيجة الحرب العالمية الثانية، التي أقحمت فرنسا فيها مستعمراتها، وخاصة الجزائريين، ووعدتهم بنيل الحرية إن تجندوا في صفوف جيشها لرد الألمان عنها، فكان جزاء الجزائريين بعد تحرر فرنسا جزاءَ سنمار، فأخلفت وعدها، وقتلت أكثر من 45000 خمسة وأربعين ألف جزائري في ثلاثة أيام بعد خروجهم في مناطق كثيرة، منها: قالمة، وخراطة، وسطيف في الجزائر، مطالبين بالحرية والوفاء بالوعد، وكان أن انتشرت المجاعة والأمراض، وصار الناس يموتون في الشوارع والأزقة ولا يجدون حتى من يدفن الموتى، ولم يجدوا حتى الأكفان، فضلاً عن الضروريات من العيش، فأكلوا الجِيف والنباتات، وأوراق الأشجار… وسمَّوا تلك السنوات بالمزغبة/المسغبة؛ أي: المجاعة، والتيفوس وهو اسم أعجمي لوباء انتشر وقتل الناس جماعات وفرادى، وعام الدشيشة، وهي القمح المهروس المطبوخ، ولم يكن قمحًا في الحقيقة، بل قشور القمح فقط، تطبخها بعض الجمعيات الفرنسية المنصِّرة التابعة للجهات المشبوهة – كالكنائس وغيرها – وتطعمها للجياع بدون إدام بماء فقط، فلا تُسمِنهم ولا تغنيهم من جوع، بل تتسبب في موتهم، وكانت تسجل توثيقًا، كل قبيلة في أرضها، ولا يجوز في عرف فرنسا أن تأخذ المؤونة أي أسرة أو قبيلة أو فرد منها من منطقة أخرى؛ لذلك كان يرحل الشيخ سي عامر الطفل كل هذه المسافة، ويأمُره والده بحمل اللوح الذي كتب فيه حزبًا أو حزبين جزءًا من القرآن الكريم، وعليه أن يعرضه على الوالد من ذاكرته حين عودته، وتزوده والدته بخبزتين، خبز شعير أو حنطة لا أكثر، فيعود وقد حمل المؤونة وحفِظ الجزء من القرآن الكريم.

 استقراره:

في نهاية الأربعينيات 1947، سكن الجلفة في حي الظل الجميل، ثم حي بيروعرب (منطقة خاصة للعرب سكنًا، بحيث يمكن حراستهم وحصارهم من فرنسا، وكلمة بيرو معناها: المكتب الإداري الفرنسي المشرف على مراقبة العرب).

 وقد تزوج من حاسي بحبح السيدة فيطس فاطنة رحمها الله، وكان منذ ذلك التاريخ ملازمًا للشيخ الفقيه المعلم المالكي المذهب الرحماني التصوف، فحل الصحراء، وسيد العلم في بني نائل وما جاورهم من القبائل، الشيخ: سي عطية مسعودي رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

 وأقول: قد كنت أجلس مجالس مع الصالحين من الكبار والمثقفين في مناطق من الجنوب في الأغواط وغرداية وغيرها، فإذا علِموا أني من الجلفة ذكروا نكتًا وطرائفَ في الفتوى والفقه والدعوة والإرشاد ينسبونها حقيقة بسند إلى الشيخ سي عطية، يعرفونها ويروونها، وأنا لا أعرفها، مما دل على سعة اشتهار سمعته الطيبة، ولا يذكرون الشيخ سي عطية إلا وذكروا معه الشيخ سي عامر محفوظي رحمه الله تعالى، بنفس الإعجاب والمدح..

 يعمل بالمسجد جامع الجمعة كل أعمال المسجد؛ فهو المؤذن والقيم، فينظف المسجد، ويقوم بتسخين الماء لمن يتوضأ، ويؤذِّن، ثم بعد الصلاة ينبري لتعليم القرآن الكريم، فكان بهذا قيِّمًا ومؤذِّنًا ومعلِّمًا وإمامًا ومدرِّسًا بتواضع ونشاط ورغبة تظهر زهده وعلمه وحِلمه، حتى لبى دعوة الإمام سي عطية مسعودي مساعدًا له بالمسجد.

