أرشيف التصنيف: أقلام

جبهة التحرير .. من خيضر الى بعجي !

سنة 1937 بادر المجاهد محمد خيضر المنحدر من ربوع بسكرة بتأسيس جريدة باللغة العربية، سماها الشعب، عين في رئاسة تحريرها الشاعر مفدي زكريا، وفي عددها الأول نشر زكرياء مقالا “جهنميا” ضد فرنسا التي لم تتوان في غلق الجريدة وملاحقة من وراءها في نفس اليوم، وبقي اسم جريدة الشعب يرن في أذن خيضر وغصة في حلقه الى غاية الاستقلال.
بعد استرجاع السيادة الوطنية العام 62 كان خيضر وهو الرجل الأول في جبهة التحرير الوطني دون منازع على خلاف سياسي عميق مع بن بلة وبعده مع بومدين، لكن ذلك لم يمنعه في ديسمبر 62 وهو الرجل المؤثر في أوساط الجبهويين، من الذهاب الى القاهرة للقاء عبد الناصر وطلب منه بشكل شخصي وصريح مطبعة، فأعطاءه عبد الناصر ما طلب وزاده عنها عددا من التقنيين والفنيين المختصين الذين رافقوا المطبعة الى غاية أن تحكم في تشغيلها العمال الجزائريون، وأطلق خيضر جريدة بإسم الحزب اسمها الشعب تيمنا بالجريدة التي اغتالتها فرنسا في عددها الاول سنة 37، وعين في رئاسة تحريرها محمد الميلي ابن العلامة مبارك الميلي، لكن بن بلة ظل يتحرش بالشعب الجريدة وبالميلي رئيس التحرير وبخيضر المتحكم في مفاصل الجبهة، ويتصيد أخطاءهما، وفي يوم من أيام العطل الوطنية المدفوعة الأجر، ذهب الرئيس الى مقر جريدة الشعب فوجدها خالية على عروشها ولم يجد فيها سوى العربي الزبيري الذي تحجج بالعطلة لتبرير عدم صدور الجريدة، فأمره الرئيس بإحضار الميلي فورا، وعندما وصل الميلي كان الرئيس يبحث عن طريقة تعجيزية لانهاء مهام الميلي، فقال له “دبر محاينك” الجريدة لازم تخرج غدوة، رد الميلي بأن الوقت قد تجاوز العصر والصحفيين والتقنيين لا يمكن جمعهم بسهولة، لكن الرئيس نهره وطلب منه تنفيذ الأوامر والا سيكون حسابه عسيرا.
يروي العربي الزبيري أنه وجد نفسه في ورطة كبيرة مع صديقه ورئيس تحريره محمد الميلي، فمطلوب منهما إنجاز عدد كامل من الجريدة (الحجم الكبير وليس الحجم الحالي) لوحدهما ودون مساعدة أحد وبوسائل بدائية. يقسم الزبيري أن عددا من الصفحات كتبها بأصبعه مع الحبر (..) وأن الصور خاصة صور الرئيس بن بلة ملأت صفحات الجريدة تقريبا لنقص المواد التحريرية وأنه مع آذان الفجر كانت الجريدة جاهزة للطبع وأن الرئيس دخل مكتبه صباح اليوم الموالي وطلب جريدة الشعب قبل أن يطلب قهوته ليصدم بها بين يديه !
ورغم ذلك ظل بن بلة يتحرش بالميلي يريد إقالته بسبب موقف الرئيس من جمعية العلماء التي ينتمي لها الميلي لولا الحماية التي حضي بها الأخير من محمد خيضر، والاحترام الذي يحضى به من الجميع، إلا أنه وفي يوم من الأيام داهم رجل في حالة هستيريا اسمه علي مفتاحي مكتب الميلي وشتم الميلي بأقبح الأوصاف دون سابق إنذار ولا مبرر مستغلا حالة الهدوء والرزانة التي يعرف بها الميلي، وقال له أن المكتب الذي يجلس عليه لا يستحقه وأنه يتعين عليه أن يأتي بزوجته زينب الميلي لتدافع عنه ! وهي الكلمة التي حولت مكتب الميلي الى حلبة ملاكمة دامية شارك فيها العربي الزبيري ملاكما ومدافعا عن رئيس تحريره.
أرسلت التقارير إلى الرئيس بن بلة عن الحادثة وكان يتوقع الجميع أن يعاقب الرئيس هذا المخبول، لكن الرئيس فاجأ الجميع وعين هذا المخبول علي مفتاحي الذي تهجم على الميلي عينه مديرا على الميلي في جريدة الشعب، بقي الميلي بعدها أياما ثم غادر رئاسة التحرير طواعية.
أطبق بن بلة الحصار على محمد خيضر فدفع دفعا الى الهجرة الى القاهرة قبل التصحيح الثوري، وكانت علاقاته قوية جدا في القاهرة ثم حاول الرجل أن يعود الى الجزائر بعد التصحيح الثوري فوصلته رسائل تحذيرية من المحيطين بالرئيس بومدين، تقول له أن دخوله يعني الموت خاصة مع المصير المحتوم لصهره آيت احمد وصديقه بوضياف، بعدها إكتشف خيضر أن القاهرة ليست المكان الأنسب له فطار الى فرنسا ومنها الى إسبانيا حيث استقر مع عائلته، ومع القبضة الحديدية للرئيس بومدين، بدأ خيضر يلملم شتات رفاقه في الخارج ويتحرك ضد النظام الجديد الذي يقصي رفاق السلاح وخيرة سواعد الكفاح المسلح، فتكررت لقاءاته مع آيت احمد وبوضياف تارة في اسبانيا وأخرى في فرنسا وأخرى في المغرب حيث استقر المقام ببوضياف، وكانت تلك التحركات تزعج بومدين الى الحد الذي جعله يفكر فيما يفكر فيه أي حاكم يريد الحفاظ على حكمه، وطبعا لم يعجز جهاز قاصدي مرباح عن إيجاد التهم المناسبة لكل واحد منهم بداية من كريم بلقاسم المغتال في ألمانيا الى آيت أحمد المقيم في سويسرا الى خيضر في اسبانيا الى بوضياف الى جميع من اختار المنفى ليعارض التصحيح الثوري.
شدتني التهمة التي اغتيل على أساسها خيضر وهي سرقة خزينة الحزب ! سألت عن خليافتها فقيل لي إن لها قصة طويلة حدثت بين خيضر وبومدين في القاهرة لا يعرفها إلا من تحدث لهم خيضر بنفسه ..
نهاية الأربعينيات شق بومدين طريقه مشيا على الأقدام إلى القاهرة بعد أن رفضت قبوله مدرسة الكتانية، وعندما وصل القاهرة غير مبعوث من أحد كان صعبا أن يجد من يتقبله بسهولة، حينها كان خيضر أحد أهم المناضلين الجزائريين الذين يحضون بالاحترام في القاهرة فقد وصلها قبل بن بلة وفضل من أصدقائه نخبتها ومثقفيها. تولى خيضر شأن بومدين الذي وجد نفسه تائها في القاهرة وأعطاه 25 جنيها لكراء بيت، وساعده في دخول الأزهر الشريف. تدور الأيام ويلتحق طلبة جدد بالقاهرة لم يجدوا مأوى لهم فأخذهم خيضر عند بومدين الذي كان يسكن لوحده بغرض إسكانهم رفقته، يقول الراوي أن بومدين رفض ذلك مطلقا وتشاجر مع خيضر شجارا عنيفا جعل الاخير يصفع الاول ويصفه بالسراق !! أعتقد أنها الكلمة التي جرحت بومدين وبقيت ترن في أذنه وهي نفس الكلمة التي أغتيل لأجلها خيضر في إسبانيا سنة 67 عندما وصفه المحيطون ببومدين بالسراق !! بومدين متهم بسرقة 25 جنيها مصريا وخيضر متهم بسرقة خزينة الحزب !
في جانفي 67 كان خفافيش الظلام قد رصدوا حركة خيضر في إسبانيا متى يدخل ومتى يخرج وأين يذهب، وفي صبيحة باردة كان خيضر قد سبق أبناءه في الخروج من بيته لتسخين السيارة ليجد نفسه بين يدي مسلحين اثنين افرغا فيه مسدسيهما ولاذا بالفرار، ليجده أبناؤه يسبح في بركة من الدماء حيث قضى الى بارئه قبل أن يرى الجزائر التي يحلم بها.
ناضل خيضر لتحرير الافلان من بن بلة وناضل قايد أحمد ومحمد الصالح يحياوي لتحريره من بومدين مثلما ناضل مهري لتحرير الافلان من الانقلابيين بداية التسعينات ولعل آخر الأمناء العامين المحترمين للأفلان هو بوعلام بن حمودة الذي طرده بوتفليقة لأنه أراد الاحتفاظ للحزب بقيمته واعتباره وقوته وتنوع التيارات داخله، لكن الذين جاؤوا بعد بن حمودة كلهم ذبحوا الحزب تباعا عندما نصبوا بوتفليقة رئيسا إما فعليا أو رسميا للحزب وربطوا جهازه الصري بثقافة “الإيعاز” وجعلوا من قرارات الحزب تابعة لأهواء الحكومات المتعاقبة لذلك تحول الحزب الى أكبر بؤرة فساد في الدولة وهو في حاجة اليوم الى تطهير وإعادة صياغة تتناسب مع جزائر ما بعد الحراك ..
رحم الله محمد خيضر

