أرشيف التصنيف: رجال يشهد لهم التاريخ

الحاج عامر عبيدات.. صاحب الفضل والخصال الطيبة

لا نتألّى على الله.. ولا نزكّي عليه أحدا.. ولكن نحسن الظنّ فيه سبحانه وتعالى، فهو وحده لا شريك له من بيده الأمرُ في مبدئه وفي منتهاه.. وهو وحده عزّ وجل من يثيب ويؤجر أهل الخير..
وأهل الخير ليس شرطا أن يكونوا معروفين.. فقد يكون منهم من له خبيئة لا يعلمها إلاّ الله.. والكتابة عنهم غراس لقيم القدوة في مجتمعاتنا، وتأريخ لجوانب من ناصع حياتهم، وجميل سيرتهم..
وحين نكتب عن بعض النّاس ليس من باب الإطراء المذموم شرعا، وإنّما من باب ”من لا يشكر النّاس لا يشكر الله“.. وما أكثر ذوي الفضل الذين عرفوا في دنياهم بخصال خيرية قد تكون قليلة ولكنها في ميزان حسناتهم كثيرة، خصوصا إذا كانت ترفع من منسوب الاستثمار في ميدان العلاقات الاجتماعية المقطّعة بين ذوي الأرحام، أو بين عموم من تجمعهم علاقات صحبة شبابية أو جوارية أو زمالة دراسية أو رياضية أو ثقافية أو شراكة تجارية أو فلاحية أو غير ذلك..
من طبيعتي الثابتة أنّني أحبّ أن أكتب عمّن أتوسّم فيهم خيرا أو ذكر لي عنهم ولو خصلة واحدة تميّزوا بها في دنياهم، أو وقفت بنفسي لأشهد لهم على بعض خصالهم في المجتمع..
من هكذا سلوكهم أكتب عنهم ولا أتوانى أبدا.. وقصدي في ذلك تخليد بعض من تاريخهم الطيب، عسى من يقرأ لي عنهم يترحّم عليهم ويستغفر لهم..
وإنّ سندي في ذلك ما هو ثابت في سيرة النّبي صلّى الله عليه وسلّم العطرة وسنّته الشريفة.. فقد يبدو الفعلُ الخيريُ قليلا في نظر بعض النّاس، ولكنّه عند الله عظيم الأثر وجليل الفائدة، علما أنّ حقول الخير التي تحتاج إلى استثمار كثيرةٌ ومتنوّعةٌ، ونظرا لضعف إيمان الناس وما يكتنفهم من فتنة مادية يزهدون فيها ولا يلتفتون إليها رغم ما يجنيه العبد من أجر جزيل من ورائها.
مثلا قصة المرأة التي ذكرت لدى النبي صلى الله عليه وسلّم حيث قيل له: ”إن فلانة يذكر من قلة صيامها، وصدقتها، وصلاتها، وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في الجنة.“.. وقصة الرجل الذي دخل الجنّة في غصن شوك وجده في طريق الناس فأزاحه… والأمثلة من السنة وسير الصالحين عديدة ومتنوّعة.
وفي هذا المنشور يجدر بي أن أذكر خصلتين للمرحوم الحاج عامر عبيدات رحمه الله تعالى..
** أما الخصلة الأولى: فبالإضافة إلى كرمه الحاتمي في عشيرته ومع من يقصده في بيته، فهو رجل إصلاح بين المتخاصمين.. فقد روي لي بالتواتر المجتمعي وهو حديث الخاص والعام أنّه عفا وأصلح وتجاوز عمّن أساء إليه.. حيث اعتدي عليه من بعض أقاربه في بيته.. ورغم إلحاح بعض أهله بعدم الصفح والعفو أبى إلاّ أن يستوعب الموقف بسلوكه الرائع وخلقه الجميل فيعفو ويتحمّل الخسائر التي طالت منزله، محتضنا الجميع المعتدي والمعتدى عليه من أهله، ليطفيء فتنة كادت أن تعصف بالجميع، وهي الحال التي انتهت إلى الندم والعفو العام الذي ملأ القلوب محبة بين المتخاصمين.. واليوم هم من يبكون عليه وحق لهم البكاء..
وهكذا هي الرحمة عندما يمتليء القلب بها.. وهذا السّلوك والله قليل في زماننا خصوصا في قضايا النزاعات العائلية.. فرحمه الله لهذا الموقف الطيب النادر في مجتمعاتنا..
** وأما الخصلة الإيجابية الثانية: فقد كانت معي أنا،، فقد ساءه أن يرى أو يسمع لما حدث بيني وبين رئيس بلدية سيدي لعجال بسبب غموض في قانون التنازل الصادر من وزارة الداخلية والجماعات المحلية والمتعلق بسكني الذي أسكنه.. فلقد كان موقفه أن عزمنا في بيته على مائدة غداء، فأصلح بيننا وساهم بجميل حديثه وطيب حنكته وسياسته إلى تقريب القلوب إلى بعضه.. وقد حضر مجلس الصلح بعض أهل الفضل بوصفهم شهود خير على ذلك، سبق ذكر أسمائهم في منشورات سابقة.
إنّ هذه الخصلة كافية إن شاء لأن تكون زاد شفاعة تشفع له عند ربّه.. وحينما نقف بين يدي الله يوم القيامة أقول: يا رب: إنّ عبدك عامر عبيدات قد سلك معي في خصلة أعتبرها موقفا منصفا فاجعلها اللهم بابا له إلى الجنّة..
يكفيه شرفا وفخرا أن تبقى هذه الخصلة محفورة في ذاكرة الزمن.. سأبقى أذكرها ما حييت، ومهما تقادمت الأيام والشهور والسنين فستكون جديدة متجدّدة على لساني وفي يراعي.
يكفيني هذا وسأحتفي به في كل مناسبة، وسيكون لسان دعاء أتضرّع به إلى الله أن يرحمه في قبره ويوم الوقوف بين يديه سبحانه، ويجعل الخير والصلاح في أهله وذرّيّته وإخوته وعشيرته وجميع قبيلته (عرشه)..
وفي الختام أقول إنّ وفاة الحاج عامر عبيدات قدّر الله أن تكون خاتمتها موقفه في الصلح لعلمه كما جاء في القرآن {والصلح خير}.. كما أنّ موقفه هذا هو رسالة إلى كل من يعرفه ومن لا يعرفه من أقرانه وزملائه خصوصا ذوي الجاه أن يبادروا إلى فعل الخير، ويحاولوا قدر المستطاع ترميم البنايات الاجتماعية المهدّمة أو التي أوشكت على الانهيار.. فالبدار البدار، فالموت يأتي بغتة.. فيا سعادة من كانت خاتمة حياته خيرا.. ويا خسارة من كانت خاتمة دنياه شرا..

الشيخ أبو القاسم العباسي

رموز وشخصيات من أبناء عين وسارة..رجل الحركة الوطنية: ” بن عزوز عياد “.

ولد فى 24_07_1924 عاش وترعرع فى عين وسارة المدينة التى أستحوذ عليها المعمرون وأقاموا بها محطة القوافل وحكمها “بول كزال”الذى حملت إسمه سنة 1935 ولم تسترجع إسمها الا بعدالاستقلال وعاث فيها “بتاي أوغستين” تاجر الاغنام والحلفاء وصاحب الطائرة الخاصة فى ذلك الوقت مستفيدا من خيراتها ومنتجاتها.

المدينة السهبية العارية من الجبال والغابات على مد البصر حولتهافرنسا إلى منطقة عسكرية وقسمت عرشها الى قسمين عرش رحمان الغرابة ورحمان الشراقة ومع ذلك لم يمنع ذلك من نشاط قوى وفعال للحركة الوطنية وكان من الأسماء التى لمعت وبرزت ونشطت إسم المناضل ‘بن عزوز عياد” الذى عمل على إنشاء خلايا وضم مناضلين للحركة الوطنية فى ذلك الوقت فى كل من قصر الشلالة وعين وسارة والبرواقية وكان ينسق مع المناضل الكبير” أحمد محساس” الذى أقام عنده بعين وسارة لمدة طويلة ومن ضمن الشخصيات التى عمل على ضمها للحركة الوطنية المناضل ” الصافي بوديسة ” وكان ذلك سنة1947 وفى 13ماي1948 ترشح فى الانتخابات التشريعية على رأس قائمة حركة إنتصار الحريات الديمقراطية (mtld) على مستوى دائرةقصر الشلالة التى كانت تتبعها عين وسارة وكان معه فى القائمة من عين وسارة مناضلوا الحركة الوطنية بعين وسارة منهم :(مالكى رابح.طويرىأمحمد.مقدس مسعود.رحماني عيسى بن الحاج أحمد …وغيرهم) .


واصل نضاله وعمله ونشاطه فى نشر الوعى وكانت فرنسا تعتبره من العناصر الخطيرة ولذلك فى بداية الثورة تعرض لوشاية من طرف بعض أعوان فرنسا ولكنه نجا من الاغتيال بعد أن تم إخباره مم يدبر له بفضل أحد الاشخاص من الأغواط (ب.ق) الذى أخبره فى الوقت المناسب وتمكن من الفرار الى قصر البخارى ثم المدية ثم العاصمة ثم الى فرنسا عبر إحدى البواخر …ليواصل نشاطه هناك ويتنقل بين فرنسا وسويسرا ويلتقى بمصالى الحاج وبشكيب أرسلان أمير البيان.


وكان بن عزوز عياد قد عمل مراسلا صحفيا أيضا لجريدة ” ألجيرى ريبيبليكان ” ، ليعود بعد الاستقلال سنة 1963 إلى الجزائر وعرضت عليه عدة مناصب فرفض أغلبها كما رفض بطاقة النضال ، واكتفى بتسيير إحدى قاعات السينما بالعاصمة ثم عمل بادارة أحد المراكز الفلاحية ثم تفرغ لاعماله وأشغاله بمدينة عين وسارة وظل وفيا لأصدقائه المناضلين القدامى وبقى مرددا دوما لمقولة “نداوو لجراح والى فات مات ”
مهما يكن من موقف أو رأى تجاه هاته الشخصية التى تعرضت للتهميش والنكران فانه يبقى نموذجا للشباب والمدينة فى النضال وغرس الوعى والدفاع عن تحرير الجزائر فى وقت كان فيه الحديث عن معارضة الاستعمار هو أكبر الجرم …توفى رحمه الله سنه 2008.

أخبار عين وسارة / الدكتور عطاء الله أحمد فشار.

الشيخ بن عامر بوعمرة.. إمامٌ مبدعٌ، وداعية موفّق.

كثيرٌ من الدّعاة الذين يحصرون الدّعوة إلى الله في الجانب النّظري دون التّفعيل الحقيقي لها في الواقع الاجتماعي العملي، وهذا العمل أصحابه مأجورون، لكن يبقى النّقص قائما إلى غاية تثبيت أركانه عمليا..

والقليل من الدّعاة هم من يحسنون فن التّواصل الدّعوي بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ومن هؤلاء الشّيخ بن عامرة بوعمرة حفظه الله.. هذا المصباح الدّعوي الذي أضاء سماء شرشال وما جاورها، عرفته منذ سنوات شعلة في العطاء الدّعوي.. صاحب سمت يطبعه الحياء، كريم وأصيل ومعطاء، وكونه كذلك وفّقه الله في تكوين زمرة من الشباب داخل مسجده كانوا خير سند وداعم مادي ومعنوي لمبادراته، بالإضافة إلى أهل الإحسان الذين يقفون معه في ترسيخ قيم الإيمان العملية في المجتمع.

إنّ الشيخ بن عامر بوعمرة أخذ مسمّاه من اسمه، فكان حقا وصدقا رافدا من روافد الخير، وعنصرا من عناصر البناء والعمارة الحضارية في أرقى أساليبها بالنسبة لبيوت الله تعالى، والدّليل النموذج الذي رسمه في مسجده “الرّحمن” الذي يعمره بذكر الله تعالى..