 سي عامر المعلم:

في بدايات الاستقلال 1963، التحق بقطاع التعليم ممرِّنًا في مدرسة الإخلاص إلى 1967، فأخذ منهجية التعليم الحديث تطبيقًا، وتفتح على الجديد في طرق التعليم ونظامه ومناهجه في كل المواد، وكيفية التواصل مع باقي المعلمين والنظام الإداري، وكيفية التسيير، وكيفية التواصل مع التلاميذ وأوليائهم، مما كان مختلفًا تمامًا مع نظام الكتاتيب والزوايا، فازداد تفتحًا، وتفتقت ملكاته وذاكرته ومنهجيته، واستغل هذه الخبرة بعد ذلك في تدريسه في معهد الأصالة للتعليم الأصلي بالجلفة، وكذا بمعهد المعلمين متعاونًا، كان معلمًا نصوحًا ذكيًّا سياسيًّا، يحتوي كل أطياف المجتمع صغارًا وكبارًا وإن خالفوه، فقد علم بالمسجد وبالمعهد التكنولوجي للمعلمين سنتين أو أكثر 1982، 1983، وبالمعهد الأصلي: اللغة العربية، والفرائض، والتربية الإسلامية، وبمدرسة الإخلاص، فلم يُذكَر بسوء أبدًا، وعلَّم الفقه في كثير من الأحيان لشباب المساجد من طلبة الثانوي والجامعة في أواخر السبعينيات إلى أوائل الثمانينيات، واحتوى الجميع، وكان محاورًا بارعًا، وداعية راشدًا مرشدًا.

 في قطاع الشؤون الدينية والأوقاف:

أعاد الشيخ الإمام سي عطية مسعودي إمام جامع الجمعة دعوته للشيخ سي عامر سنة 1967 ليكون مساعدًا له، وكان قد نال الرضا بإجازة مكتوبة من الشيخ نعيم النعيمي النائلي عضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بإمكانية قبوله في قطاع التربية والتعليم، وتوافق ذلك مع وقت استقالته من التعليم والتحاقه بقطاع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف مساعدًا بالمسجد الجامع مع الشيخ سي عطية مسعودي، وعين سنة 1974 مرشدًا ومدرسًا في بعثة الحج، وتقلد سنة 1975 مهامَّ المسجد كإمام ممتاز وقائم بدرس الجمعة والخُطبة والتراويح والفتوى الشفاهية والكتابية على مستوى الولاية، وكان الناس يأتونه من أماكن بعيدة، بل وتأتيه الاستفتاءات من مناطق في أوروبا، ويجيب عنها بروية وحُسن فقه وعلم، وقد تصدى للفتوى بإذن معلمه ورفيقه الشيخ سي عطية مسعودي رحمه الله تعالى بتزكية وإجازة مكتوبة (نسخة مصورة في آخر العرض)، كل ذلك ظهر جليًّا بعد عجز الشيخ سي عطية وإذنه، ونال التعيين في تلك الرتب بعد فوزه في مسابقة الأئمة سنة 1972، وكان الأول على مستوى ولاية التيطري، ونال شَهادة معادلة لليسانس في علوم الشريعة، كما اختير رئيسًا للمجلس العلمي لولاية الجلفة سنة 1991، ثم كلف بنظارة الشؤون الدينية بولاية الجلفة سنة 1993، إلى أن عاد إلى المسجد، ثم طلب الإحالة على التقاعد سنة 1996، وبقي في المسجد يؤدي وظائفه تطوعًا إلى أن مرض ولقي ربه إن شاء الله راضيًا مرضيًّا.

 سيرته وعلمه وفقهه وزهده:

كان طيب السريرة إن شاء الله، وطيب السيرة، فطاب رحمه الله تعالى حيًّا، وطاب ميتًا، مِن سيرته روى لي ثقات أنه كان في كثير من فصول الشتاء يذهب إلى حانوت، دكان يبيع الجلاليب القشاشيب، فيشتري كميات ويذهب إلى ديار يعرف أن أهلها فقراء، ويوزعها عليهم، من ماله، بل وكذا كان يشتري البطاطين والأغطية ويوزعها ويؤتيها الفقراء، وكان متصوفًا رحمانيًّا معتدلاً، لم يعرف بالبدع أو الخرافات، وكان رجلاً قرآنيًّا لا يترك قراءة القرآن الكريم حتى في أحلك الظروف وأشدها؛ فقد كان في مرضه الذي مات فيه لا يفتأ يقرأ القرآن حتى وافاه الأجل على تلك الحال، وكان رحمه الله مفتيًا فقيهًا حاذقًا ذكيًّا مالكيًّا دون تعصب؛ فقد استفتاه بعضهم عن جواز لُبس الحذاء المصنوع من جلد الخنزير المستورد، فرد السائل قائلاً: عُدْ إليَّ بعد أيام، ثم بحث في المسألة وذهب من غده إلى التاجر السائل قائلاً: (أعطني حذاء مقاس 44 من النوع الذي استفتيتني فيه)، وكان رحمه الله تعالى يَقِيل ويستريح بعد صلاة الظهر ولا يستقبل الناس، فطرق عليه طارق ثقيلٌ الباب بشدة، فقال الشيخ لولده عبدالكريم: انظُرْ مَن الطارق! فنظر، قال: رجل رثُّ الهيئة يستفتيك، قال: ائذن له، قال ولده: أوَليس هذا وقت راحتك؟ قال الشيخ: هذا رجل فقير من العامة، لا يأتي به إلينا إلا الضروري من الأمور، وإني أخاف إن رددتُه أن أسأل عنه يوم القيامة: استفتاك ورددتَه وكتمت عنه العلم.