بقلم الاعلامي / محمد يعقوبي

“الضاد” الحرف الذي جمع بين العربية والأمازيغية وجسد الانصهار والاندماج وحقق الوحدة و الإنسجام.

بحضور السيدين: رئيس دائرة عين وسارة ورئيس المجلس الشعبى البلدى والسيد عميد الشرطة وممثلى الدرك الوطنى ومؤسسة إعادة التربية وأئمة وفوج الامل للكشافة الإسلامية وجمع من المواطنين والشباب والمهتمين والأساتذة والإعلاميين ،إنطلقت صباح اليوم من المكتبة العمومية بعين وسارة وكان من ضمن الفعاليات محاضرة قدمتها حول الأمازيغية وأصول الإحتفال “بيناير “وتمحورت محاضرتى حول عدة محاورأبرزها:
– بيان أن الأمازيغية ليست قضية عرقية بل تراث وثقافة وقيم وتفاعل الإنسان مع الجغرافيا فولد حضارة قائمة على التعايش والإمتزاج.
– بينت أن لا علاقة بين” الناير” وشيشناق بل المسألة مرتبطة بتقويم وحساب له علاقة بالموسم الفلاحى الزراعى بدأ العمل به فى 42 ق.م وأن تبنى يوم أول يناير للاحتفال للأمازيغية فى الجزائر فى نهاية الستينات وبدايات السبعينات وهذا بسبب عدم معالجة القضية الأمازيغية فى وقتها كمكون ثقافى حضارى وتم أدلجة المسألة وتسيسها .
وأن الأمازيغية ليست محصورة فى منطقة القبائل بل هى تعبير عن 12 مجموعة أمازيغية منتشرة فى الجزائر فى بلاد زواوة وشرق الجزائر وفى شرشال وفى بنى سنوس بتلمسان والتوارق بتعددهم فى الصحراء الكبرى وكما نحتفل “بيناير” فإننا نحتفل مع التوارق برأس السنة التارقيةالمصادفة لمناسبة عاشوراء وهى ما يعرف عندهم فى جانت وغيرها ب: ” سبيبا ”
– تحدثت عن أن المسألة الأمازيغية جاءت أيضا كرد فعل عن فكرة القومية وأن القومية الأمازيغية رفعت شعار أصابع اليد الثلاث (كما هو فى الصورة)ومعناها : الأرض -واللغة- والإنسان – وبالأنازيغية:(أكال-أوال-أفكان-)وأن التعددالذي رفضته القومية العربية برز مقابله الإنعزال ورفض الانصهار من طرف الأمازيغ .
ولذلك كان الاستعمار الفرنسي هو من أحيا الأمازيغية أو حاول جعل منها قضية عرقية وهذا بهدف تفتييت المقاومة الجزائرية وهذا مابينته بنصوص قانويةصدرت عن فرنسا الإستعمارية وظهر فى كتابات كثير من الأنتروبولوجيين الفرنسيين مثل ما ورد فى كتاب ” جزائر الأنتروبولوجيين” لمؤلفيه الفرنسيين “فليب لوكا”و”جون كلود فاتان”
– كما أبرزت أن الأمازيغ والعرب جمع بينهما الإسلام وكان هناك إنصهار وإندماج وتزاوج وتمازج وأن كثير من رموز الأمازيغية خدموا العربية أكثر من غيرهم مثل ما هى عائلة “السمعوني” الأمازيغية التى هاجرت إلى الشام وكان منها ” الشيخ طاهر الجزائري ” مؤسس المدارس والثانويات العصرية ومؤسس المكتبة الوطنية السورية والتي كانت تعرف ” “بالمكتبة الظاهرية” وهو أحد الأركان المؤسسين لمجمع اللغة العربية هناك فى 1919 وأسس المكتبة الخالدية فى القدس وقام بفهرستها سنه1900.
كما تحدثت عن” ألفية إبن معطى”التى ألفها إبن معطىالزواوي الجزائري وعلى منوالها ألفت ألفية إبن مالك وتحدثت عن “محمد بن على إبراهيم السوسى الأمازيغي مؤلف كتاب “الحوض ” كتبه بالأمازيغيه بحروف عربية وهو على “الرسالة لأبي زيد القيروانى”
وتحدث عن ” متنبى الأمازيع ” الشاعر “سى محند أومحند” الذي له ديوان شعر بالأمازيغية بحروف عربية
– وتحدثت عن إشتراك الأمازيغية والعربية فى حرف” الضاد” كما ذكر ذلك “عمار أوزقان”فى كتاب “الجهاد الأفضل”وأشرت إلى دور التوارق والإباضية فى خدمة الإسلام والعربية منذ تأسيس الدولة الرستمية بالجزائر .
كما تحدثت عن بعض معانى الطقوس الاحتفالية المرتبطة بفكرة الفرح والاحتفال والغناء والرقص والمسرح والفولكلور وأمتزجت فيه الأسطورة بالتاريخ ببعض العادات الدينية والشجاعة والانتصار والحرب والرموز مما يفسر أنواع من الرقصات أو إرتداء بعض الأقنعة وبعض العادات .
وحييت جهود الدولة الجزائرية فى تبنى قضية الأمازيغية ودسترتها وترسيمها وتنظيم يوما إحتفاليا رسميا لها وأيضا الاعلان عن تشكيلة “المجمع الجزائري للغة الأمازيغية” لنخرج القضية من الأدلجة والتجاذبات الحزبية والنعرات العرقية الطائفية أو حتى مرجعيات أجنبية ك: الكونغرس العالمى للأمازيغية …
                                                                                                                                     الأستاذ الدكتور : عطاءالله فشار

” قفا نضحك ” إصدار جديد للمدون والكاتب الساخر ” مصطفى بونيف ” .