فلقد كان للإبداع لغته النّاطقة عمليا من خلال المناشط الدّعوية والتّربوية والثّقافية التي كانت حللا سندسية تزيّن المسجد ليس في المناسبات المعهودة فقط، وإنّما في كل الأوقات والأحوال. حيث كان لهذه النّشاطات المستمرّة تأثير مباشر داخل المسجد وخارجه في محيط مدينة شرشال السياحية والأثرية، وحتّى في ضواحيها والمناطق المرتبطة بها جغرافيًّا..

كزهور الرّبيع المختلفة، ظهرت للوجود الدّعوي ألوان مختلفة من النّشاطات تتمثّل في المشاريع  التّالية:

(1)المشروع  الإعلامي: ويتمثّل في المجلّة الحائطية المسجدية، والمطويّات، والملصّقات المناسباتية.ولا شك أن رسالة المسجد الإعلامية تحفظ لرواد المسجد ألفتهم وتزيد من أخوّتهم، وترتقي بهم إلى أسمى معاني التّرابط والتّضامن والتّفاعل الإيجابي.

(2)المشروع الدّعوي: ويتمثل في إقامة فعاليات دعوية ، وندوات فكرية، ومحاضرات تعنى بغرس القيم الإيمانية والسّلوكية والأخلاقية لدى المسلم.. ومسجد الرّحمن سنّ سنة حسنة في ترسيم هذا المشروع النّاجح الذي يؤطّره خيرة الأساتذة والدعاة.

(3) المشروع الفنّي : فرقة الإسراء للإنشاد التّابعة لمسجد الرّحمن

(4)المشروع الاجتماعي: سهم العيد، محفظة التلميذ، قفّة رمضان، كسوة اليتيم والمحتاج، إطعام عابري السّبيل. وغير ذلك من الاهتمامات المسجدية الاجتماعية.

(5)المشروع التّعليمي والتّربوي: ويتمثل في إبراز المعاني التّربوية والعاطفية بين المعلّم والتّلاميذ، مثل فعالية ” كاد المعلّم أن يكون رسولا” والذي استهدف المدرسة الابتدائية كبداية على أن تعمّم في المستقبل في جميع المدارس وفي كل الأطوار. مع العلم أنّ المدرسة الجزائرية قد بدأت تعرف انحرافا خطيرا، وجفاء عدوانيا بين الأستاذ والتّلميذ.

(6)المشروع الرّيّاضي: والمتمثّل في تأسيس فريق رياضي تابع لمسجد الرّحمن. ولا شك أن مشروعا كهذا سيغرس القيم الأخلاقية الإسلامية والوطنية التي تحفظ للمجتمع أمنه النفسي والفكري خصوصا بين الجماهير الرياضية الشبابية.

(7)مشروع الشّراكة الثقافية: وتتمثّل في التّفاعل الثّقافي بين المسجد وبعض جمعيات المجتمع المدني العاملة والحريصة على أداء رسالتها خدمة للدين والوطن.وهي مبادرة إيجابية تكرّس للتّضامن الفكري والثّقافي والاجتماعي الذي يخدم العباد والبلاد.

هذه بعض المشاريع الرّائدة التي يتميّز بها مسجد الرّحمن بإمامة الشيخ بن عامر بوعمرة، وما لم نعرّج على ذكره أكثر بكثير من الذي سجّلناه هنا في هذا الموضوع .

نتمنّى أن تعود لمساجدنا أدوارها الرّسالية اقتداء بالشيخ بن عامر بوعمرة، وأن تفعّل من جديد وبصفة رسمية بحيث يسند لها ما يدعمها ماديا ومعنويا في أداء وظائفها المنوطة بها كما هو منصوص عليه شرعا وقانونا حتّى يسترجع المصلّون أنفاسهم الإيمانية والرّوحية والسّلوكية ..

الشيخ أبو القاسم العباسي

داعية وكاتب وباحث

الحاج محمّد الصّغير مالكي.. الكريم التقــي، المحب لأهل القرآن الوفـــيّ.

     كثير من الناس من يفقد بوصلة الاتّجاه الصّحيح إلى مقاصد الخير، ويتيه عن التنبّه لشارات الطريق في المداخل والمخارج وعند ملتقى الطرق.. وقليل من أهل الإيمان من يكتسب محامد الشكر من البشر، وتظهر عليه علامات الرّضا والقبول عند الله رب العالمين بما تتداوله الألسنة من ثناء وشكر وإطراء مشروع .. ومن هؤلاء القليل: الحاج محمّد الصّغير مالكي رحمه الله، الذي اختاره الله أن يكون إلى جواره بعد أن قضى عمرا حافلا بالخير، عامرا بالإحسان، مفعما بالحب، مليئا بخصال الوفاء، والبذل والعطاء، مشتهرا بين النّاس بصدقة الابتسامة..

     فعل الخير موزّعٌ بين النّاس، كلٌّ فيما يسّره الله له، فمن النّاس من جعله الله تعالى زارعا لبذور الخير بعلمه وفقهه، فهو يبثه لأهله ولطلاّبه ولمريديه ، فيقضي جلّ أوقاته بين الكتب والمكتبات والقاعات ومواطن التجمّعات من أجل أن يتعلم ويعلّم ويسترشد ويرشد، وهذا شأن العلماء في كل زمان وفي كل مكان.. ومن النّاس من يجد نفسه مدفوعا إلى فعل الخير بإجراء الأوقاف التي تفيد المجتمع وترفع الغبــن عنه وتزيد من التّنمية الاقتصادية في كثير من المجالات الحياتية الدّينية والدّنيوية.. ومن النّاس، ومن النّاس، ومن النّاس، هم كثير في كل شأن من شؤون الحياة.. لكنّ الذي يستولي على الكنز المدّخر كلّه هو ذلكم الذي امتلأ قلبه حبّا لأهل الخير، فلا يسمع بمشروع خيري نافع ومفيد كيفما كان لونه، أو يبلغه خبرٌ عمّن يقف وراءه بدعم مادي أو معنوي إلاّ ويثني عليه ويدعو له بالتوفيق والرّضا والقبول، وهذا هو شأن المرحوم الحاج محمّد الصّغير مالكي.. هكذا عرفناه، وهكذا ألفناه، يشهد له كلّ من عرفه عن قرب، أو سمع عن مناقبه وسجاياه، من كان بعيدا عن موطنه وسكناه..

إنّ الشيخ الحاج محمّد الصّغير مالكيمعدنٌ نفيس من معادن الخير، وقبس نوراني يضيء بسلوكه مجالس الوافدين إليه أو من يفد إليهم، عرف بحسن سيرته، وصفاء طويّته، ونقاء سريرته.. تشهد له موائد الكرم والجود.. كرم الابتسامة، وكرم الكلمة الطّيّبة، وكرم البذل والعطاء، وكرم الصّدق والوفاء.. إنّه فرعٌ من شجرة طيّبة.

التّرجمة له ليس كونه عالما كبيرا من علماء الإسلام، وإنّما لأنّه فذٌّ في تربيته، وفريدٌ في شخصيته المتواضعة جدّا، تحلّى بأخلاق القرآن وسجايا حاملي كتاب الله تعالى.. كان واحداً من القلائل الذين نفتخر بهم ونعتزّ بمناقبهم، وندلّ على مآثرهم.. ربما يقف في طريق ترجمتنا له من يعتقد أنّ ذلك خاصٌّ بأهل العلم، ولكنَّ هذا ليس صحيحا من حيث التّربية والسّلوكُ الحسنُ في مقاصد العلم الدّالّ على الله سبحانه وتعالى…

وتكريما لمقامه الطّيّب وحتّى نعطي للفقيد بعضا من حقّه علينا آثرنا أن نترجم له بما يجعله بيننا وكأنّه على قيد الحياة، ولكي نرسم لأهل الخير – من الشّباب خصوصا – طريق القدوات الصّالحة، لأنّ معرفة مناقبهم دعوةٌ لإحياء معالم الشّهود الحضاري..

مولده ونشأته: ولد الفقيد محمّد الصّغير ابن رابح (المقدّم) مالكي رحمه سنة 1920م بعين وسّارة.ولادة طبيعية كباقي النّاس مستنشقا صفاء الفطرة السّليمة في بيئة جميلة معتدلة تجمع بين جمال تلالنا الرّبيعية الخضراء وبين بريق رمالنا الذّهبية في الصّحراء، ليتدرّج في نشأته وبداية طفولته على الأخلاق الفاضلة التي وجدها حصنا منيعا بين أهله وعشيرته ومن عاش بينهم، والتي كانت سببا في استقامة سلوكه طوال حياته إلى أن وافته المنية رحمه الله.

حياته العلمية:  كانت حياته العلمية متواضعة نظرا لظروف الاستعمار آنذاك.. فقد درس في المدارس الابتدائية الفرنسية بعين وسّارة، وقد كان جميل الخطّ يحسن الحديث والكتابة بالفرنسية بطلاقة لا تجدها عند خرّيجي الجامعات حاليا.. وبالرّغم من محدودية التّعليم بالنّسبة للجزائريين أيام الاحتلال (المستوى الابتدائي فقط) فقد كان على درايةٍ ومعرفةٍ تامّةٍ بجملة من العلوم منها علم التّشريح الذي أخذه في المدرسة الابتدائية الفرنسية  بعين وسارة، بما يحاكي التعليم الجامعي أو أكثر حاليا، كما حدّث بذلك ابنه عبد الله، الطّبيب المتخرّج من كلية الطّب بجامعة البليدة…

أمّا بالنّسبة  لعلاقته بالقرآن الكريم فقد حفظ منه أجزاءً غير قليلة بزاوية الحاج علي بن يحي داودي بخميس المويعدات رفقة الشيخ سي عامر محفوظي مفتي الجلفة بعد الشيخ سي عطية مسعودي رحمهما الله تعالى.

ونظرا لظروفه الخاصّة لم يسافر إلى زوايا القرآن والعلم لإتمام حفظ كتاب الله، وتلقي العلوم الشرعية واللّغوية فيها كباقي المريدين، ولكن كانت له علاقات طيّبة بشيوخها، منهم الشيخ سي عبد الحميد مختاري شيخ الزّاوية المختارية بأولاد جلاّل، والشّيخ سي خالد مختاري حيث استفاد عندهم ومن غيرهما أفضل ما يستفيده طلاّبها، وهو التّزكية الرّوحية والتّنمية الإيمانية القلبية التي هي المقصد والهدف من دراسة العلوم الشّرعية.. فكأنّه رحمه الله وصل إلى مراده من علاقاته بشيوخ زوايا القرآن، ونهل من معينهم التّربوي، وتغذّى روحيا، وارتقى صوفيا إلى أسمى مدارج السّير إلى الله ربّ العالمين.