 وكان بيتُه لا يُغلَق رحمه الله تعالى، وكان كريمًا يطعم الطعام، ولا يرد المستفتين والزائرين من أماكن بعيدة المدى البرج، والمسيلة، والأغواط.

 وكان متفتحًا على المذاهب في فتواه وتعليمه، غير متعصب لطريق أو مذهب رغم مالكيته ورحمانيته الظاهرتين الجليتين رحمه الله تعالى.

 وكان من منهجيته في فتواه أن يكتب سؤال السائل المستفتي كما سمعه، ثم يجيب كتابيًّا حسب السؤال، ويختم وثيقة الفتوى بختمه على أنه مفتي الولاية، ليستعملها السائل في حدود المسموح به قانونًا؛ أي: إن فتواه كانت تحمل الصبغة القانونية، ومعترفًا بها في الجهات المعنية.

 وكان شديد الحفظ قوي الذاكرة إلى آخر أيامه رحمه الله.

ومن اللطائف عنه رحمه الله أن وزير الشؤون الدينية زار الولاية في السبعينيات، وطلب من ناظر الشؤون الدينية في تلك الفترة سي بولنوار الأخضري رحمه الله تعالى أن يقدم إمامًا ليلقي درسًا، فاختار الشيخ سي عامر، فلما انتهى من درسه أمام الوزير والجمع الحاضر من الأئمة والعلماء والأعيان، قال الوزير مخاطبًا ناظر الشؤون الدينية: (لقد جمعت كنانتك وضربتنا بأصلبِها عودًا)، شهادة من أعلى مستوى في قطاع الشؤون الدينية، الوزير، بأمرين؛ الأول: أن الجلفة بها كنانة غير خاوية، والثاني: أن أصلب نبالها وأقواها الشيخ الفاضل سي عامر محفوظي.

 ومن اللطائف أن أول حجة سنة 1974 كانت على نفقة المملكة العربية السعودية؛ لأنه شارك وأجاب على أسئلة في مسابقة من المملكة فاز فيها بنيل دفع تكاليف الحج، ثم حج بعد ذلك سبع حجات وثلاث عمرات.

 كان محبوبًا من الجميع؛ من جيرانه، وأهله، وأصحابه، ومنهم تلاميذ الشيخ بلكبير، الذين كانوا يدعونه لإلقاء الدروس في تجمعاتهم أثناء الحج.

 ووصى ابنه عبدالكريم بزوجته خيرًا، وأن يبقيَها عنده ويرعاها، وقد فعل؛ فهي عنده إلى اليوم مثل أمه حفظهما الله تعالى.

 مثَّل الولاية في العديد من الملتقيات الدولية والوطنية في مجال الفكر الإسلامي، وتتلمذ على يديه العديد من المشايخ، وله مؤلفات ومخطوطات عديدة، منها: “تحفة السائل بباقة من تاريخ سيدي نايل”، و كتاب: “الطرفة المنيرة في نظم السيرة”، وقد حدثني أنه ألف في النحو وعلوم اللغة متنًا، وكذا قرأت أن له مخطوطًا، هو شرح على سلم الوصول في علم الأصول للديسي.

 رحل إلى جوار ربه عصر الأربعاء 20 ماي 2009، الموافق لـ 24 جمادى الأولى 1430 إثر مرض ألَمَّ به، إنا لله وإنا إليه راجعون!

الشيخ بن عبد الرحيم دحية … رجل القرآن المجاهد.