“قفا نضحك ولكنه ضحك كالبكاء”.. إصدار جديد للمدون والكاتب الساخر  ” مصطفى بونيف ” الصادر عن دار الأمة وهي المجموعة القصصية الأولى للمؤلف .. تحتوي على قصص قصيرة ساخرة تجمع بين السياسة والمجتمع في 21 قصة وقد اعتمد فيها على أسلوبه الخاص آملا أن تجد طريقها إلى قلوب قرّائه ومتابعيه وزوار معرض الكتاب سيلا 2018.

 وعن مؤلفه الجديد يقول الكاتب موستافا:

” لم يكن الأدب الساخر أمامي خيارا …بل وجدت نفسي مجبرا على اقتحامه…لا أستطيع أن أكتب الشعر و الخواطر والروايات ..فهي فنون أدبية لها أهلها ..ولها قواعدها و أصولها أيضا، أما عن نفسي …لم أجد نفسي إلا ذلك الرجل الحزين والذي يعبر عن حزنه في شكل ” سخرية ” و ضحك أمام هذا الحطام الإنساني والأخلاقي.
لا يمكنني أن أبكي على الأطلال كما فعل امرؤ القيس…لكنني أضحك عليها …فأحيانا يصبح الضحك أعلى درجات البكاء.
ولقد عبر عن هذه الحالة النفسية ..الشاعر المتنبي حين وجد مصر في فوضى ..ولا حاكم لها
وكم ذا في مصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا …!!
لهذا قدمت كتابي ” قفا نضحك ” …الذي احتوى على مجموعة من القصص القصيرة تضمنت سخرية من واقع مرير..صنعه مسؤولون فاسدون…وشعب فاسد أيضا …
تنقلت في هذا الكتاب من كوخ حمامة إلى قبة البرلمان إلى مستويات أعلى معتمدا على الرمزية …ومستويات منخفضة معتمدا على لغة الشارع …في وجبات سريعة …و صادمة أحيانا …
قدمت لكم كتاب ” قفا نضحك ” …كوجبة افتتاحية للبداية …بداية لمغامرة الكتابة…قد تلحقها مغامرات أخرى أكثر جرأة….وضحكا على أطلال صنعناها نحن !.

نبذة عن المؤلف : 

الكاتب ” مصطفى بونيف ” ابن مدينة عين وسارة المولود سنة 1978 والمتحصل على شهادة ليسانس في الحقوق وماستر في الفنون الدرامية تخصص اخراج ، له العديد من المقالات المنشورة في عديد المنتديات العربية والمواقع الالكترونية.

عين وسارة : إصدار جديد للأستاذ ” مصطفاي عمر “بعنوان ” علوم البلاغة في القرن العشرين “

صدر مؤخرا عن دار النشر ” E-KUTUB “ بالمملكة المتحدة ، مؤلف جديد للكاتب عمر مصطفاي بعنوان ” علوم البلاغة في القرن العشرين ” يتضمن 395 صفحة.
هذاوقد صدرت الطبعة الأولى منه في المملكة العربية السعودية عن مكتبة العبيكان، أما الطبعة الثانية (الورقية والإلكترونية) فقد نشرتْ قبل حوالي أسبوع وقد تكفلت بطبعه ونشره دار إي كتب ببريطانيا.

وهذه روابط الكتاب:

للاطلاع على النسخة الورقية عن طريق موقع أمازون: اضغط هنا
للاطلاع على النسخة الإلكترونية عن طريق قوقل بوكس:اضغط هنا 

دراسة تحليلية للانتخابات المحلية ليوم 23 نوفمبر 2017 ( بلدية البيرين نموذجا ) / بقلم الأستاذ بن عطاء الله محمد.

     شهدت الساحة السياسية في الآوانة الأخيرة حراكا شديدا تمثل في انتخاب المجالس المحلية الولائية والبلدية  وقد سبق هذا الاستحقاق تململ فئات كبيرة من المجتمع سعت كلها لتهيئة الرأي العام وشحنه سيما في ظل التسيب والإهمال والاستهتار بمصالح المواطن وإهدار المال العام في مشاريع وهمية وبأرقام خيالية فاقت كل التصورات من طرف المجالس السابقة مما جعل القاصي والداني يفكر في الظفر بمقعد في إحدى المجالس ,  وقد تباينت واختلفت أهداف المرشحين ما بين من يرى نفسه أهلا لتسير شؤون البلدية و انه هو  البديل , وبين من يرى أن الظفر بمقعد في البلدية سيحقق له مغانم جمة خاصة إذا علمنا أن جل المنتخبين السابقين قد انتفعوا وتحسنت ظروفهم المادية بعد ما أصبحت النسب  المئوية في المشاريع حق من حقوق المنتخب …بالإضافة إلى حجم المشاريع التي نالها المقاولون المنتخبون دون مناقصات كما ظهر الثراء الفاحش على الكثير من عائلات وأقارب وأصدقاء بعض المنتخبين الأمر الذي اسال لعاب الكثير من الطامعين  فانطلقوا يجمعون ملفات الترشح من كل من يصادفهم في الطريق بغض النظر عن ماهية المترشح وسيرته  …ولمعالجة هذا الموضوع بموضوعية وبعيدا عن الذاتية أخذنا بلدية البيرين نموذجا في هاته الاستحقاقات طارحين تساؤل عام

  • كيف جرت العملية الانتخابية برمتها في بلدية البيرين ؟

من خلال هذا التساؤل نجد أنفسنا ملزمين بطرح تساؤلات جزئية

  • ما هي الفئات التي ترشحت لهاته الاستحقاقات؟
  • كيف جرت الحملة الانتخابية ؟
  • ماهو حجم الحضور الجماهيري للتجمعات و اللقاءات الجوارية ؟
  • كيف كان الإقبال الجماهيري على صناديق الاقتراع ؟

لم يعد مصطلح الترشح لمجلس ما مقتصرا على فئة معينة بذاتها  الفئة (المتعلمة )مثلما كان الأمر في السابق بل أصبح الترشح للبلدية أو للمجلس الولائي أمرا عاديا ومتاح للجميع بغض النظر عن المستوى العلمي أو الثقافي أو حتى السيرة الذاتية , وهذا ما لوحظ في الاستحقاقات السابقة حيث جاءت القوائم التي تقدمت للاستحقاقات متفاوتة من حيث المستوى العلمي والمركز الاجتماعي للمرشحين بل حتى أنها كانت صادمة في بعض الأحيان نظرا لنوعية المرشحين وهنا ندرك حجم الفشل الذريع الذي لازم المجالس السابقة وكذا إساءة تسير شؤون البلدية جعل الكل  يفكر في أنه الأجدر و الأقدر على التسيير الحسن , ناهيك على علامات الثراء التي بدت على جل الأعضاء السابقين مما فتح شهية الكثير للظفر بعضوية يستطيع من خلالها تحقيق مأرب مادية  , فراح كل واحد يدلي بدلوه وظهر إفلاس بعض القوائم جليا خلال الحملة الانتخابية والتي بدأت قبل أوانها لدى بعض المرشحين في حين اكتفت بعض القوائم بالسكوت المطبق وكأن الأمر لا يعنيها بل انه بدت بوجه شاحب , ولعل الرابح الأكبر في هذه الحملة الانتخابية هو الذي امتاز بالجرأة والشجاعة والموضوعية.