رؤيا الميثاق لشدّ الوثاق (الصّلاة)

هي وصّيّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم تلقّاها الصّالحون من بعده وأوصوا بها كل مسلم ( الصّلاة، الصّلاة وما ملكت أيمانكم...).. يروي أبناء الشيخ محمّد الصغير مالكي عن أبيهم رؤيا صادقة رآها أيام كان يعمل بنّاء في الزّاوية المختارية بأولاد جلاّل – ما زالوا يذكرونها ويروونها لكل محبّ صادق – يقول في رؤياه رحمه الله : كنت أبني في الزاوية عند الشيخ سي عبد الحميد مختاري وقد خطر في نفسي أن آخذ عهد الميثاق بالصّلاة من عنده، وفي الوقت نفسه تذكّرت أنـّـي قد أخذت الميثاق من زاوية الشيخ سي امحمّد بن مرزوق  في بنّهار، وقلت في نفسي أنّ صاحب ميثاقين يصير بلا ميثاق، فخفت أن آخذ من عنده الميثاق (الشيخ سي عبد الحميد) واستبدّت بي هواجس بسبب ذلك، وقلت هل أصارحه بذلك أم لا؟ وفي فترة القيلولة من بعد الظّهر أخذت قسطا من النّوم فرأيت في المنام الشيخ سي امحمّد بن مرزوق على فرسه قادما إليّ حتّى إذا وصل أخذت بركاب فرسه لينزل، فقال لي: يا شيخ محمّد لماذا أنت محتار.. الشيخ سي عبد الحميد شيخي وشيخك، خذ من عنده الميثاق ولا تفكرّ كثيرا..يقول الشيخ سي محمد الصّغير: ولما استيقظت من مناي قبيل صلاة العصر وقفت خلف الشيخ سي عبد الحميد وليس أمامه – حيث يجلس على كرسي – احتراما لمقامه التربوي، فناداني وأعطاني فنجان قهوة وقال لي: هل جاءك سي امحمّد بن مرزوق؟ فقلت له: لقد جاءني، فقال لي: وماذا قال لك؟ فقلت له : ما قاله لي أنت تعرفه كونك عرفت أنه قد جاءني.. فقال لي: قال لك: شيخي وشيخك؟ فقلت له: قال لي: شيخي وشيخك.فقال لي فلماذا أنت محتار إذن.. خذ الميثاق من عنده.

يقول الشيخ محمّد بن الصّغير: ولما أتممت عملي في بناء الزاوية أعطاني الشيخ سي عبد الحميد حقوقي من الدراهم على عملي، فقلت له: خذ هذه الدراهم “زيارة الزّاوية ” هديةً من عندي.

بنّاءٌ ثامر بذكاء مهندسٍ ماهرٍ

 يروي عنه أبناؤه أنّه كان يملك ذكاء خارقا بخصوص مهنة البناء، يشهد له من أثنى عليه في هذا الشّأن.. ومن بين القصص التي تروى عنه في ذلك  أنّه كان في زاوية الشيخ المختار بأولاد جلاّل حيث وجد القائمين عليها في حيرة من أمرهم وحال من الضّيق النّفسي بشأن مقصورة يريدون ترميمها، فقد أشار عليهم من يمكنه أن يتم بناءها في خمسة عشر يوما ومنهم من قال أسبوعا، بينما قال الشيخ محمد الصغير مالكي سأكملها عشيّة اليوم بإذن الله، وفعلا بناها كما قال، دون أن ينزع سقف المقصورة، متحدّيا الذين قالوا بحتمية إزالته قبل كل أي عمل.. وعندما حضر الشيخ سي عبد الحميد وجدها (أي المقصورة) قد تم بناؤها في يوم واحد فعلاً كما أكّد ذلك بنفسه لشيخ الزاوية المختارية.. وللشيخ سي محمّد الصّغير مالكي ما يدل على نبوغه وإبداعه في البناء والتّعمير بشهادة مهندسين مختصّين أثنوا على بعض المخطّطات التي رسمها بيده وبدقّة عجيبة.

زهده وورعه: يعتبر كثير من الناس أنّ مفهوم الزّهد والورع هو ترك الدّنيا وممارسة الاستجداء على أبواب المساجد وفي الأسواق وعند محطّات الحافلات وسيارات الأجرة، وهو مفهوم خاطئ ومخالف لمقاصد الشريعة الإسلامية.. بينما الزّهد الحقيقي والورع الصّادق هو طهارة القلب ونفوره من فتات الدنيا، وعفّة اليد عن أن تمتدّ إلى ما حرّم الله تعالى.. وأكثر من ذلك هو تحمّل أمانة المال وتوجيهه فيما ينفع المجتمع والأمّة، والاحتراز من داء الغلول، أو النّهب أو الاختلاس بالمفهوم المعاصر الشّائع اقتصاديا.. والشّيخ سي محمّد بن الصّغير مالكي كان مثالا يحتذى في الزّهد والورع بمعناه الاقتصادي الاستثماري… فقد كان رحمه الله حريصا على المال العام من أن تمتد إليه يده، أو يطمع فيه قلبه، أو تشتهيه نفسه، يشهد له كثير من مشاريع البناء التي أوكلت إليه مهمّة القيام بها، وكان فيها أمينا، مخلصا، زاهدا، ورعا…

فمثلا كان ما يتبقّى فائضا من مال بعد تشييد المساكن، والمدارس، لا يأخذه لنفسه، وإنّما يستغلّه في بناء أشياء أخرى، كما هو الشّأن في بنائه بنك الفلاحة والتّنمية الرّيفية المجاور لبلدية عين وسّارة، والذي كانت ميزانيته ممّا تبقّى من فائض مالي من مشاريع بنائية أخرى.

يتبع…

الشيخ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

الشيخ الإبراهيمي.. الرّحّالة الماهر الذي عرّف بالجزائر / الجزء الثاني.

رحلته إلى أوروبا (فرنسا) وأبعادها

كثيرٌ من النّاس تستهويهم الرّحلات إلى أوروبا للاستجمام والتّرفيه عن النّفس، لكن من يحملون هموم دينهم وشعوبهم وأوطانهم على عكس ذلك تماما، فهم يرحلون ويركبون البر والبحر من أجل قضاياهم الجوهرية، يستثمرون أوقات وجودهم في بلاد الغرب فيما ينفع العباد والبلاد. والشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله كان من الطّراز الذي جعل من رحلته إلى فرنسا خصوصا استجماما من نوع خاص يختلف عن غيره من الذين يتّخذون من رحلاتهم وسيلة لقضاء شهواتهم أو تحقيق مآربهم الشّخصية..

لقد كانت رحلة الشيخ البشير الإبراهيمي إلى فرنسا – في شهر أكتوبر سنة 1950م – من أجل هدف واحدٍ متفرّعٍ إلى قضيّتين ، باريس هي مركزهما، وهي ميدان الأعمال لهما ..

أمّا القضيّةُ الأولى فهي: فصل الحكومة الجزائرية عن الدّين الإسلامي، وحرّيّة التّعليم الإسلامي

لقد كان للشيخ الإبراهيمي وزميله العربي التّبسّي اتصالات مع السّلطات الحكومية والبرلمانيين ورجال الصّحافة، حيث قاما بشرح القضية على أكمل وجه، في غاية من الإبداع والإتقان والعرض الحسن، رغبة في إقناع سلطة الاحتلال للابتعاد عن شؤون المسلمين الدّينية ورفع القيود عن لغتهم العربية..

إذن الملاحظ في نشاط الإبراهيمي أثناء وجوده في فرنسا أنّه عمل أثناء رحلته إلى باريس على الاتصال مباشرة بالسّلطات الفرنسية المحتلّة لأرض الجزائر، والحال كذلك كان له مع البرلمانيين ورجال الصّحافة حتّى يعطي دفعا أكثر فعاليةً، ومقاومةً عقدية وفكرية وقومية ووطنية تلفت انتباه سلطات المحل وتجعله يفكّر بجدّية في مطالب الشعب الجزائري، ذلك أنّ تطوير المعارضة والمقاومة ارتقى من الدّاخل إلى الخارج في الداخل الفرنسي وهو ما عبّر عنه الشيخ الإبراهيمي بقوله: ” حكومة الجزائر متصاممة عن صوت الأمّة فيها،  نخاطبها بالكلام الفصيح والحقّ الصّريح فكأنّما نخاطب صخرة صمّاء، ونجلو الحقائق الواضحة عليها، فكأنّما نعرضها على مقلة عمياء، فلمّا عيينا بالأمر ذهبنا إلى باريس لعلمنا أنّ الأمر منها بدأ وإليها يعود.”  

أما القضيّةُ الثانية فهي: قضية الاهتمام بالمغتربين الجزائريين في فرنسا

وهذا هو الشّقُّ الثاني من الهدف العام من رحلته رحمه الله تعالى، وهو يعبّر عن اهتمام العالم الدّاعية الذي يفرض عليه دينه أن يسعى جاهدًا لتحصين بني وطنه دينيا ووطنيا حتّى يبقى على صلة – وهو موجود بفرنسا – بوطنه، فلا ينسى دينه ولا لغته.. فكانت المهمّةُ هنا لوعظ النّاس ودعوتهم إلى تأسيس مدارس لتعليمهم وتعليم أبنائهم العربية ودينهم الإسلامي، وهو ما جسّدته شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في باريس منذ الثلاثينيات خاصة حين انتدب الشيخ الفضيل الورتلاني إلى هنالك للتّعريف بها حيث كان واعظا بليغا مؤثّرا غرس في نفوس المغتربين الاهتمام بشؤون دينهم، والحرص على وطنهم، كما حثّهم – وهو حق إيماني – على ربط علاقاتهم بإخوانهم المسلمين الآخرين.. وقد كان لهذا التّأثير القوي إقبال شديد واستعداد منقطع النّظير من الجالية الجزائرية المغتربة شجّعهم على المضي في العمل وقوّى الأمل في النّجاح.

إنّ الاهتمام بالمغتربين يهدف -في مسعى الشيخ البشير الإبراهيمي- إلى المحافظة على الهوية الإسلامية والوطنية والقومية، وتحصينهم بالتشبّع بعقيدتهم الإسلامية، وقيمهم الأخلاقية الأساسية والفرعية حتّى لا يذوبوا في المجتمع الفرنسي الذي لا يعرف للأخلاق والمثل والفضائل قيمةً أو اعتباراً أو اعترافًا..

لقد كان الاهتمام بالمغتربين متضمّنًا عدّة جوانب مهمّة في حياتهم خارج ديارهم:

(1) التشبّث بالإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا في وسط الظلام الفرنسي الغربي.

(2) المحافظة على اللّغة العربية وفتح مدارس لها يتعلّم فيها أولادهم لغة وطنهم الجزائري العربي.

(3) رفض الاندماج في أوساط المجتمع الفرنسي فيما يتعلّق بالزواج بالفرنسيات أو الرّضا بتقاليدهم وأعرافهم الاجتماعية البهيمية التي جعلت من أهدافها السياسية إذابة الجالية الجزائرية المغتربة في فرنسا ومحوها في الهوية والعقيدة الفرنسية.

(4) ربط الجالية الجزائرية المغتربة بوطنها الجزائري وتهيئة الأجواء المناسبة لذلك من خلال المواقف العملية في الواقع، بما هو واجب عليهم تجاه وطنهم من الناحية الشرعية والوطنية والإنسانية.

وهكذا كانت لرحلة الشيخ البشير الإبراهيمي التي استمرّت أكثر من خمسين يوما مكاسبُها التي يعجز عنها كثير من الحكومات الرسمية في تحقيقها، كما يعجز عنها كثير من أهل التصوّرات والنّظريات التي تملأ الدنيا ضجيجا دون أن تحقّق شيئا يذكر في ميدان الواقع وهو ما نراه ونشاهده ونلاحظه في زماننا الذي نعيشه.

إنّ من يتأمّل في مسار الرّحلة للشيخ البشير الإبراهيمي يدرك أبعادها الدّعوية والقومية والوطنية والتي تبني بمجموعها الشّخصية الجزائرية المتشبّعة بالإسلام والعروبة .. لقد كان الشيخ رحمه الله حريصا على إحياء الضّمير الدّيني العقائدي والسّلوكي والأخلاقي في نفوس المهاجرين الجزائريين الذين كان يخشى عليهم الانغماس في ثالوث العقيدة المسيحية التي كانت ترغب– وتعمل جاهدة من أجل ذلك – في تحقيق أهدافها الاستعمارية من خلال من تبنيهم – من الجالية الجزائرية – على عينها بناء يوافق تطلّعاتها التّبشيرية من أجل إبعاد الإسلام من أرض الجزائر، وفرض عقيدتها القائمة على الأحقاد والأطماع…

الشيخ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

 

يتبع في الحلقة القادمة

الشّيخ يوسف القرضاوي .. ليس إرهابيا.