بسم الله الرحمن الرحيم

فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربّكم من رحمته و يهئ لكم من أمركم مرفقا ” …

أرقى كهف و أجمل غار جدير الاحتفاء به ، هو غار حراء الذي استوعب النّور كلّه ، و الذي ادّخر البركات كلها ، و النّفحات جميعها ، و الذي كان موئلا لرسول الله صلّى الله عليه و سلم حتّى فاجأه الأمين جبريل عليه السّلام بوحي الله إليه فأنزل عليه : ” اقرأ باسم ربّك الذي خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرأ و ربّك الاكرم الذي علّم بالقلم ، علّم الانسان ما لم يعلم ” …
في غار حراء كانت الخلوة الأولى للإقراء ، حيث سمعت الدّنيا صدى الترتيل النبوي للآيات الأولى من القرآن الكريم تنطلق من الغار عبر أثير جبال مكّة لترسل بأنوارها إلى آفاق الأرض المحجوبة بظلمات الجاهلية الدّامسة .
و استمر العطاء القرآني بالسّند المتّصل من رسول الله صلّى الله عليه و سلّم من خلال الصّحابة و التابعين رضي الله عنهم و من جاء بعدهم إلى يومنا هذا ..
و من هؤلاء الذين غمرتهم نفحات الرحمن ، و شملتهم بركات الغار في حراء ، الشيخ عبد الرّحيم دحية ، رجل القرآن المجاهد ، الذي كان نعم المحفّظ هو ، و خير الأصحاب لكتاب الله تعالى تعاطيا و تعليما و تربية و مجاهدة.
أربع ولايات من القطر الجزائري تشهد كلّها لعطائه الذي لم يعرف له كللا و لا مللا ..
ولاية المسيلة ، ببلدية ( جبل مساعد ) كانت بركة مولده بتاريخ 1916 ، من أسرة شريفة ينتهي نسبها إلى سيدنا رسول الله عليه الصّلاة و السّلام .. في هذه الرّبوع المباركة حفظ الشيخ عبد الرحيم دحية أجزاء كثيرة من القرآن الكريم على والده لحويشي الذي لم يألو جهدا أبدا في تربيته و تعليمه ، و حرصا منه على إتمام تحفيظه القرآن الكريم أرسله إلى زاوية الهامل التي كانت مركزا حضاريا و منارة علمية تضاهي الأزهر في مصر ، و الزيتونة والقيروان بتونس ، و القرويين بالمغرب ، و كثيرا من الحواضر العلمية المعروفة في العالم الإسلامي .
في زاوية الهامل العامرة بالعلم نهل الشيخ من معين علمائها ، و ذاق من طعوم موائدهم ما لذّ و طاب من العلم .
و من هؤلاء العلماء الذين تلقّى عنهم العلم الشيخ سي بن عزّوز القاسمي الحسني رضي الله عنه الذي أخذ عنه بعض العلوم الشرعية منها الفقه و التفسير و الحديث و علومه و اللغة العربية .
مسيرته التعليمية
بدأت مسيرة الشيخ التعليمية مطلع الأربعينيات عملا بحديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ” خيركم مـن تعلّم القرآن و علّمه ” ، حيث كان المنطلق فيها من الشّرق الجزائري في ربع من ربوع ولاية تبسة بمنطقة تسمّـى( بيضة الحراكتة ) التي مكث فيها وقتا قصيرا معلّما و مربّيا و مرشدا لشبابها و فتيانها ، ليشدّ عصا التّرحال بعدها إلى إقليم التيطري ، حيث طاب له الحال ، و استقرّ به المقام في إحدى نواحي مدينة عين بوسيف ، و هناك دأب على تحفيظ القرآن الكريم .. و لقد كان من بركات إقامته هناك أن أجرى الله تعالى على يديه فتحا كبيرا ، فقد حفظ عنده