لقد استطاع بعض المرشحين الاستفادة من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها المجالس السابقة في تسير شؤون البلاد والعباد فكانت هي برامجهم , لقد استطاع أحد المرشحين  بجرأته  أن  يميط اللثام ويكشف عيوب سابقيه بموضوعية دون المساس بمقام الرجال, ولعل هذا ما جعل غالبية المواطنين تلتف حوله مساندة ومؤازرة , وفي خضم الخطاب الراديكالي الذي أسس له ذات المرشح بدا قطب أخر كان يظهر انه شرس في البداية لكنه استسلم في الأخير أمام قوة واستمرارية القطب المنافس والذي تذكرنا من خلالهما الحرب الباردة بين القطبين نهاية الحرب العالمية الثانية ., وهنا لم يستطع الخطاب المعتدل أو أصحاب البرامج السيطرة على الميدان إذا أن غالبية المواطنين استهواهم صراع القطبين فلم يكترث لبقية القوائم على الرغم من الجدية التي تحلى بها البعض أي أن بعض القوائم راحت ضحية لخطابين متناقضين استحوذ على قلوب المواطنين.

 أما عن الحضور الجماهيري للتجمعات الشعبية فقد كان مميزا لبعض المرشحين ومحتشما للبعض الأخر ويعود ذلك كله للنقاط التي عرجنا عليها سلفا , فلغة بعض المرشحين كانت آلية مفيدة للاستقطاب الجماهيري حيث أصبح الكثير يجد ضالته لدى الخطاب الرديكالي والذي في الغالب ما كان يحاكي هموم المواطن  البسيط الذي ذاق الأمرين من سوء التسيير المتعمد تارة وغير المتعمد تارة أخرى , وبانتهاء الحملة الانتخابية لم يعد يصعب على أي كان تمييز من يظفر برئاسة المجلس البلدي حيث أيقن بعض المرشحين أنه خارج المعادلة وانه يلفظ أخر أنفاسه الانتخابية , في حين راهن بعض المرشحين على تدخل الإدارة لصالحه وهذا ما لم يقع إذ لوحظ حياد الإدارة التام وهذا ما سهل مهمة  ممثلي المرشحين والمراقبين الذين اثبتوا قدرتهم على تحمل المسؤولية والدفاع عن أصوات المواطنين من تلاعب البعض. في الأخير كانت الغلبة للشعب حيث صوت الناخبون للقائمة التي كانت اقرب من مشاكلهم ومعاناتهم , فأنتصر بذلك صوت الشعب على بقية الأصوات الأخرى.

خالد ربيعي…… الشعلة التي انطفأت قبل الأوان. بقلم عيسى العباسي

من جملة ما يدخل ضمن دائرة الاهتمام عند الكثير من النّاس، حرصهم الشّديد على بلوغِ عددٍ من الغايات، تتحدّد معالم تحقيقها انطلاقًا من طريقةِ تفكير كلّ واحدٍ فيهم، حيثُ هناك من يحتويه اتساع الأفق، فيختار وجهته مبكرًا، وفيهم من يتأخر كثيرًا إلا أنّه ومع ذلك يصل بالصدفةِ إلى ما لم يكن له فيه رغبة أو مجرد اهتمام، كما لا يكون للبعض الآخر نصيب ممّا كانت تراودهم فيه أحلام الطفولة البريئة، فيخرجون من كلّ ما حاولوا صنعه من آمال جميلة بأيادي خالية الوفاض.

وهناك من لا يعتمد في بلوغ الغايات والوصول إلى قمة النجاح في كثير من الأحوال على أسسٍ معينة أكثر من تلك التي توجد بين ثنايا الاجتهاد، حتى ولو وقفت إلى جانبه كل مقومات الحياة الرّغيدة، أو دون عناء منه وقد توفّرت أمامه أيضاً جميع الظروف المادية المناسبة لواقع الحال الذي يعيشه، حيث تتهاوى أوراق الرغبة عنده تباعا كلما غابت قوة التحدي التي لا تعترف بحجم المعوقات كالفقر أو مسافة العزلة، ولنا في ذلك أكثر دليل أن أغلب العلماء والأدباء والمفكرين أو القادة العظام هم من وُلدوا من رحم الحياة القاسية، فالمسيرة عندهم تظل ماضية نحو الأمام ولا يمكن لأحد أن يحدّد معالمها بسنوات معلومة مهما كانت رجاحة عقله واستشرافه الجيد للمستقبل القريب أو البعيد، وكمثال بارز يُستمد منه الطموح لأجل تحقيق أكبر النجاحات سواء لبني قريته المعزولة والمسماة (الخميس) بدائرة سيدي لعجال أو لجميع المناطق النائية المحيطة بها من التي تقع شمال غرب ولاية الجلفة، أو بالنسبة لكل واحد يعيش نفس الظروف وفي أي مكان أخر نجده في شخص الفقيد المرحوم [ربيعي خالد] الذي وصل إلى قمة النجاح، بعد أن كرس كامل سنين حياته لطلب العلم والبحث عنه أينما حل أو ارتحل، لكن ولما حان موسم قطف ثمار جده واجتهاده جاءت الفاجعة الأليمة التي أطفأت شمعته وهو ابن ستة وثلاثين ربيعا.