الإجهازُ على الإسلام واستئصالهُ من جذوره مخطّط رهيب ينفّذه الأغبياء في العالم العربي.. لعلّ السّبب الرّئيس – لمن يتأمّل مراجعه التاريخية- هم اليهود الذين احتلّوا أرض فلسطين المباركة، فمنذ سنة 1948م -وهي السنة التي سلّمت فيها فلسطين إلى اليهود تحت غطاء أممي جائر وماكر- ازدادت حدّة العدوان على الإسلام إعلاميا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا، ليس فقط من أمم الغرب المتكالبة على قصعة الأمّة الإسلامية، وإنّما –وبكل أسف- من بعض أبنائه، من السّاسة الرّسميين والمعارضين المميّعين الذين يزداد غباؤهم يوما بعد يوم، حيث تتعفّنُ مواقفهم الانهزامية أمام عدوّهم، رغم أنّهم يعرفون ويشاهدون نهايات بعض من ساندوا هذه المخطّطات وخدموها، وكيف انتهت بهم المغالطات الغربية إلى أحوال مأسوية آلت بهم إلى مزبلة التّاريخ، كما جعلت منهم القطيعةُ العلمانيةُ المقنّنةُ بينهم وبين شعوبهم هي بداية الاستهداف لأي مشروع إسلامي ينهض بالأمّة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.

لقد مرّت القضية الفلسطينية بعدّة تنازلات تدل كلّها على أنّ المارد الغربي خصوصا ( الصهيوأمريكي ) احتضن أصحابها المتخاذلين والمتنازلين بما يمليه عليهم سياسيا وإيديولوجيا وفق ما يتحقّقُ لشهواتهم ذات الرّؤية الشيطانية المنتهية ببراءة الشيطان منهم في نهاية الهدف وانتهاء المشوار { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إنّي أخاف الله رب العالمين }[الحشر/16]

وللأسف صار المتنازلون عن القضية الفلسطينية هم الأداة الفاعلة في حماية إسرائيل إلى غاية السّاعة، ولم تجد الصهيوأمريكية معارضا إلا الحركة الإسلامية المعتدلة، ولذلك وظّفت هذه القوى الماكرةُ الموالين لها والمنبطحين بين أحضانها لضرب كل نشاط إسلامي قوي يحرّك الضّمير العربي والإسلامي، حتّى ولو كان النّشاطُ الإسلاميُّ عملا دعويا أو تربويا أو خيريا أو إغاثيا.. 

و بدا واضحا جليًّا ودون مواربة أنّ الاستهداف صار يطال الجماعات الإسلامية المعتدلة في العالم العربي، ويقع بصفة خاصّة على رموز العلم والدعوة والنّشاط الخيري والحركة الفاعلة.. ومن هؤلاء المستهدفين العلماء المخلصون والدّعاة العمليون الذين رسموا معالم الحياة الإسلامية ولو بالشّيء القليل من جهودهم المثمرة التي آتت أكلها في كثير من الجهات من أرض الله..

إنّ النّشاط الخيري لدعاة الإسلام وعلمائه وحركاته المعتدلة هو الذي أفزع أمريكا والصّهيونية والقوى العدائية في بلاد الغرب .. أفزعهم لأنه معتدل في وسائله وفي أهدافه، وهو ما لا يريدونه، كونه يوقظ الضمير الغربي بمسلكه الطيب هذا، ويصنع الحياة الطّيّبة في المجتمع البشري بدل صناعة الموت الذي شيّدوا له مصانع وبنوا له مخابر تتفنّن في صناعة وسائله القاتلة والتي لا تجرّب إلاّ في البلاد العربية والإسلامية تحت حجج واهية، بحيث في كل مرّة يختلقون وهما قاتلا يصدّقه الأغبياء والمغفّلون من العرب والمسلمين..

وفي هذه الأيام برزت إلى السّاحة العربية والإسلامية أوهام جديدة وأشدّها خطورةً الكذب على الدّعاة والعلماء وتلفيق التهم في حقهم، كما هو الشّأن بالنّسبة للشيخ طارق السّويدان الذي أقيل من قناة الرّسالة تعسّفا وهو الذي أعطاها دفعا إعلاميا قويًّا، والشيّخ محمّد العريفي الذي لايعرف الناس عنه إلاّ حبّه لبلد الحرمين وسائر بلاد المسلمين، ما سمع عنه أحدٌ أنّه تجاوز الحدود الشرعية في التعامل مع الناس ومع الحكومات، وقد أفرج عنه ولله الحمد والمنّة ..

دعاة وعلماء وجمعيات خيرية في القارات الخمس أدرجت أسماؤهم ظلما وعدوانا وتعسّفا في قوائم الإرهابيين الذين تجب محاربتهم.. وآخرهم إدراجا سلطان العلماء العلاّمة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه وأمدّ في عمره بكل خير .. هذا العالم الرّبّاني يدرج اسمه ضمن قائمة المطلوبين لدى الشرطة الدولية (الأنتربول) بطلب من السّيسي الذي لم يعد له من وجه يقابل به ربّه إلا الإثم المتزايد الذي سيثقل كاهله ويعجّل بسقوطه بإذن الله تعالى.

لا شك أنّ الخلفيات الدولية وخصوصا العربية المتواطئة مع إسرائيل صارت واضحةً بشأن إدراج الشيخ القرضاوي ضمن قائمة الإرهابيين.. فما عجزت عنه إسرائيل تكفّل به بعض العملاء من الصّهاينة العرب الذين هم أسرع من البرق الخاطف في كيل التهم وبث الأراجيف وتبنّي الظلم والعدوان..

يظنّ المعتوهون المحجور عليهم أخلاقيا وسلوكيا وسياسيا أنّ بإقدامهم على هذا الفعل الآثم سيتمكّنون من إلقاء القبض على الشيخ القرضاوي،  وهيهات أن يتمّ لهم ذلك .. لقد رفع شكواه إلى رب العباد الذي يعلم السِّرَّ وأخفى، وقالها بلسان مقاله وحاله اقتداء بنبي الله يوسف عليه السلام: { إنّما أشكواْ بثّي وحزني إلى الله… } [يوسف/86] .. لن يتمكّنوا إن شاء الله، وقد انطلقت منذ اللّحظة الأولى من صدور الأمر أقلام العلماء والدّعاة والكتاب والشعراء والمثقّفين والإعلاميين والمحبّين وهم بعشرات الملايين للدّفاع عن الشيخ القرضاوي، وهي أدلّةٌ قاطعةٌ تدحض أوهام الظالمين الكاذبين وتضع الأنتربول عند حدّه حتّى يفيق من سباته وأنّه وسيلة لا قيمة له، وأنّه في يد الصّهاينة الذين يعبثون به وبشرعيته التي تضع علامات استفهام كبيرة عليه.

إنّ الشيخ القرضاوي ليس إرهابيا وإن توهّم ذلك مناوئوه وشانئوه والحاقدون عليه.. وهم يعلمون صفاء تاريخه حتى وإن تظاهروا بغيره لأنّ شهواتهم على حساب عقيدتهم و دينهم وشعوبهم تمنعهم عن قول كلمة الحق وإنصاف الحقيقة.

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية 

الشيخ الإبراهيمي.. الرّحّالة الماهر الذي عرّف بالجزائر

الكتابة عن أعلام الدّعوة ورجال الفكر والتربية من الصّعوبة بمكان، فقد ينبري للكتابة عنهم من لا يستقصي تاريخهم ونشاطاتهم الفكرية والعلمية والتربوية والخيرية فيسيء إليهم أكثر ممّا يحسن، خصوصا إذا كان من يترجم له عالما موسوعيا طاف المشارق والمغارب، أو كانت نشاطاته بعدد أنفاسه، أو بعدد حركاته، ذهابا وإيابا…

ومن هؤلاء العلماء الأعلام الذين ذاع صيتهم في البلدان، وطارت شهرتهم في آفاق الدّنيا أمير البيان في الجزائر، الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى..

إنّ الحديث عن الشيخ الإبراهيمي يستنفد أوقاتًا ويستهلك مجلّدات تفوق العشرات، بل ربما تتجاوز المئات، لا لشيء إلاّ لأنّه أعجوبة زمانه، ودرّةُ عصره، ونجم دهره دلّ على كل ذلك موسوعيته في اللّغة والآداب والتّاريخ والشريعة الإسلامية – تفسيرا وفقها واجتهادا -وفقهًا للواقع الذي اكتسبه من رحلاته داخل الوطن العربي وخارجه، والتي كانت مفاتيح للتعريف بالشّأن الجزائري وما يعانيه الجزائريون في وطنهم من ظلم الاحتلال الفرنسي.. إلخ  …

وفي هذه الإطلالة النورانية من حياة الشيخ الإبراهيمي أقف على أهم ما ينبغي الالتفات إليه من حياته وسيرته رحمه الله تعالى.

مولده ونشأته: هو محمّد البشير بن محمّد السّعدي بن عمر الإبراهيمي، مجاهد جزائري من كبار العلماء .. ولد يوم الخميس 13/10/1306ه الموافق لــ: 12/06/1889 م في بلدة سطيف، ونشأ فيها وينتسب إلى قبيلة (ريـــــغة) الشهيرة بأولاد إبراهيم بن يحي بن مساهل..

الولادةُ العلمية للشيخ الإبراهيمي: ابتدأت حين بلغ من العمر ثلاث سنوات حيث دخل الكتّاب الشّائع في بيتهم، وقد تلقّى القرآن الكريم تلقينا عن جماعة من أقاربه الحافظين لكتاب الله تحت إشراف عمّه عالم الوطن كلّه في ذلك الزّمان، الشّيخ محمّد مكّي الإبراهيمي رحمه الله الذي كان حاملا لواء الفنون العربية من نحوها وصرفها واشتقاقها ولغتها… ولـمّا بلغ سبع سنين استلمه عمّه من معلّمي القرآن ليتولّى تربيته وتعليمه بنفسه، فكان معه لا يفارقه لحظةً حتّى في ساعات النّوم، مرتّبا له نظاما عجيبا في النّوم والأكل والدّراسة.. وحتّى في وقت المشي معه للفسحة لا يخليه من تلقين علمي، حتّى أتقن حفظ القرآن – في سنّ التاسعة – مع فهم مفرداته وغريبه، وكذا ألفية ابن مالك ومعظم الكافية له، وألفية ابن معطي الجزائري، وألفيتي الحافظ العراقي في السير والأثر، وجمع الجوامع في الأصول، وتلخيص المفتاح للقاضي القزويني، ورقم الحلل في نظم الدول لابن الخطيب .. وحفظ الكثير من شعر أبي عبد الله التلمساني شاعر المغرب والأندلس في المائة السّابعة، وحفظ معظم رسائل بلغاء الأندلس، بالإضافة إلى دواوين فحول المشارقة ورسائل بلغائهم، منهم المتنبّي، وصدرا من شعر الطّائيين، كما حفظ ديوان الحماسة، وغير ذلك كثير التي كانت كلّها بإشارة من عمّه العالم الجهبذ ..

ومن الكتب التي حفظها عن ظهر قلب بين يدي عمّه مكّي الإبراهيمي والتي كوّنت لدية ملكةً لغوية أربعة كتب هي :

  • كتاب “كفاية المتحفظ” للأجدابي الطّرابلسي
  • كتاب  “الألفاظ الكتابية” للهمداني
  • كتاب ” الفصيح” لثعلب   
  • كتاب “إصلاح المنطق” ليعقوب السّكّيت

ولــمّا بلغ الشيخ الإبراهيمي الحادية عشرة من عمره تدرّج معه عمّه الشيخ مكي في درس ألفية ابن مالك دراسة بحث وتدقيق، وقبلها أخذ كتب ابن هشام الصّغيرة قراءة تفهّم وبحث.. وحين بلغ أربع عشرة سنة وبعد إجازة عمّه له، ومباشرة بعد وفاته صار يدرّس العلوم التي اكتسبها من عمّه في زاويتهم ببيتهم، حيث انثال عليه طلبة العلم من البلدان القريبة منهم، وبقي هكذا حتّى بلغ عشرين سنة من عمره حيث تاقت نفسه (1911م) إلى الهجرة إلى الشّرق فشدّ رحاله – متخفّيًا – إلى المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام ليلتحق بوالده الذي فرّ من ظلم فرنسا إلى بلاد الحجاز سنة 1908م.