كتاب الله عز و جل عدد كبير من الطّلبة و الطّالبات ، و بقي في هذه الرّبوع الطاهرة و العامرة أربعة عقود بين أهل الخير من سكّانها إلى غاية سنة 1980 م ، حيث استقر بمدينة عين وسّارة ( ولاية الجلفة ) التي كان أهلها كرماء معه إلى أبعد الحدود بعد رغبة مشايخها الذين استقدموه إليها ، منهم الشيخ الحاج يحي مالكي ، و الشيخ خالد مختاري ، و غيرهم ، إذ اختار مقامه إلى جوار مسجد الشيخ خالد مختاري رحمه الله بحي المحطّة ليكون إماما له و معلّما لكتاب الله سبحانه و تعالى دون أن يعرف له انقطاع في حركة من العطاء الدّائم دون كلل أو ملل .
من الذين حفظوا القرآن على يديه الكثير من أبناء مدينة عين وسّارة منهم على سبيل المثال لا الحصر : مشتي محمد ، زغيم عبد المالك ، جيلي بلخضر ، جيلي محمّد ، حشيش محمّد ، حجاب لخضر ، و غيرهم كثير .
مسيرته الثورية و جهاده المبارك
من مراحل سيرته المباركة دعمه للثورة التّحريرية ، حيث كان كُتّابه مركزا يفد إليه المجاهدون من أجل الاجتماع بأنباء المنطقة التي كان يقطنها و ما جاورها من المناطق الأخرى ، و ذلك من أجل دفعهم إلى الالتفاف حول القضية الوطنية .. و الدليل على اهتمامه بالقضية الوطنية أنّه كان كاتبا لمراسلات المجاهدين ، و همزة وصل بين مختلف المناطق دفعا لحركية المقاومة و الجهاد الوطني ..
رحلته إلى الحج
كما هي الأشواق المتدّفقة ، و الحنين إلى بيت الله الحرام ، و الرغبة في أداء مناسك الحج و العمرة التي تدفع الملايين من المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها ، حيث يفد من تعلّقت قلوبهم بالكعبة المشرّفة ، و تهوي أفئدتهم إلى الالتصاق بالبيت العتيق ، تحقيقا لدعاء الخليل إبراهيم عليه السّلام { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم و ارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون } [إبراهيم :37] ..
شيخنا عبد الرحيم رحمه الله ناله هذا الشّرفُ و تحقّقت له أمنيته التي لم تغادر ضميره ، و أشواقه التي رامته حتى وفّقه الله بالسّفر إلى البقاع المقدّسة لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام ، و ذلك في سنة 1975 م الموافق 1394 هـ
مرض الشيخ و وفاته :
سبعة أيّام بلياليها من البدايات الأولى من شهر رمضان المبارك قضاها الشيخ مريضا بمستشفى مدينة قصر البخاري حيث مكث به يسابق الزمن المتبقّى من عمره تاليا لكتاب الله تعالى دون انقطاع ليلفظ آخر أنفاسه مع آخر آياته و يغادر الدّنيا و يلقى ربه في يوم السبت الثامن من شهر رمضان المبارك 1430 هـ الموافق لـ : 29/08/2009 م .. حيث دفن بمقبرة الهامل العامرة بالعلماء و الصالحين ..
عاش الفقيد حياته كلها في خدمة القرآن الكريم تحفيظا و تعليما و تربية ، محدثا الناس بلسان الحال أن القرآن الكريم رفيق دائم للعبد الصالح في دنياه و في أخراه .. فرحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح جنانه مع أهل القرآن من النبيين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا ..