لقد كانت لخالد رغبة الوصول إلى المبتغى والوقوف على منبر العظماء مذ كان صغيرا، وهو ما جعله يقف شامخا في وجه أصعب المواقف رفقة كثير من أقرانه ممن يسكنون الأرياف حينما كان يتنقل بحماسة وتلهف إلى مدرسته القروية والبعيدة جدا عن البيت وقطعه بشكل يومي لمسافة طويلة غير آبه لريح الخريف أو لأشعّة الشمس الحارقة أو لبرد ومطر الشتاء القارص، والذين كانوا يحاولون عبثا الوقوف في وجهه كسد منيع للحيلولة دون مواصلته للمسير طيلة سنوات المرحلة الابتدائية وجره نحو ساحة الفشل البغيض، لتليها المرحلة الحاسمة من حياته والتي فصلت بين حضن الأم ورعاية الأب وولوجه لأول مرة عالم آخر يختلف كثيراً عما عاشه في صباه، وهو الانتقال إلى مدينة قصر البخاري التي احتضنته أربعة مواسم بإحدى متوسطاتها. صعوبة المَهمّة التي عايشها كتلميذٍ مجتهدٍ والانتقال إلى حياةٍ أخرى، فَقَدَ فيها كمتعلم كثير مما كان يحظى به في البيت من عناية ورعاية واهتمام عائلي قلّما يتوفّر لكثير ممّن لازموه المدرسة الابتدائية نظراً للظروف المادية الصعبة التي كانت تعيشها كثير من الأسر وحاجة أبنائها إلى الشُروط والمحفزات التي تشجعهم على التّمدرس، الشيء الذي زاد من قوّة العزيمة لديه وارتفاع منسوب إيمانِهِ بِوُجوب النّجاح تحقيقاً لرغبة والده الذي لم يقصِّر تجاهه بشيءٍ كان يطلبه منه، ليكون أولَّ المنتقلين إلى ثانوية نعيم النعيمي بالجلفة، ويعيش فيها كلَّ الأجواء المتّسِمة بالانضباط والصرامة حيث لا صوت يعلو عند إدارتها آنذاك فوق صوت المثابرة والالتزام، فكان لها فيه مثال الطالب المتفوق والمجتهد والأنموذج الذي ينتظر ورود اسمه يوم إعلان النتائج، ويكون من بين المذكورة أسماءهم على أمواج القناة الأولى للإذاعة الوطنية، وبالفعل كان ذلك يوم تم فيه بث نتائج شهادة البكالوريا من صيف 1979 ومنها تمكن من قطع شوط كبير وتجاوزه لعتبةٍ هي الأكبر في مسيرة كل طالب، وسمحت له بالانتقال مباشرة إلى الجزائر العاصمة لإتمام دراسته بها وتحديدا بكلية الآداب، والمكوث ما مدته أربع سنوات أبان من خلالها كبير اجتهاده والذي أهله أن يكون ضمن دفعة إلى مصر العربية وبالضبط إلى الإسكندرية أو المدينة التي هي عروس الماء وخميلة الحكماء والشعراء أو كما قال أحمد شوقي، حيث لم ينبهر أبداً بسحر جمالها أو زُرقة ماء بحرها العاكس للون سمائها الصافي، ولم تغرّه حينها الأصوات التي كانت تصدح ويتردد صداها بقوة بين المسارح وخلف قاعات دار الأوبرا المصرية ومسرح “هيلتون رمسيس”، بل استمد عزيمته من تفوق عظمائها قديما كالاسكندر المقدوني مؤسس المدينة سنة 332 ق م، والفاتح لها عمر بن العاص زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، أو حديثا مرورا بالملك فؤاد، والخديوي إسماعيل ثم أخيرا جمال عبد الناصر، أو من أدبائها من أمثال نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، أو المثقفين والصحفيين كالدكتور محجوب ثابت بك، والشيخ عبد العزيز البشري، ومحمود فهمي النقراشي، وأمين الرافعي، أو من طلاب نفس الجامعة التي اختارها قبله وزاولوا دراستهم بها كأحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، وعالم الذرة يحيى المشد، وعالم الآثار زاهي حواس، والعالم والمفكر المعروف عبد الوهاب المسيري، أين مكث بها ثلاث سنوات كاملة لأنه كان يؤمن بنبل الرسالة التي جاء لأجلها.

هذه الأحداث المتسارعة من حياة خالد ربيعي توقفت به عند عدد من المحطات، تجاوب بشيء من الكبرياء وكثير من التطلع مع ما كان يحيط بكل واحدة فيها وتتسم به من ظروف أغلبها لم تكن بدرجة السهولة التي يتخيلها كل من توفرت لديه شروط التعلم مثلما هي عليه الحال عند جميع المتمدرسين في الجزائر اليوم، حيث أجاد المكوث في كل محطة نزل بها طالبا للعلم، فكان منه سوى أن أحسن التفاعل معها بصدر رحب وبرباطة جأش أمام كلّ عرقلة حاولت فرملة مسيرته المفعمة بالنشاط والحيوية، ليمرّ قطاره سريعاً عبر نقاط متعدّدة، دون أن يعترضه سهل أو منحدر، بين كل نقطة وأخرى يوجد صمود وتحدّي، أخرها ما تكلل بنيله لشهادة من خارج الوطن، أين عاد وهو يحمل حقيبة من ضمن ما فيها شهادة ماجستير من مصر العربية سنة 1988 تناول في مضمون الرسالة التي تفضل بمناقشتها، جانب من حياة أحد شعراء القرن الهجري الأول الذي يعتبر أول من أدخل الجدل المنطقي في الشعر العربي وجاءت بعنوان “دراسة في شعر الكميت بن زيد الأسدي” وكانت مشفوعة بملاحظات شرفية عالية وقعها أكبر الأساتذة هناك، تدلّ على جدّه وتفوقه البارزين، ساعدته في الالتحاق مباشرة بجامعة عمار ثليجي بالاغواط كأستاذ بها وفي نفس الوقت كانت عينه منصبة نحو شهادة الدكتوراه التي سبق القدر الوقوف حائلا قبل مناقشتها إلا بقليل، لتنتهي معها الأحلام الجميلة التي كانت تراوده لأجل تحقيقها وهو في أرض الكنانة مصر، لمّا كان يأخذه التأمّل بعيداً عند عطلة نهاية كلّ أسبوع في زُرقة مياه بحر الإسكندرية الجميل أو على ضفاف نيل القاهرة أو كلما مرّ بالأزقة والحارات، كالغورية والعباسية، أو مبانيها الأثرية ذات الطابع الإسلامي، كمصر القديمة، والسيدة زينب، والدرب الأحمر، والتي بعثت رجالا ونساء عظام كطه حسين، والعقاد والرافعي، وأنيس منصور، واحمد شوقي، وإحسان عبد القدوس وأمه روز اليوسف، ومحمود سامي البارودي، والأديبة ملك حفني ناصف، وغيرهم كثير، لينتهي كل شيء حمل لواءه ما مدته سنين عمره وكأنّه حلم من ليلة عابرة، أو سراب من هاجرة النهار.

لقد ترك خالد ربيعي غصة في حلق كل من عرفه أو سمع عنه، ليس لأنه وحيد زمانه أو ما كان من هذا القبيل، بل لأنه وحيد قريته- الخميس- التي ما استطاعت أن تنجبَ واحدا يحمل من صفات التحدّي الّتي توفّرت في شعلة انطفأ نورها للأسف قبل الأوان، أو كزرع وبمجرد أن أينع أمامهم حتى باغته الأجل دون سابق إنذار، ويتوفى في حادث سير أمام مدخل جامعة الأغواط. سنوات الزرع انتهت بالنسبة إليه مكللة بكلّ النّجاح، لكن ولمّا همّ بالبدء في عملية الحصاد حتى توقفت الآلة التي كان يطمع الجميع في جمع غلة اجتهاده من خلفها، سواء من نبل كرمه الذي هو صفة أهله والمحيطين به، أو من عظيم عطائه، وحسن سيرته، وتشبع سلوكه بالأخلاق الفاضلة، ليذهب كل شيء مع تلك النكبة التي آلمت الجميع، ونغّصت عليهم فرحة الوصول إليهم بعد غياب طويل، فلم يأخذوا لا القليل ولا الكثير مما أرادوه وانتظروه منه حينها.