بين علماء الأزهر وأدباء مصر وشعرائها: ثلاثة أشهرٍ هي مدّة قصيرةٌ قضاها في مصر، ولكنّها كانت مباركة ومفيدة للشيخ

البشير الإبراهيمي، فما إن وصل إلى القاهرة حتّى اتّخذ سبيله إلى جامع الأزهر الشّريف، حيث كان حريصًا على حضور دروس العلم التي كان يلقيها كبار علماء الأزهر.. فممّن عرفهم وحضر دروسهم واستفاد منهم :

  • الشّيخ سليم البشري
  • الشيخ محمّد بخيت حضر  درسه في صحيح البخاري في الرّواق العبّاسي.
  • الشّيخ يوسف الدّجوي، حضر درسه في البلاغة.
  • الشيخ عبد الغني محمود
  • الشّيخ السّمالوطي، حضر لكليهما درسا في المسجد الحسيني .
  • الشّيخ سعيد الموجي، روى عنه الموطّأ بالسّند العالي، وحضر مجالسه بجامع الفاكهاني مع جمهور من الطّلبة، كما تولّى قراءة بعض الموطّأ عليه من حفظه.
  • كما كان له حضور في دار الدّعوة والإرشاد التي أسّسها الشّيخ رشيد رضا في منيل الرّوضة.
  • كانت له زيارة إلى أمير الشّعراء وشاعر العربية الأكبر أحمد شوقي، حيث أسمعه عدّة قصائد من شعره كان يحفظها له فتهلّل رحمه الله واهتزّ..
  • كما اجتمع بشاعر النّيل حافظ إبراهيم في بعض أندية القاهرة وأسمعه من حفظه شيئا من شعره كذلك..

في المدينة المنورة .. بركة العلم : في مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان للشيخ الإبراهيمي نشاط علميٌّ مكثّفٌ استفادة وتحصيلا وتقصيًّا ومجالسةً للعلماء.. فقد كان يطوف باحثا عن مجالس العلم التي يستفيد من علمائها .. من ذلك أنّه أخذ علم التّفسير عن الشيخ الجليل إبراهيم الأسكوبي، كما أخذ علم الجرح والتّعديل وأسماء الرّجال عن الشيخ أحمد البرزنجي الشهرزوري في داره أيام انقطاعه عن التّدريس في الحرم النّبوي، وكان من أعلام المحدّثين، ومن بقاياهم الصّالحة .. كما له حظ كبير في أخذ أنساب العرب وأدبهم الجاهلي، والسّيرة النّبوية عن أعجوبة الزّمان – حفظا للغة العربية ومعرفة بأنساب العرب وحوادث السّيرة – الشيخ محمّد عبد الله زيدان الشّنقيطي.. وأتمّ معلوماته في علم المنطق عن الشيخ عبد الباقي الأفغاني بمنزله.. حيث قرأ عليه الحكمة المشرقية التي كان قيّما عليها بصيرا بدقائقها.

بالإضافة إلى هذه الاستفادة العلمية المتخصّصة في مختلف العلوم والتي كانت المدينة المنورة سببا في نزول غيوث البركة والخير عليه، كان ينفق أوقاته الزّائدة في ألقاء دروس في العلوم التي لا يحتاج فيها إلى مزيد كالنّحو والصّرف والعقائد والأدب…

وبالجملة كانت له مذاكرات مع الشيخ أحمد خيرات الشّنقيطي سنين عديدة في اللغة والشعر والأدب الجاهلي، ومنه المعلّقات العشر، ومع الشيخ محمد العمري الجزائري في أمّهات الأدب المشهورة كالكامل للمبرّد و البيان والتبيين للجاحظ…

في المكتبات بين رفوف الكتب المطبوعة والمخطوطة: من دلائل التواضع العلمي عند الشيخ الإبراهيمي أنّه كان متّصلا بمصادر العلم من خلال المكتبات وما يظفر فيها من كتب خاصّة المخطوطة منها، حيث يمكث في المكتبات يطالع ويقرأ حتى استوعب معظم كتبها النّادرة قراءة.. ولشدّة حرصه على المخطوطات كان يستعير كثيرا من المخطوطات الغريبة من عند أصدقائه وتلامذته الشّناقطة..

يتعلّم ويعلّم ويقرأ ويستقرئ : حياة الشيخ الإبراهيمي حافلةٌ بالتميّز العلمي … فبين أورقة الأزهر الشريف، وفي مسجد الحسين رضي الله عنه، وفي مدينة رسول الله عليه الصّلاة والسّلام عند الرّوضة النبوية الشريفة، وفي بلاد الشّام التي احتضنته عالما ومربّيا ومدرّسا في مساجدها ومدارسها ومعاهدها، تناسلت المعرفة، وازداد العطاء الربّاني، ونمت عالمية الشيخ، الذي صار محلّ إعجاب من كثير من العلماء في العالم الإسلامي  الذين عاصروه وعايشوه عن قرب واستفادوا من علمه.

رحلات الإبراهيمي ودوافعها: كانت للشيخ البشير الإبراهيمي رحلتان خارجيتان، إحداهما إلى (باريس) والثانية داخل الوطن العربي والعالم الإسلامي(مصر) و(باكستان)، وذلك في مطلع 1952م ، والذي يهمّنا في هذه السّانحة الوجيزة رحلته إلى الداخل العربي والإسلامي خصوصا في مصر وباكستان.. ففي القاهرة التي أقام فيها في المرة الأولى من بداية الخمسينيات تسعة أيام، وهي فترة قصيرة جدّا التقى الشيخ خلالها كثيرا من الشخصيات السياسية الفكرية والعلمية، منهم عبد الرحمن عزّام الأمين العام لجامعة الدّول العربية الذي بادر بزيارته اعترافا منهم بمكانة الشّيخ.. والتقى كذلك ببعض أساتذة الجامعة الأزهرية ومديرها محمّد عبد اللّطيف درّاز، وقد بادل هو الآخر الزيارة لإدارة الجامعة الأزهرية ردّا على زياراتهم التي كانت تقديرا له ولمكانته في جمعية العلماء.. وعلى العموم كانت للزيارات المتبادلة بينه وبين الشخصيات الطبيعية والاعتبارية في مصر فوائد علمية جمّة، خاصّة لما عرف عنه أنّه نادرة الزّمان علما وفقها وسياسةً بإجماع كل من التقى به وحضر مجالسه العلمية..

أمّا رحلته إلى باكستان فقد كانت استجابة لدعوة وصلته من هنالك للمشاركة في مؤتمر الشّعوب الإسلامية في كراتشي باسم “مؤتمر العالم الإسلامي القديم” حيث كانت بداية هذه الرّحلة في العشرين من شهر مارس 1952م، وقد كان في استقباله في مطار كراتشي كل من مفتي فلسطين الشيخ(الحاج محمّد أمين الحسيني) والدّاعية الثّائر الشيخ (الفضيل الورتلاني) وبإقامته بالفندق حظي بزيارات استقبال الذين لم يحضروا في المطار، منهم (أبو بكر حليم) مدير الجامعة في كراتشي، وهو نفسه رئيس مؤتمر العالم الإسلامي، وغيره من العلماء والمسئولين والسّفراء والمفوّضين والوزراء، حتّى شعر الشيخ في نفسه أنّه بين أهله وفي وطنه الجزائر وذلك لما وجده التحام بين جموع الحاضرين من الشخصيات العلمية والسياسية والدبلوماسية البارزة التي كان وجودها في المؤتمر حسّا ومعنى له أكثر من دلالة دينية وقومية ووطنية وإنسانية.

هذا وقد كانت دوافع رحلته كثيرة وهي في مجموعها ترجع إلى أصل واحد من أربعة عناصر :

أولها: دراسة أحوال المسلمين

ثانيها: الاتّصال المباشر بعلماء الدّين الذين يقودون المسلمين إلى السّعادة وجمع كلمتهم على الحق والخير .

ثالثها: دراسة الوضع في الحكومات الإسلامية.

رابعها: الاطّلاع على اهتمامات الشّباب في هذه البلدان الإسلامية

ووراء هذا كلّه نوافل كثيرة أهمّها : التّعريف بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأعمالها للإسلام والعربية والتعريف بالجزائر والشمال الإفريقي.

إذن رحلات الشيخ الإبراهيمي سواء كانت لمصر أو لباكستان فتحت نوافذ فكرية وثقافية وسياسية ودينية لم تكن موجودة في وقت من الأوقات لولا هذا الوجود المثير منه رحمه الله في رحلاته، والتي أكسبته احترام وتقدير كل من التقى بهم، علماء دين كانوا، أو سياسيين، أو دبلوماسيين. كما كانت سببا في إدراج اسم الجزائر والتّعريف بقضيتها في مختلف البلاد التي طاف بها الشيخ رحمه .

يتبع في الحلقة القادمة

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

أحمد رضا حوحو.. الأديب الشهيد والوطني الثّائر/ الجزء الثاني.

الحلقة الثانية

(6)  فكرٌ ثريٌّ وقلــــــــــــمٌ سيّالٌ

لقد وجد أحمد رضا حوحو في الصّحافة مجالاً خصبا من مجالات الإنتاج الفكري والأدبي حيث ظهر إبداعه، وتميّزه، وغزارة عطائه وسخاؤه الذي يدلُّ على غناه في زمن القحط الثّقافي، والجدب الفكري، والاستبداد الفرنسي. فممّا ساهم فيه مساهمة فعّالةً تنوّع كتاباته بين المقالة، والمسرحية، والقصّة القصيرة. ففي المقالة نجد واقعية الكاتب في معالجة المستجدّات، والوقائع، والأمراض الاجتماعية. ولذلك تنوّعت مقالاته إلى:

*  المقالة السّيّاسية التي تعالج قضايا الوطن والوطنية، وتنبّه إلى مخاطر الاحتلال وأهدافه التي يسعى إلى تحقيقها.

* المقالة الاجتماعية التي تعنى بتنمية الحس الاجتماعي الحضاري، وتعالج أمراضه وآفاته، وتنبّه إلى سلبياته.

* المقالة الأدبية ذات الأسلوب المتميّز، والتي من خلالها ينمو الذّوق الأدبي ويسمو عند من يتطلّع إلى ذلك من المهتمّين بالأدب العربي.

(7) الأديب الفاضل يعرف الفضل لأهله

أهل الفضل يعرفون الفضل لأهله، ومن كان كذلك لا يمنعه مانعٌ من التنقيب عن فضائل من يعرف خصالهم من العلماء والأدباء والكتاب والمثقّفين والباحثين، والأديب أحمد رضا حوحو كتب ست مقالات في جريدة البصائر عن ستّة من أساتذة معهد عبد الحميد بن باديس وهم : النّعيم النّعيمي- أحمد حمّاني – عبد الرحمان شيبان – عبد القادر الياجوري – العبّاس بن الشّيخ الحسين – حمزة بوكوشة

(8)  بين الحجاز والجزائر .. غادة أمّ القرى

لعلّ أهمّ كتاب اشتهر به الأديب الشهيد أحمد رضا حوحوغادة أم القرى” وهو قصّة نشرها سنة 1947م صوّر فيها معاناة المرأة الحجازية، وما تجده من حرمان هضمها حقوقها في التعليم، وفي الرّأي، و في المساهمة الخيرية في المجتمع، ومن خلال هذه القصّة اتّضح أنّه لفت الأنظار إلى أنّ المرأة الجزائرية معنية بهذا يهمّشها خارج دينها ، لكونها تعاني نفس معاناة المرأة الحجازية لوجود المشترك الجامع بينهما وهو حرمانها من حقوقها، وهذا يدلّ على أنّ الجهل الذي كان سائدا في بلاد الحجاز ليس له أيُّ علاقة بالإسلام -الذي أعطى للمرأة كامل حقوقها غير منقوصة-، كما يدل على أنّ الاحتلال الفرنسي للجزائر هو من عمل على توظيف الجهل في المجتمع الجزائري حتى غرس فيه – بما قنّنه من مشاريع ثقافية – الأمّيّة الثّقافية والعلمية والحضارية قصد تنويمه وإدخاله في سراديب مظلمة من الجهل، وإلهائه عن دور كل من الرّجل والمرأة، وهي صورة قاتمة تشوّه مقاصد الإسلام وشرائعه.