أبو القاسم العباسي
كاتب و باحث و داعية

الشيخ محمد بن الدكانـــــــــــــــــــي رحمه الله

هو الشيخ العالم الأديب والمحدث اللبيب الحاج محمد بن الدكاني مرباح الرقاقي نسبة إلى الولي الصالح سيدي محمد الرقيق دفين عين الريش بالقرب من مدينة بوسعادة الذي ينتهي أصله الشريف إلى آل البيت ، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة على يد والده الحاج الدكاني وتفقه على يد عمه الشيخ الحاج بن عزوز مرباح ، ثم انتقل إلى زاوية الهامل ومنها إلى الزاوية الحبيبية في مكناس بالمغرب الأقصى سنة 1953 وبعد عام من الدراسة عاد إلى بلدته عين وسارة وسنة 1954 توجه إلى الأزهر الشريف طالبا للعلم ثم عاد بعد تخرجه إلى مدينته محملا بعلوم الفقه والتفسير واللغة والنحو والبلاغة ، وكغيره من أبناء وطنه لم ينس واجبه الوطني ، فسلك النضال ضد المستدمر الفرنسي حيث زج به في السجن لمدة سنتين ونصف وذلك عام 1959.

وبعد وفاة عمه الشيخ الحاج بن عزوز مرباح رحمه الله تولى الإمامة والتدريس والافتاء بالمسجد العتيق سنة 1963 ، كما أخذ الطريقة الرحمانية عن الشيخ سيدي مصطفى القاسيمي الهاملي وفي بداية الثمانينيات عين مديرا للشؤون الدينية بولاية الأغواط لمدة سنتين عاد بعدها إلى المسجد العتيق مواصلا درب الاصلاح والدعوة إلى الله تعالى على بصيرة من خلال الخطابة والتدريس وقد اشتهر الشيخ الجليل بخصاله النبيلة ولعل أظهر هذه المناقب مما لا يخفى على أحد الحلم والكرم، والتواضع ومجالسة الفقراء ، وهو من القلارئل الذين لا يخشون في الله لائمة لائم فهو يجهر بكلمة الحق بصرف النظر عن العواقب لقوله تعالى : الذين لا يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحد إلا الله وكفى بالله حسيبا.

توفي الشيخ في سبتمبر من عام 1990 وقد تركت وفاته أثرا بليغا وجرحا عميقا في قلوب الذين عرفوه ، فرحم الله شيخنا الجليل وجزاه عنا خير الجزاء.

بقلم حفيد الشيخ: الأستاذ صلاح الدين بوزيدي.

الشيخ سي علي فرح إمام مسجد مالك بن أنس ( الجامع الكبير ) بعين وسارة رحمة الله عليه.

هو الشيخ علي بن عبد القادر فرح ولد سنة 1352ه الموافق ل: 08 جويلية 1932م، قضى الشيخ صغره في حفظ كتاب الله تعالى فحفظه وعمره 12 سنة.
ثم رحل في طلب العلم الشرعي إلى زاوية الهامل سنة 1948م و عمره 16 سنة، و كان ملازما و ملاصقا للشيخ العلامة سي بن عزوز القاسمي رحمه الله الذي كان كبير الأثر في حياته الدعوية.
تخرج الشيخ رسميا من الزاوية شهر نوفمبر 1962بعيد الاستقلال بقليل، حاملا و متحصلا على شهادة التحصيل العلمية. ليحج بعدها مباشرة إلى البقاع المقدسة سنة 1964.
المناصب التي تقلدها:
تطوع في الخمسينات إماما بمسجد بن شهرة حتى الستينات. وكان حينها لا يزال طالبا بالزاوية.
مارس القضاء الشرعي في تلك الفترة.
كانت له فرصة عمل في السعودية غير أنه اعتذر منها عملا بقوله تعالى: ” و أندر عشيرتك الأقربين.” و قول الحبيب المصطفى : ” الأقربون أولى بالمعروف.”
في سنة 1974 اجتاز مسابقة لتوظيف الأئمة من طرف وزارة الشؤون الدينية و التعليم الأصلي آنذاك. و عين إماما بمسجد حمودي بن شهرة، ثم سنة 1978 نقل إلى مسجد الحسين بن علي إثر افتتاحه مباشرة. ليبقى به حتى سنة 1987 ثم حول و نقل إلى مسجد مالك بن أنس “المسجد الكبير” ليستقر به إلى غاية أن وافته المنية رحمه الله.
كان الشيخ رحمه الله شغوفا مولعا بالمطالعة و البحث و القراءة. وهدا من خلال مكتبته الزاخرة الثرية بكتب فنون و علوم الشريعة .
كان محافظا على المرجعية الدينية من خلال المذهب المالكي.
كان مهتما بمتابعة الصحافة و الإعلام وما يقع من مستجدات ونوازل.
كان يتمتع بهيبة و وقار منقطع النظير.
كان يتمتع بحب و تقدير و احترام الجميع.
كان دا فراسة و دكاء و سرعة بديهة.
كان رحمه الله قبلة الإفتاء و التوجيه و الصلح بين المتخاصمين.
وفاته:
مرض الشيخ مرضا ألزمه الفراش و نخر قواه إلا من ذكر الله و السؤال عن أحوال المجتمع و الأمة. و تمكن المرض من جسده أيما تمكن.حتى كان سببا في وفاته.
توفي الشيخ فجر الثلاثاء 17 رمضان 1425ه الموافق ل: 30 نوفمبر 2004م. عن عمر ناهز 72 عاما قضاها بين علم نافع و عمل صالح.
وكان هدا اليوم يوما مشهودا حضره الآلاف من المشيعين من جميع جهات الولاية و خارجها.
وبفقدانه و موته فقدت المدينة عالما من أعلامها، ورجلا من رجالاتها و ترك رحمه الله و طيب ثراه وتقبله في الصالحين ثلمة لا تسد إلى يوم القيامة.
يا ناعي الأحرار لا تقل ماتا ما مات من علم الناس الحياة.