كما ظل ذكره ألما يتجدّد عند أطفاله الأربعة (ثلاث بنات وابن واحد) والذين بدأ يكبر معهم ألم الفراق بمجرد أن بدأ يزداد الوعي لديهم سنة بعد أخرى بأن أبيهم كان أستاذا جامعيا في الوقت الذي كان أمثاله يعدّون على أصابع اليد بالمنطقة كلها، تحصرا منهم على شعاع أفل نوره بغتةً وكان من الواقعي لكل أب لأبنائه أن ينير درب النّجاح أمامهم، لكن وبتعويض من رب كريم أن وهبهم أمًّا لها من الصمود والشجاعة الكبيرة، وإرادة الوقوف في وجه المحن، والإخلاص لزوجها الفقيد على إتمام الرسالة التي أراد أن يكتب أسطرها كاملة في سجل مستقبل أبنائه، ومن المستوى التعليمي العالي عندها ما أهلها أن تعوّض هؤلاء الصبية بذلك النقص الذي كان من المفروض أن يتكفّل الوالد بملء فراغه، بمزيد من النجاح والتفوّق والسماح لهم بمجاراة الحياة ودون مركّب نقص، فتحملت الوزر، وباستعداد تام لتحمل المسؤولية، فكان الحمل ثقيلا إلى أن صنعت فيهم نفس التحدي والعزيمة اللتان لازمتا والدهم خالد لَمّا كان بنفس السن معهم، إلى أن صاروا يتبوءون أحسن المناصب المشرفة، فالبكر أستاذة جامعية، والأخرى أستاذة تعليم ثانوي والأخرى أستاذة تعليم ابتدائي أما الابن الوحيد فهو الآن متصرف رئيسي بمستشفى الجلفة، والشجرة الطيبة لا يخرج منها إلا ما هو جميل وطيب. وأخيرا يشهد كل من عاصر خالد ربيعي، بمستواه العالي، وبمقدرته على تقديم محاضراته أمام طلابه بأسلوب متين، يستمد قوته من طبيعة البيئة التي عاشها طفلا، ومن روح الدعابة التي كانت تسكنه وتثري الحديث إليهم بخصائص تحتّم أن تكون حافزاً مهما أمامهم ليستلهِموا منها شتّى العبر وتجعلهم يُسايرون جميع ما يقدِّمه إليهم، بكلمات كانت تنساب من خلفها ودون شعور منهم، نظرات صادقة جاءت من فضاءات مختلفة لتصنع فيهم جملة من الأجواء المضيئة، المقتبسة من محياه الباسم، فضلا عن حسن أخلاقه، وكبير تواضعه، وحرصه على غرس الألفة والحب بين أصدقائه والدعوة على التكتل في لواء واحد، يسوده الاحترام المتبادل والتشجيع على بناء أسوار الرسالة العلمية، بعيدا عن كل غلو أو غل أو تفرق، وجميل أناقته التي كانت تطبعه بتميز واقتدار، ظلت دوما تضفي على شخصه داخل الجامعة عموما أو أمام الجميع في قاعات المحاضرات وخارجها، ألوانا بديعة ليس من الطبيعي أن تكون عند الغالبية ممن لازموه، ينشر بفضلها مشهدا من الفرجة والمتعة. الحياة ما هي إلا لحظات تغمرنا الفرحة فيها أحيانا، وأحيانا أخرى ما هي إلا كومة من الشقاء، وأحيانا أخرى هي تتبع دائم لشيء لا نراه بعينه أو ندرك أن نتائجه ستتحقق كواقع بيننا، أو أننا نعرف الوجهة التي يريدها القدر منا.

ليس للحياة بداية نعلمها، وليس لبدايتها نهاية نخافها أو نطمع في أن تعطينا أكثر مما أعطيناها من عشق وهوس، وأحيانا أخرى نشكّ في أنها أخذت منّا أكثر ممّا كان لها من عندنا يوم تشبثنا بأسوارها وأحببنا كل ما فيها مما نراه انه جميل. فالنهاية أو موت كل واحد منا ليس مرهون بعطائنا وكثرة اجتهادنا في المدة التي عشناها، بل هي لحظة تسجلت يوم مولدنا بأن النهاية آتية لا محالة ودون تحديد موعد منها، غير أننا لا نولي لها كل الرعاية والاهتمام، ومع ذلك تختلف في تنفيذ ما أمرت بتنفيذه نحونا بأشكال وطرق متعددة بقدر وزن كل واحد منا، فهناك من يكون مروره فيها كمجرد حدث ليس إلا، وهناك من يبقى اسمه مرسوما في ذاكرة الآخرين طويلا، منقوشا بين دفاتر الأيام كثيرا، وما تطرقنا لواحد مثل خالد ربيعي ليس من باب المبالغة، أو لأجل التذكر فقط، لأنّ هناك من الأحياء هم ميتون، وهناك ممن غيبهم الموت عنا ومنذ أمد طويل، إلا أن ذكرهم لا يزال يدوي المجالس ويملأ صحائف المتحدثين بشيء فيه من الوقائع المثيرة والأحداث العجيبة، والدّالة كلّها على نبل الأخلاق وكريم السجايا وعظيم العطاء، وهو ما يترجم روح الاعتراف والتفضّل بتثمين كل ما رأوه فيه أو سمعوه عنه ذات يوم. لقد رحل خالد سنة 1994 مثلما يرحل كل إنسان أو أي مخلوق هو إلى الفناء ذاهب، ولكن ما لا يجب أن نتغافل عنه، أن الاعتراف له، هو الدَيْن الوحيد الذي تركه في أعناق كثير ممّن عرفوه وأحبوه، وواجب قضائه يكمن في التفضّل بتدوير عجلة الزمن إلى الخلف قليلا وصنع ما يليق بمقام فرد شهد له حتى من لم تسمح له الفرصة بالملاقاة إلا بما هو خير.

خالد ربيعي عنوان لكتاب ضخم تدوّنت بين صفحاته حوادث وأحداث، وأنشودة ترنمت بعذب ألحانها أحسن العصافير صباحا بزقزقة في فصل جميل، فيه من المتعة ما يبعد عن النفس ما يكدرها، ويضبط دقّات القلب بحركة وميل السنابل حينما تهب نسمات مساء أيام الربيع، حيث الجمال يبدو وقد طلّت شقائق النعمان بلونها الأحمر الأرجواني على سفوح الجبال وبين الوهاد.

لقد رحل خالد في غفلة ودون سابق إنذار وكأنه أراد أن يقول: آن لي أن أرحل كما يرحل كل شيء، آن للحق أنْ يأخذ مساره ويعود كما أراد القدر، لكل شيءٍ بداية وليس لكل بداية نهاية، فالعمر إن لم يرحل اليوم فإنه سيرحل غدا… وداعا.. وداعا… أيها الأحبة.

 

الحــــــــــــــاج بونيف..نجمٌ ساطعٌ في سماء اللّغة والأدب.

هي كلماتٌ صادرةٌ من نفحات الوفاء لرجل خاطبني بأخلاقه قبل أن يخاطبي بقلمه..

هي كلماتٌ تعرّض لها فكري، واطمأنّ لها قلبي، وأشرق لها عقلي، أحببت أن أسجّلها كعربون محبّة قائمة على الأخوّة الإيمانية لأستاذي الكريم الحاج بونيف.. وليعذرني الأستاذ إن وجد تقصيرا في حقّ من حقوقه الأدبية، أو ركاكةً في الأسلوب والعرض، فإنّما هي بوارق خاطفة تبشّر بغيوث من صدق الشّهادة فيمن أكنّ له التّقدير والاحترام…

الأستاذ الحاج بونيف.. رجلٌ من رجالات التربية والتّعليم.. وواحدٌ من خيرة أساطينها، قضى حياته التعليمية، ليس موظّفا، وإنّما مربّيا ومرشدا وموجّها وناصحا،ولا نزكّيه على الله..

عرفناه كاتبا متميزا، ولغويا من الطّراز الأوّل – نحوا وصرفا وبلاغة – وأديبا متمكّنا من ناصية الأدب، قاصّا وروائيا، يمتلك خيالا واسعا، من يقرأ له كأنّما يعيش في زمن العصر الذّهبي للأدب العربي في عصوره القديمة – حيث تزهو مجالس الأدباء والشّعراء بربيع القوافي شعرا، والخواطر نثرا، وتغطّي سماءهم سحائبُ الحكمة، فلا يكاد يخلو مجلس من مجالسهم من نفائس الأدب الذي يربّي في القارئ ملكة الإبداع الأدبي واللّغوي.. وهي الحال نفسها كذلك في العصر الحديث أيام زهو أدبنا العربي، حيث ظهر عمالقةٌ لا يشق لهم غبار، من أمثال العقّاد والرّافعي، والمنفلوطي، والزّيّات، وطه حسين، والمازني، و الإبراهيمي، وسيد قطب، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم.. وغيرهم كثير ..