فما توارثه المجتمع الحجازي عن المرأة هو الذي ساهم في رسم صورة غير صحيحة عن الإسلام، بحيث صار المتعارف عليه بين الناس هو ما لم يأت به الدّين الإسلامي، وهي الحال نفسها التي كان عليها المجتمع الجزائري أثناء الاحتلال الفرنسي ومازالت قائمة إلى الآن كإرث فرنسي لم يتحرر منه المجتمع الجزائري إلى غاية السّاعة .. فلذلك كانت قصّة غادة أمّ القرى مهداة إلى بنت الجزائر حيث خاطبها قائلاً: ” إلى تلك التي تعيش محرومة من الحبّ.. من نعمة العلم… من نعمة الحرّيّة. إلى تلك المخلوقة البائسة المهملة في هذا الوجود، إلى المرأة الجزائرية، أقدّم هذه القصّة تعزية وسلوى

إنّ قصّة غادة أمّ القرى بحاجة إلى دراسات تتضح فيها أبعاد الكاتب من وراء تأليفه لها، مع عقد مقارنة بين ما كانت عليه المرأة المسلمة في عصور الإسلام الذّهبية، وما جرّته إليها تعاليم الجهل التي غزت العالم الإسلامي بعد عصر الضّعف الذي اصطحب معه كل ألوان التخلّف.

(9) مسرحيات وقصص الكاتب حوحو

لقد ساهم أحمد رضا حوحو مساهمة كبيرة في كتابة مسرحيات ذات أبعاد ومقاصد سياسية، واجتماعية، وتاريخية، وتربوية. والتي منها:

  • عنبسة” وهي مسرحية سياسية عاطفية تقع في ثلاثة فصول، لايسع الدارس لأدب حوحو إلاّ أن ينوّه بها.
  • بائعة الورد” مأساة في خمسة فصول.
  • الأستاذ” وهي مسرحية هزلية تتألّف من فصل واحد، يدين من خلالها بقسوة المحيط الاجتماعي وما يعجّ به من نفاق وانتهازية. 
  • دار الشّرع” أو دار الخصومة، في ثلاثة فصول تناول فيها شخصية المأمون الخليفة العباسي وما كان يعجّ به القصر من صور سلبية وإيجابية.
  • نماذج بشرية ” وتضمُّ مجموعة من الأحاديث والخواطر والذّكريات، عكست تصرّفات وسلوكات شخصية هادفة
  • ملكة غرناطة
  • البخيل
  • الأديب
  • غادة أمّ القرى
  • صاحبة الوحي ” تعرّض فيها إلى صور الحبّ العفيف.
  • ابن الوادي
  • مع حمار الحكيم ” وفي هذه المسرحية عرّض الكاتب بالمثقّفين المتميّعين الذين يسعون إلى إدماج أنفسهم في المشروع الاجتماعي الفرنسي من خلال الزواج بأجنبيات، كما كشف فيها تخلّف وانحطاط المجتمع الظاهر في السّلوك وفي التّفكير.

إلى غير من الكتابات التي تتوزع بين النص المسرحي والقصة والرواية والمقالة السياسية والمقالة الاجتماعية .. وهي في مجموعها تخدم القضايا المشتركة ذات الأبعاد الدينية والاجتماعية والوطنية والسياسية.

(10) المشروع الثّقافي الطّموح والضخم

في 3 فبراير 1956 أعلن الأديب أحمد رضا حوحو في جريدة البصائر عن مشروع ثقافي ضخم وطموح تحت عنوان: “حاضر الثقافة والأدب في الجزائر” وراسل في هذا السياق العديد من المثقفين والعلماء من أجل أن يقدموا له سيرتهم الذاتية ويرسلوا له نسخا من كتبهم أو مخطوطاتهم. وفي هذا الإعلان لمشروعه الثّقافي رسالة إلى كل الأجيال الثّقافية، كأنّه يحمّلهم أمانة الاهتمام بالثّقافة والأدب، وأنّها ينبغي أن تكون عند المثقّف روافد يبني عليها مستقبله ، وهذا ما نراه غائبا حاليا عند كثيرين من المهتمّين بالثّقافة، حيث لا ثقافة لديهم إلاّ ما كان واردا أدبيا أو فكريا أو ثقافيا وهو يعكس صورة القابلية للانهزام.. فإذا انهزمت المجتمعات ثقافيا ودينيا يسهل عليها الانهزام عسكريا، وهذا ما أراد أن ينبّه إليه أحمد رضا حوحو.

(11)  اعتقاله واستشهاده

في 29 مارس 1956 اغتيل محافظ الشرطة بقسنطينة واعتقل حوحو من منزله على الساعة السادسة مساء ذلك اليوم ليودع بسجن الكدية، ومنه حُوِّل إلى جبل الوحش المشرف على مدينة قسنطينة وتم إعدامه هناك. وبعد استقلال الجزائر وجد جثمانه برفقة ثمان جثث أخرى مدفونة بشكل جماعي في حفرة واحدة بوادي حميمين ليعاد دفن رفاته بمقبرة الشهداء بالخروب.

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

أحمد رضا حوحو.. الأديب الشهيد والوطني الثّائر/ الجزء الأول.

حينما جثم الاحتلال الفرنسي على أرض الجزائر – كما هو معروف – أخذ أبعادا خطيرة استهدف مبادئ الإنسان الجزائري الدّينية، والسّيّاسيّة، والثّقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والحضارية بكلّ مكوّناتها، وذلك من أجل أن تبقى الجزائر رهينة التطلّعات الفرنسية الخبيثة وجعلها منطقة إستراتيجيةً تعود عليها خصوصًا والبلدان الأوروبية عموما بالمنافع الاقتصادية والدّينية والثّقافية التي تزيد من تمكين الاحتلال وتطويل عمره مادّيا ومعنويا. وقد سبق هذه الخطّة بعثات فكرية، وثقافية، واستشراقية، ومخابراتية دبّرت للمكائد الفرنسية وهيّئت لها الأجواء المناسبة حتّى تتمكّن من تحقيق برامجها وأهدافها .

ولكون الخطر الصّليبي قد ظهر عيانا ودون مواربة للمجتمع الجزائري بعد الإعلان الفرنسي عنه مباشرة من خلال استهداف المقوّمات الحضارية للأمّة الجزائرية بدأ الحراك الشّعبي الجزائري بالثورة ضدّه وإعلان مقاومته له. وقد أخذ طابع المقاومة الجزائرية أكثر من مسلك، فكانت المقاومة السّلبية التي سلكت مسلك الفرار من الوطن وهجرته، والتي كانت بالنّسبة للاحتلال الفرنسي إيجابية أهداها بعض الجزائريين وتخدم مصالح المحتل وتمكّنُ له. وفي المقابل ظهرت أشكال أخرى من المقاومة: كالعمل لمقاطعة الاحتلال بمستويات مختلفة، وحمل السّلاح في عدّة مناطق من الوطن. وقد كانت هذه الأشكال من المقاومة سببا في بروز مقاومة فكرية صلبة لا تخضع للاحتلال بما تدعو إليه من مقاطعة للمدارس الفرنسية، واللّجوء إلى معاهد الزّوايا، والمدارس الخاصّة، ومدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت حصونا قوية لصد الضربات التبشيرية والتنصيرية الفرنسية والأوروبية . وقد فرض الدّين الإسلامي فيها دوره الحاسم من خلال العلماء و المثقّفين ورجال الفكر في الجزائر .

وقد كان دور الكتّاب و المفكّرين واضحا وضوح الشّمس في رابعة النّهار، وجليًّا في العمل على حماية الوطن والمواطن من كيد الاحتلال، وفي فضح التّآمر الفرنسي الأوروبي على مستقبل البلد كونه وطنا له انتماؤه الحضاري، ونسبه العربي الأمازيغي الإسلامي، انطلاقا من روابط التّاريخ والجغرافيا واللّغة والدّين.

في هذا الجو المتشكّل بكل تقلّباته برز إلى الوجود التّاريخي الشّاهد الكاتب (أحمد رضا حوحو) ليرسم معلما من معالم المقاومة الفكرية والثّقافية والأدبية والجغرافية بما كان متمكّنًا منه، كونه معلّما، وصحفيا، وكاتبا، ورحّالة، ومصلحًا في كل مواقع المقاومة التي حل بها .

فمن هو الأديب أحمد رضا حوحو ؟

(1) في سيدي عقبة مدينة الصّحابي الجليل سيدي عقبة بن نافع الفهري بالجنوب الشّرقي الجزائري، ولد الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو سنة 1330 ه /1911 م حيث حفظ القرآن الكريم في الكتّاب كما هي عادة الأطفال الذين يرتوون من ينابيع القرآن، ولمّا بلغ السّادسة من عمره، التحق بالمدرسة الابتدائية، ثم أرسله والده إلى سكيكدة بعد النجاح في الابتدائية ليكمل دراسته في الأهلية عام 1928، ولم يتمكن من متابعة تعليمه الثانوي نتيجة السياسة الفرنسية التي تمنع أبناء الجزائر من مواصلة تعليمهم، ليعود “حوحو” إلى الجنوب ويشتغل في التلغراف بمصلحة بريد سيدي عقبة، وهذا ما زاده معرفة بأسرار الحياة، فكان يلاحظ الفرق البارز بين بيئتين مختلفتين : بيئة صحراوية قروية، وأخرى حضرية.

(2)  ريح عقبة في بلاد الحجاز : في سنة 1934م تزوّج وبعدها بسنةٍ شد رحاله بصحبةِ أفراد أسرته – الذين آلمهم تآمر بعض العملاء للاحتلال الفرنسي، فكانوا سببا في هجرتهم- إلـى بلاد الحجاز، وفـي المدينة المنوّرة عــلى ساكنها الصّلاة والسّلامُ، وبعد فترة وجيزة من استقراره بها التحق بكلّية الشّريعة التي كانت البركة فيها عليه ظاهرة، حيث ارتقى علميا في ميدان الشريعة الإسلامية، وتحصّل على أعلى الدّرجات، وهو الامتياز الذي أهلّه أن يكون أستاذا بها فيما بعد، وهي ميزةٌ تدلّ على تفوّقه ونبوغه الشرعي والأدبي.وكأنّه في هذه الهجرة يخرج ببريد السّلام من عقبة بن نافع إلى موطنه الأصلي في بلاد الحجاز ليشهد له ويزكّيه أنّه متشبّعٌ بروح الإسلام وفضائل العروبة ..

 (3) توظيف التّفوق الشرعي والأدبي والتّقني:

 النّابغة يجـــــد نفسه في أي مجال يوكل إليــــه خصوصا فيـــــما يتقـــنه ويحسن التّمنية فيه، والأديب أحمد رضا حوحو وجد نفسه كذلك، بل فرض تفوّقه الشرعي عندما اختير أستاذا في كلّية الشريعة، كما كان حاضرا في المجال المعرفي الأدبي السّياسي، إذ تبوّأ أعلى المناصب الأدبية في الكتابة الصّحفية ، فكان عنصرا فعّالاً يشار إليه بالبنان، كما هو الشّأن مع مجلّة الرّابطة العربية المصرية التي فتحت له صفحاتها حيث نشر فيها أوّل مقالٍ له بعنوان [الطّرقية في خدمة الاستعمار] وذلك في سنة 1937م عندما كان في المدينة الموّرة، وفي سنة 1938م عيّن سكرتيرا لتحرير مجلّة المنهل السّعودية بعد أن كان كاتبا ضمن طاقمها التحريري، حيث شارك في قسمها الثّقافي وقد ذاع صيته من خلال ترجمته لبعض النصوص والقصص من الأدب الفرنسي، واشتهر أكثر ابتداء من العدد الثالث الصادر في فبراير سنة 1937م  عندما قام بعرض واف لكتاب المستشرق المسلم والفنان التشكيلي العالمي الكبير ناصر الدين- إتيان- ديني الذي انبهر بجمال الصحراء الجزائرية، وقرر ان يقضي كل حياته بين أحضانها، وجعل من مدينة بوسعادة مرتعه الخصيب الذي يستلهم منه روائع لوحاته، ومبهرات ألوانه وأضوائه، إلى أن توفاه الله يوم 24 ديسمبر 1929 بـباريس، فرنسا، وأوصى أن يدفن في مدينة بوسعادة حيث يوجد الآن ضريحه ومتحفه.      

لقد مكث أحمد رضا حوحو مدّة سنتين مع مجلة المنهل ليستقيل بعدها حيث اشتغل موظفاً في مصلحة البرق والهاتف بالقسم الدولي، واستمر في هذه الوظيفة إلى أن عاد إلى الجزائر سنة 1946 بعد وفاة والديه.

(4) بين محاضن جمعيـــة العلمـــاء المسلمين الجزائريين:

وهـــي محاضن متنوّعـــة،فكرية، وأدبية، وإعلامية، وتعليمــية، وتربــوية وجد فيها متنفّسه خصوصا مع جمعية العلماء، وهذا ما كانت تطمحُ إليه نفسه، فهو كالسّمك إذا خرج من الماء مات، وهو كذلك، لا يجد نفسه إلاّ في بحر الفكر والعلم وما شاكل ذلك .. ففي سنة 1946م، وهي السّنةُ التي عاد فيها من الحجاز إلى أرض الوطن الجزائري. في قسنطينة عمل لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أستاذا مصلحًا وفق منهجها الإصلاحي والتربوي، وظهر ذلك في تدريسه وفي كتاباته، حيث جنّد قلمه وفكره لبث الوعي في النّفوس وحثّ الهمم، ومحاربة الاحتلال والبدع والخرافات وكل الآفات الاجتماعية التي تكبّل المجتمع -بقيود العبودية، ولتكون ظهيرا للاحتلال و ليعيث في السّاحة – بكل ألوانها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنّفسية – فسادًا وانتهاكا لحرمة الدّين والأرض والعرض.

من يتأمّلُ في الأبعاد التي يهدف إليها من خلال مقاله ” الطرقية في خدمة الاستعمار ” يدرك أنّه – وإن كان بعيدا بجسده عن الجزائر وعن جمعية العلماء الجزائريّين – على صلة فكرية وعاطفية ووطنية ومصيرية بهذه الأخيرة جمعية العلماء، كما أنّه في صفّ المقاومين بالكلمة والفكرة والسّنان للمحتل الغاشم .

(5) وظائفه ونشاطــــاته:

  • ·       عيِّن مديراً لمدرسة «التربية والتعليم» التي كان الشيخ ابن باديس قد أسسها بنفسه وبقي فيها ما يقارب سنتين
  • ·       انتدب لإدارة مدرسة «التهذيب» بمدينة «شاطودان» التي تبعد عن قسنطينة بحوالي 50 كيلومترا ولم يمكث فيها إلا مدة قصيرة.
  • ·       في 25 سبتمبر من 1946 نشر أول مقال في البصائر بعد عودتها إلى الصدور تحت عنوان (خواطر حائر)
  • ·       اشتغل في منصب كاتب عام بمعهد ابن باديس الذي فتح أبوابه سنة 1947م 
  • انتخب عضوا في المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذلك في سنة 1948م
  • في الأسبوع الثّاني من شهر ماي 1949م شارك في مؤتمر باريس الدّولي للسّلام، حيث مثّل الجزائر خير تمثيل.
  • في 27 أكتوبر قام بإنشاء جمعية المزهر القسنطيني ومن خلالها كان يعرض مسرحيات مثل: ملكة غرناطة، بائعة الورود، البخيل.
  • في سنة 15 ديسمبر 1949م أسس مع جماعة من أصدقائه جريدة الشعلة وتولى رئاسة تحريرها، وأصدر خمسين عددا منها . وكذلك كتب في جريدة البصائر.
  • قام بترجمة العديد من النصوص والكتابات في الأدب الفرنسي. وهذا على تمكّنه من ناصية اللغتين العربية والفرنسية.

يتبع…

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

رجال يشهد لهم التاريخ /// الشيخ حميدة الطّيّب المالكي المدني الجزائري.

الشيخ حميدة الطّيّب المالكي المدني الجزائري

كانت الحجاز، خصوصًا مكّة المكرّمة، والمدينة المنورّة مُنْتَوَى كلِّ عالم وصالح وناسك وعابد وزاهد يطمحُ إلى السّكنى بجوارهما حتّى يظفر ببركتهما لما ورد في فضلهما من أحاديث تدلّ على ذلك .. و لذلك كان العلماء يرحلون من بلادهم ويضربون أكباد الإبل، ويركبون البحار، ويواجهون المشاق والمخاطر – في طرقهم- أثناء سفرهم إلى بلاد الحرمين الشريفين ..

والمدينة المنورة على ساكنها ألف ألف صلاة و ألف ألف سلام كانت تستهويهم أكثر، و تجذبهم إليها أشدّ من رغبتهم في الجوار بمكة، وهذا حرصًا منهم على اكتساب بركاتها المتضاعفة، كما أخبر بذلك الرسول عليه الصلاة والسّلام، ولفيض حبّهم لمن اختاره الله تعالى أن يكون دفينا فيها وهو سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم..

ومن العلماء الذين حباهم الله بسكنى المدينة المنورة الإمام العلاّمة الفقيه المالكي الشيخ حميدة الطّيّب حيث انتهى به مطاف العلم أن يجد بتوفيق من الله تعالى نفسه في الروضة النّبوية الشّريفة على كرسي من كراسي أهل العلم مدرّسا وواعظا ومرشدا..

فمن يكون هذا الشيخ؟ و إلى أي بلد في الجزائر ينتمي؟ و أين أخذ العلم؟ و كيف كانت حياته ؟؟

(1)  هو حميدة بن علاّل الإبراهيمي المالكي المدني ، ولد رحمه الله بالجزائر سنة 1871م ببلدة عين بسّام .. و قد نشأ الشيخ كعادة بيوتات أهل العلم نشأةً صالحةً في أسرة عرفت بالتزامها بالدّين الإسلامي الحنيف ودفاعها المستميت عنه أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر .

(2)   تدرّجه في طلب العلم و رحلته فيه

(أ‌)   في زاوية الهامل القاسمية: عندما بلغ سنّ التّعليم بدأ بحفظ القرآن الكريم إلى أن ختمه كامـلا بروايتي ورش وحفص وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، بعدها انتقل من بلده عين بسّام إلى زاوية الهامل العامرة بالعلم والعلماء والصّالحين والتي كانت تضم بين أقسامها التعليمية أكثر من ألف 1000 طالب آنذاك، حيث جثا بركبتيه بين يدي أكبر وأشهر علمائها لينهل من علمهم و سلوكهم و تربيتهم، و بما فتح الله عليه و شرح له صدره انكبّ بشغف ليتلقّى مبادئ العلوم في بعض العقائد والنّحو والصّرف والفقه، ودروسًا في التّجويد أداء وقراءةً في نظم الجزية، مع حفظه لبعض المتون كما هي عادة زوايا القرآن والعلم .

(ب‌)  في معهد ابن باديس : بعد تخرّجه في الزّاوية و تسريحه كما هو مفهوم المصطلح عنـــــــــــــــــــــــد شيوخ

الزاوية شدّ رحاله العلمية إلى علاّمة الجزائر الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله حيث لازمه فنال من علمه و موسوعيته المعروف بها، فأخذ يقرأ مختصر العلاّمة خليل بن إسحاق المالكي بشرح الدّردير، والرّسالة لابن أبي زيد القيرواني، وسيرة ابن هشام، و قطعًا من أشعار الصّحابة، و ديوان النّابغة، والمعلّقات السّبع، وسنن أبي داود.. كما قرأ عليه تفسير الجلالين، و ألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل، ودروسًا في سلّم الأخضري في المنطق، ودروسا في السّعد البياني، و ظفر من بعض الشيوخ بقسم من موطّأ الإمام مالك بشرح الزرقاني، و شيء من مختصر خليل و غير ذلك من المتون .

و في المرحلة الثانية من طلبه العلم بدأ بدراسة بعض العلوم مثل: النّحو والصّرف والبيان والفقه والتّفسير والحديث والفرائض والتّاريخ الإسلامي .. و ختم تدريسا كتبًا كثيرة ساهمت في تكوينه الشرعي والفكري والتاريخي، من ذلك مثلا: موطّأ الإمام مالك، وصحيح مسلم، وسيرة ابن هشام .. كما ختم مطالعة كثيرا من الكتب الكبيرة والصّغيرة، منها: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، والإصابة في تمييز الصّحابة، والدّرر الكامنة، ولسان الميزان، وأسد الغابة في تراجم الصّحابة، والكامل في التّاريخ لابن الأثير، وتاريخ ابن جرير الطّبري، و كثيرا من التفاسير، وطبقات ابن سعد، وتاريخ ابن الوردي، وتاريخ ابن كثير، وتاريخ ابن خلدون مع مقدّمته، وتذكرة الحفّاظ للذّهبي، وطبقات الفقهاء الشّافعية لابن السّبكي، وطبقات الحنفية لعبد الحي اللكنوي، ومختصر طبقات الحنابلة لابن رجب، والدّيباج المذهّب لابن فرحون المالكي، وقرأ أيضا كتاب عقود الجمان، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي، وغير ذلك من الكتب في مختلف العلوم . و هذه الكتب درسها كلها في معهد ابن باديس ليحصل بعدها على الإجازة منه بتدريسها و نشرها في المدن والقرى والبوادي الجزائرية..

(3)  هجرته إلى بلاد الحجاز : من الأسباب الدّافعة له بالهجرة إلى بلاد الحجاز طغـــــيان الاحتـــــــلال الفرنسي

واشتداد ظلمه وتزايد عدوانه، حيث قرّر الشّيخُ حميدة الطّيب و هو في ريعان شبابه أن يرفض الخضوع للطّغاة الفرنسيّين أوالانصياع لأحكامهم الجائرة، وغاياتهم السّيّئة التي ترمي إلى نشر الفساد في البلاد الجزائرية و تمييع المجتمع وربطه بالقيم الغربية البهيمية .. فأخذ الشيخ ينشر دعوته سّرا بين من يثق فيهم لمقاومة الاحتلال، وذلك بزرع مفاهيم الثقافة الشرعية التي تبعث في الإنسان الجزائري المسلم الاعتزاز بدينه وعدم الرّضوخ لمطالب المحتلّ، فكان هذا الموقف الجهادي سببا في القبض على الزّعماء و إيداعهم السّجون أوتقتيلهم، وهو ما جعله متوجّسًا خيفةً منهم بعد أن أحسّ أنّ أنظار الصّليبية الفرنسية متوجّهةً إليه حيث فرّ تحت اسم حميدة التّواني – و هو نسبه لجدّه علاّل التوّاني – متوجّهًا إلى بلاد الحجاز هجرةً إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم .

(4)  صعوبة الرّحلة في ذلك الوقت: أهل الأندلس و المغرب العربي عموما عرفت عنهم رحلات كثيرة أرّخوا

بها للبلاد التي نزلوا بين مدنها في مجالات كثيرة شاهدوها ووقفوا عليها، وقد كانوا يمرّون بظروف صعبة، وأحوال شاقّة تعترضهم في رحلاتهم .. و الشيخ حميدة الطيب في رحلته إلى بلاد الحجاز عاني الكثير ونال من المشقّة ما نال إلى غاية أن أكرمه الله تعالى بالوصول إلى مكّة المكرّمة البلد الأمين، فأدّى مناسك الحج، وبعدها شدّ رحاله إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل بها وفي مخيّلته ذكريات الصّحابة المهاجرين الذين طاب لهم المقام بها، أوّل ما نزل قصد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث الرّوضة الشريفة المباركة، وقبر المصطفى عليه الصلاة والسلام، و البقيع الذي يضم بينه آلاف الصّحابة آلاف التابعين وآلاف العلماء والصالحين، وجبل أحد الحبيب المحب، ومسجد قباء، ومسجد القبلتين، و غير ذلك من المشاهد التاريخية …

أثناء وجوده بين أساطين المسجد النبوي الشريف تجلّت عليه أنوار العلم، وغمرته غيوث المحبّة لسيد الأولين والآخرين عليه الصّلاة والسّلام ومعه أدوات الكتابة بنية الاستزادة من العلم عند علماء المدينة المنوّرة وفقهائها وأدبائها فتألّفت معه قلوب من تعرّف عليهم، واتّسع نطاق معارفه بين النّاس، وطارت شهرته بعلمه بين أهل المدينة المنوّرة وعلمائها وطلاّب العلم فيها .. وهذه منحةٌ ربّانية قل من يفوز بها أو حتّى يحظى بشيء يسير منها.

(5)  دروسه في المسجـــــــد النبوي الشريف: نبــــوغ العالم وفقهه وقدرتــــه على اكتساب قلوب النّــــاس تكــــــــون

سببا في تبوّئه مراتب ومنازل لا ينالها إلاّ أصحاب العزائم و الهمم العالية سلوكا وتربية وعلما.. والشيخ حميدة الطّيّب كان له قدرٌ كبير من ذلك، فلم يمض على مكوثه في المدينة المنورة إلاّ يسيرا حتّى أضيف اسمه إلى قائمة علماء المسجد النّبوي الشريف الذين يدرّسون فيه، حيث تصدّر رحمه الله للتدريس فكان له ثلاث حلقات يومية: الحلقة الأولى: بعد صلاة الفجر، حيث يلتفّ طلاّبه من حوله، فيعقد حلقته لتدريس الفقه والألفية والآجرّومية مع شيء من التنويع بينهما .

الحلقة الثّانية: بعد صلاة العصر، وهي كسابقتها من حيث التفاف طلبة العلم حوله، وهو وقت مناسب لجميع الطلبة بحيث تمتلئ حلقته عن آخرها بسبب غزارة علم الشيخ، وللسّكون الذي يملأ ما بين جنبات المسجد النبوي المنيف، وفي هذه الحلقة كان يدرّس كتب القواعد .

الحلقة الثّالثة: و هي بعد صلاة المغرب، وكانت أكبر حلقات الشيخ يحضرها طلاّب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية، وفي هذه الفترة من الزمن بعد المغرب كان المسجد النّبوي الشريف كخليّة النّحل، لا تجد موضعا في المسجد إلاّ وهناك شيخ وحوله طلاّبٌ، لأنّ المسجد هو الجامعة والمدرسة الأولى الذي يحصّن رواده عقيديا وفكريا وثقافيا إن وجد أهله من العلماء الرّاسخين في العلم .

(6)  الحرب العالمية الأولى و الخروج من المدينة : حينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، والحرب العثمانية

المعروفة في عهد فخري باشا الذي حكم المدينة من 1916 إلى 1919م ، و قد عرف عنه أنّه كان متشبّثا بالدّفاع عن ا لمدينة المنورة و قد أبلى بلاء حسنا في ذلك حينما هاجمتها الجيوش العربية – التي كانت تدعمها الحكومتان الإنجليزية والفرنسية – مستمرًّا في المقاومة لأكثر من خمسة أشهر.وفي هذه الأثناء هاجر من المدينة أغلب سكانها مستوطنين بعض المدن و القرى الأخرى داخل الحجاز، كما هاجر بعضهم إلى مصر و الشام وغيرهما .. و كان الشيخ حميدة الطّيّب أحد الذين رحلوا إلى الشّام مكرّمًا معزّزًا مع عدد من طلبته و أهله، وهناك التقى بعلماء الشّام و بدأ يشتهر بين أهلها، وأصبحت له حلقة كبيرة هناك وطلاّب كثيرون رغم قصر فترة إقامته بالشّام ..

(7)  استقرار الأوضاع في الحجاز والرّجوع إلى المدينة:

وعندما استقرّت الأوضاع في الحجاز وانتشر الأمن وعاد الأمان رجع أهل المدينة الذين رحلوا عنها، بعد أن رجعت مياه المدينة إلى مجاريها، وعادت كراسي العلماء إلى إنفاقها العلمي عليها علماؤها، والشيخ حميدة الطّيّب من جملة العوائل التي عادت، و بدأ يمارس التّدريس ثانيةً  كما كان في الأوّل في المسجد النّبوي الشّريف كعادته مع حلقاته الثلاثة فجرا، وعصرًا، ومغربًا ..

(8)  في بيت الشيخ حمــــيدة الطّيب: كان بيـــــته مقصدًا لطلاّب العلم، مفتوحًــا لكــلّ راغب في البحث عــن

إجابات شرعية لما يشكل من مسائل تتعلّق بدين السائل أو دنياه، إن في العبادات، وإن في المعاملات بكل التّفاصيل، وهذا ممّا يدلّ على تبحّره في العلوم الإسلامية التي يحتاجها الناس، كما كان مشجّعًا للمتميّزين من الطّلبة، بحيث يقدّم منهم النّبيه و يأخذ بيده ليحتلّ المقام الأوّل بين العلماء، ويصبح عالمًا كبيرا له شأنه ومكانته ومنزلته، وهذا المسلك السّلوكي العلمي منه فتح باب الإقبال على العلم على مصراعيه في ميدان التنافس أمام الآخرين الذين لم يصلوا إلى درجات زملائهم من حيث التّمَيُّزُ ..

(9)  في عهد الملك عبد العزيز آل سعود: عندما حلّ عهد السّعودي في عصر الملك عبد العزيز آل سعود

رحمه الله عيّن الشّيخ حميدة قاضيا في المحكمة الشّرعية بالمدينة المنوّرة مع الشّيخ إبراهيم برّي رحمه الله ، ولكن لم يستمر في سلك القضاء طويلاً ، فقدّم استقالته وقبلت منه، وذلك ليتفرّغ للتّدريس ونشر العلم بين النّاس، ولا يريد أن يمنعه مانع عن ذلك، حتّى ولو كان فيه الأجر والثواب إذا كان يحول بينه وبين العلم .

(10)  تلاميذه الذيـــــن أخذوا عنه :لا شكّ أنّ الفترة الزّمنية الـــتي تجاوزت الأربعين سنــــة بين أساطــــــــين المسجد

النّبوي الشريف قد حفلت بإنتاج علمي غزير أثمر عددا كبيرا من الطّلبة الذين استفادوا من علمه الشرعي، وعطائه الفكري، ووعيه التّاريخي . ولعلّ عالمًا واحدا، و مربيًّا متميّزا من تلاميذه – الأستاذ عمر عادل التّركي مؤسّس مدرسة النّجاح بالمدينة المنورة – يعطي من خلال انطباعه الشّخصي عن شيخه حميدة الطّيّب مختصر الاستفادة منه فيقول: ” عجبا لأسلوبه في التّدريس يؤثرك حديثه الجميل وهدوؤه الجمُّ، يدخل كلامه إلى القلوب ويجعلها تقشعرُّ من خشية الله سبحانه و تعالى “  هذا وقد تخرّج على يديه كثير من العلماء، من بينهم من تولّى القضاء في محاكم المدينة أو غيرها، و منهم من تخصّص في التّاريخ والأدب، منهم : الأستاذ محمّد حسين زيدان، والشيخ جعفر فقيه .

(11)  علماء أجلاّء في مجالس تدريسه: في شهــــر رمضـــان كان يأتيــــه ثلاثة أو أربعة علماء أجــــلاّء من مكــــّة

المكــــرّمة ليتدارسوا عنده السّيرة النّبوية لابن هشام، و هم :الشيخ محمد نور سيف المهيري المالكي[1905-1983م]، وشاعر الرّسول صلى الله عليه وسلم الشيخ محمّد أمين كتبي[1909-1984م] ، والشيخ حسن المشّاط [1900-1979م] .. ووجود مثل هؤلاء العلماء للتعلّم عنده يدل على رسوخه العلمي، وأنّه كان منارة علمية يحج إليها كثير من العلماء الرّبّانيين .

(12)  بين الهامل و معهد ابن باديس كـــان العلـــــم النفيس: مـــــن يتأمّل ويتدبّر في العلاقة بيـــــــن زاويــــــة الهامـــــل

القاسمية ومعهد ابن باديس رحمه الله الذي أسّسه على منهاج جامع الزّيتونة يدرك أنّ التّعليم في ذلك الوقت كان راقيًا وممتازًا، وليس كما هو الشّأن حاليًا، إذ المستوى العلمي خصوصا في التعليم الشرعي يشهد تراجعًا رهيبا، كونه غير معتمد على ما كان عليه السّلف في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وزوايا التعليم القرآني التي كانت رائدة في تكوينها العلمي و الروحي لطلاّبها، وعليه فوجود مثل الشيخ حميدة الطّيّب على كرسي التدريس في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحديدا في الروضة الشريفة يفسّر لنا أنّ العلم الذي كان متوفّرا ومحافظا عليه و ملزما به لكل طالب علم في هذه المعاهد والزوايا جدير بأن يحظى أهله بهذه المكانة السّامية ..

و من هنا فإن بعث التعليم الشرعي من جديد إن أردنا أن تعود الحياة الاجتماعية إلى طبيعتها الأصيلة لا بد من توظيف مقرّراته السابقة مع مراعاة التّطّور العلمي الذي يخدم رسالة الإسلام، وحتّى لا يسود الجهل و يعم ظلامه.

(13)  بعض مؤلّفاته:

*    الثمر الدّاني في التّوحيد الرّبّاني

*     التّمكين في الوصول لطريق سيّد المرسلين

*     المسالك في ألفية ابن مالك

*     الآثار في بلدة المختار

*     آراء في أحوال أهالي طيبة ودمشق الفيحاء

(14)  وفاتـــــــــــــــــــه: بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي و التربية الرّبّانية قضاهما داخل الروضة النبوية الشريفة، وعلى

أرض المدينة المنوّرة التي درج فوقها آخذا من أضعاف بركاتها وعبيرها وأنوار ساكنها عليه الصلاة والسلام، حيث تنسّم روائحها الزّكية الطّاهرة، واستنشق هواءها الإيماني العذب الذي كان يمدّه بأكسوجين العمل الصالح والعطاء المانح انتقل إلى جوار ربّه في أفضل يوم من أيام الأسبوع، يوم الجمعة غرّة جمادى الثانية 1362م الموافق لــ5 ماي 1943م، فرحمه الله برحمته الواسعة أجزل مثوبته في علّيّين مع النّبيئين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا . 

إعداد الأستاذ أبو القاسم العباسي