وصاحبنا، الأستاذ الحاج بونيف نحسبه من الطّينة الأدبية الرّاقية التي أخذت أنفاسها الأدبية ممّن سبق ذكرهم.. فمن يقرأ له قصصه وخواطره الأدبية يجد نفسه بين روابي ربيعية جمعت بين مختلف الألوان، حيث تعلو بعنفوانها لترتقي بالنّفس، وتنزل بجمال سهولها تواضعا في هيبة الإمارة الأدبية، ذلك أن من يسكن عندها يقف مستنشقا روائح ربيعية أدبية راقية وزاكية تبعث في القارئ النّشاط نحو الأدب والإقبال عليه، وتشدّه إلى طبيعة الأصالة العربية وهي تحاكي البيئة في جبالها، وفي أوديتها، وفي منحدراتها ومرتفعاتها، وفي بحارها، وفي أنهارها وفي مدافع مياهها الرقراقة، وفي أنعامها، وفي طيورها في أوكارها وهي على أغصان أشجارها، وفي أصوات الطّبيعة المختلفة بين عصفور يزقزق، أو طير يغرّد، أو شاة تثغو، أو بعير يرغو، أو بقرة تخور، أو فرس يحمحم.. هي ألوانٌ وأشكالٌ تصنع من الأديب فنّانا يعرف كيف يصوغ العبارات وأين يضعها وبأيّ منطق فنّي يركّبها ليصنع منها صرحه الأدبي..

وأكاد أجزم أنّ أهم إنتاج أدبي يزيّن المكتبة الجزائرية والعربية كتاب “رحلتي إلى البقاع المقدّسة” وهو كتاب يندرج  ضمن مصنّفات أدب الرّحلة تناول فيه أديبنا الحاج بونيف رحلته إلى البقاع المقدّسة، وقد صاغه بأسلوب أدبي جميل، ورفيع المستوى من حيث مُفْرَداتُهُ، ورصانةُ عباراته الصّائبة في الدّلالة على المعاني والمقاصد.. وهو إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على تمكّن الأديب الحاج بونيف من دلالات الكلمات العربية وإدراكه لمعانيها الواسعة، وذلك بما يختاره وينتقيه منها وهي تنساب إليه وفق المشهد الذي يريد إبرازه أدبيا..

لست في هذا العرض الموجز دارسا لتراث الأستاذ الأديب الحاج بونيف، وإنّما أردت أن أسدي واجبا أراه متعلّقا بذمّتي نحو أستاذنا الكريم، ذلك أنّ أهل الفضل من العلماء والأدباء والمربّين من أمثاله – وهم كواكب دريّةٌ في سماء العلم والأدب في بلدنا الجزائر – ينبغي أن يعلن النّفير الثّقافي والأدبي لإعطائهم مكانتهم السّامية التي تليق بهم، بل ويجب تكريمهم بما يزيد من نشاطهم، ويبعث من هممهم في مجالات تخصّصهم.. وأستاذنا الكبير الحاج بونيف أهلٌ وجديرٌ بأن يحتفى به أديبا وكاتبا وقاصًّا وروائيا من طينة الأوّلين.. يحتفى به في ملتقى خاصٍّ يحضره طلاّبه وتلاميذه ومحبّوه.. وليكن مفتاح التّكريم تدارس كتابه “رحلتي إلى البقاع المقدّسة” كونه كتابا يشدّ قارئه ويجعله متعلّقا بالبيت الحرام وزيارة سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام..

أبو القاسم العباسي  

أخي محمّد تاج الدّين طيّبي.. كما عرفــتــه.

أخي محمّد تاج الدّين .. عرفته منذ أكثر من خمس وعشرين سنةً شابًّا يافعا، حافظا للقرآن الكريم، فقيها، كاتبا، أديبا، شاعرا، ورجل إعلام من الطّراز الأوّل، يغطّي كلّ ذلك حسن سمته، وجميلُ تواضعه، وبرّه بوالديه، ومثاليةُ علاقاته بجيرانه، وتوقيره للكبير، واحترامه للصّغير..لا يأنف أن يستجدي من يتوسم فيهم الخير والصّلاح دعوة صالحة تنفعه في دينه وفي دنياه، حتّى الدّراويش الذين يزهد النّاس في التقرّب منهم، يتقرّب إليهم ولا يحتقرهم، بل يلتصق بهم – ليس اعتقادا فيهم– وإنّما من أجل أن يظفر منهم بحكمة، أو سّر، أو بارقة نور تضيء له مستقبله، لأنّه يدرك بعقله القرآنيِّ أنّهم أقرب إلى الله منه ومن غيرهم..

أخي محمّد تاج الدّين.. ليس زميلا لي فقط، بل هو أكثر من أخ، وأكثر من صديق.. هو أستاذي، وتلميذي.. رفيق دربي في هذه الحياة، عايشته عن قرب فكان واحدا من أسرتي، وكنت واحدا من أسرته..بل من خلاله تكونت لدينا أسرة متميّزة جمعت بين بعض من أهل الفكر والأدب والشعر والثّقافة الشرعية والواقعية، أعضاؤها أساتذة أكفاء، لهم كلمتهم، ويسمو بهم في المجتمع شأنهم، لتواضعهم وطيب سيرتهم، ولكرمهم وجودهم.. أصلاء لا يشقى بهم جليسهم، يغلب عليهم الحياء اقتداء بسيد الأنبياء، صلّى الله عليه وآله وبارك وسلّم .

أخي محمّد تاج الدين.. يشترط عليَّ وأشترط عليه فلا يكون إلاّ القبول والرّضا، في أجواء تملأها ابتساماتٌ مشرقةٌ، ومزاحٌ يضفي على مجالسنا المرح والفرح والسرور والحبور .. التقت أحاسيسنا، وأجمعت مشاعرنا، وترقّت في مدارج الظنّ الحسن ثقتنا ببعضنا.. لأكثر من عقدين وأنوار الأخوة تظلّنا وما زلنا وسنبقى على العهد كذلك إن شاء الله تعالى على اتّصالٍ مباشرٍ مجرّدٍ من كلِّ حظ من حظوظ الدنيا، فلا ينقضي شهر إلاّ واللّقاء الأخوي: العلمي والأدبي والفكري والثّقافي يتجدّد، ويجمع بيننا على الأقل مرّتين أو ثلاث مرّات، وليس تواصلا افتراضيا كما هو الشأن في عالم الشبكة العنكبوتية.

لو أطاوع نفسي سأكتب عنه الكثير، وسيسيل كثير من الحبر، وهو يستأهل أكثر من ذلك.. ومن الزّملاء والإخوة الذين هم على صلة دائمةٍ بنا وبه من لهم حديث أكثر منّي، ومنهم أستاذنا الكبير الشّاعر والأديب محمّد ابن الأبقع السّائحي الإدريسي، وأخونا الأستاذ الملهم الشّاعر شعثان الشّيخ، والأستاذ والكاتب الشّاعر، عبد الرّحمن أخضري، والأديب الأريب الأستاذ الكاتب الحاج بونيف، حيث يدركون أكثر وأكثر عن أخينا محمّد تاج الدين طيبي.. ربما عندي تـــتيــه الكلمات، وتتبعثر الحروف، ويخيب الوصف والتّعبير، لكن عند هؤلاء الإخوة الكرام تهتدي الكلمات إلى سبيلها، وتجتمع الحروف لرسم إيقاعاتها الصّوتية، حتّى وإن كانت خافتة، ويحضر الوصف البليغ ويشهد التعبير الأبلغ..

أقول هذا الذي ذكرته، وأضمر في نفسي أشياء جميلة وإيجابية لا يتّسع الوقت لسردها هنا، ومع كلّ هذا أراني متأسّفًا لما وقع من تجن عليه، أراد من وسوست له نفسه أن يرقى إلى الثّريا، فإذا به ينزل إلى الثّرى وأن يجعل من كل أصدقائه وقرّائه غوغائيين، فإذا بهم في أبهى صورة مثاليين، متخلّقين.. حدث هذا الذي حدث والألم يعتصر قلبي، والأسى يدمع عينيَّ، والعتاب النّفسي صار حشرجةً شدّ علىَّ أنفاسي، وضاق به صدري.. وحينها لم أكتب لأنّي أعرف – مسبقا – أنّ تاجنا له من القواصف الرّعدية الشّعرية ما يرد به كيد الكائدين، ويخفت به أصوات المغرضين، ويمنع به الذين هم مع الخوالف قاعدين.

وبعد أن عاد العقل إلى صوابه، ووضعت الأقلام أوزارها، وخابت عواصف العواطف، وفي كرم حاتمي طائيٍّ أنبتت أرض الأدب ربيعها وأخرجت أزهارها زاهية ليتنفّس المحبّون للأستاذ التاج أنفاس الصّباح المفعمة بذكر الله عزّ وجلّ على زغاريد العصافير المسبّحة بحمد ربّها على أفنان أشجارها..

وأمام الملأ يعلن تاجنا عفوه وما أجمله من عفو، وما أحلاه من صفح، وما أطيبه من خلق {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم}[النور/22]  

إنّ لغة العفو من الكرام كرمٌ، وابن الأكرمين له من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حسبٌ ونسب.. وقلّ من يخطئ، وقلّ من لا يساء إليه، ولكن حينما تحضر دواعي الإيمان ومستلزمات اليقين بما عند الله رب العالمين يغلب طابع الحياء القرآني في نفس قارئه فيطهّر قلبه، ويعصم لسانه، ويغسل نفسه من أدرانها، ويشعُّ نور الإيمان في قلبه، وعلى لسانه قولُهُ تعالى {ولا تستوي الحسنة ولا السّيّئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميمٌ…}[فصلّت/34]

ورسالتي إلى أخي محمّد تاج الدّين طيّبي…

أما وقد عفوتَ.. هكذا نظنّك وهكذا عرفناك.. فأنت من سلالةٍ كريمة وأصل طيب.. ومن كان كذلك فلا يصدر عنه ومنه إلاّ ما يدلّ على الكرم والجود، ولا تشمّ منه إلاّ روائح الأخلاق المثالية الفاضلة، تُعَرِّفُ نفسها.. بل تَفْرِضُ وجودها، حتّى وإن أبى منكرو عبيرها الطّيّب، فلا يسعهم في النّهاية إلاّ أن يستمتعوا بها خصالا كريمةً، وأخلاقا فاضلة، وآدابًا سامقة، وعنوانَ أدبٍ راقٍ..

لك من سلوك الأولين وسيرهم حسنُ أدبهم، ولك من سمت الصّالحين حبّهم للخير، ولك من روائع أهل الأدب ذوقهم، وكونك كذلك فأنت أهل الوفاء حينما تعفو، وأهل الكرم حينما تتجاوز، وأكثر جمالا في لغة أهل الأدب والشّعر حينما توزّع مرسومك بعفو شعري، وما أروعه من مرسوم موسوم بتاج وقار أهل القرآن  : { وأحسنوا إنّ الله يحبّ المحسنين }[البقرة/195].. فلك منّي وافر الشّكر وكامل الفخر، ودمت لنا طيبا كريما…فأنت كما قال الشّاعر فيمن مدحه وكان كذلك..

وانفع صديقك إن صدقت وداده          ليفوح عطرُ ثنائك العَطِرُ الشّذي

وانفع صديقك إن صدقت وداده          وادفع عدوّك “بالتي” فإذا الذي

سيدي لعجال في يوم:06 صفر 1437 الموافق لـــ: 18/11/2015

أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

بيادق الظلم و أبواق الفساد.

مازال بعض المراهقين من الجزائريين ممن يسمون أنفسهم إعلاميين أو معارضة وهم في حقيقة الأمر ماهم إلا بيادق في أيدي أسيادهم المجرمين الذين حكموا البلاد بالسياط …مازالوا يعتبرون أن الشعب مازال قاصرا ولا يفقه من أمور حياته شيئا وبالتالي فهم أولى بتلقينه الدروس تلو الدروس في مجالات الحياة كلها.

ففي تسعينات القرن الماضي نادت هذه الأبواق بتوقيف المسار الانتخابي# التي كانت شرعية حسب قولهم# بحجة أن الجزائر إذا حكمها الإسلاميون سوف تذهب إلى الهاوية فكانت النتيجة التي آلت إليها بلادنا ربع مليون مغتال وربع مليون مفقود….من أبناء جزائر المليون ونصف المليون شهيد. ناهيك عن التخريب الممنهج للاقتصاد الوطني عن طريق خوصصة المؤسسات العمومية وبيعها لسارقي أموال الدولة والسماح للشركات الأجنبية بالتنقيب عن البترول في صحراء حاسي مسعود مقابل دريهمات للخزينة العمومية وأمولا طائلة امتلأت بها بطون المسؤولين آنذاك وتابعيهم من الإعلاميين ..والواشين بالناس …

نفس تلك الأبواق هاهي اليوم أيضا تنصب نفسها وصيا على الشعب الجزائري ..وتوحي للناس أن الجزائر سوف تزول بزوال أو احالة بعض رموز النظام على التقاعد …مما لا شك فيه أن هذه البيادق وتلك الطفيليات كانت تقتات على مآسي الشعب الجزائري وكانت ضالعة في اغتيال الكثير من أبناء الشعب سواء بالقتل المباشر أو بالتحريض على القتل أو التشجيع على القتل أو السكوت عن القتل….ولأنهم أيقنوا أن جزائر 2015 ليست هي أبدا جزائر ما قبلها ولن تكون كذلك هاهم يشحذون خناجرهم ليطعنوا بها كل تغيير سلمي يزيح تلك الأشباح التي كانت جاثمة على أعناق الجزائريين لفترة من الزمن….
إن التغير حصل في الجزائر و الأكيد أن الكثير ممن كانوا مستفيدين من مرحلة ما قبل 2015 لن يروق لهم الأمر ولن يتركوا الشعب ينعم بالحرية في بلاده بل سوف يكيدون له المكائد تلو المكائد فقط لأنهم جبلوا على (حقرة ) الشعب المغلوب عن أمره …لقد انقشع ضباب الظلم على الشعب الجزائر ولاح في أفق بلاده بصيص أمل يرسم له معالم جزائر جديدة جزائر تنعم بالحرية الحقيقية التي أستشهد لأجلها خيرة أبنائنا جزائر لا ظلم فيها …جزائر العدل والمساواة جزائر يحتكم فيها الشعب للقانون وليس لأهواء الفاسدين من المسؤولين وبيادقهم المصفقون والمهللون في كل والأمكنة الأزمنة.

أ : بن عطاءالله محمد