أرشيف التصنيف: أقلام

اللّغوي الحاج أحمد بهناس.. شاهد على العصر

الأستاذ الكبير، والأديب الأريب الحاج أحمد بهناس جهبذ من جهابذة اللّغة والأدب والتّاريخ وفقه الواقع.. زارني في بيتي، فكان دخوله بيتي دخولا علميا، أدبيا، وتاريخيا.. لقد ساقه قدر الله أن يحل ضيفا كريما عندي، وأكرم به من ضيف.. فالمساحات العلمية التي يتمتّع بها تزيد من نشاط من يستفيد من علمه خصوصا في تخصّصه اللّغوي والأدبي، وإن شئنا قلنا معارفه التّاريخية.. 

إنّ أمثال الحاج أحمد بهناس كأستاذنا الكريم الحاج بونيف، وأستاذنا الكبير محمد الصّغير داسة، وشيخنا الجابري سالت، وأستاذنا مصطفى بن عطاء الله، من الطّراز الأوّل لغة وأدبا وعلما وتاريخا، والجزائر ليست في غنى عنهم نظرا لمؤهّلاتهم، فبكلّ صدق وثقة علمية نقول إنّ هؤلاء الأساطين اللّغوية والأدبية، الجزائرُ في أمسّ الحاجة إليهم أكثر من أيّ وقت مضى، خاصّة ونحن نقف على حملات التّشويه والدّعوات المشبوهة التي تستهدف اللّغة العربية في الجزائر..

ليت الاعتبار يعود لهؤلاء – ليس محلّيّا وإنّما رسميا وفي أعلى المستويات – لتكريمهم وتعريف الأجيال الجزائرية بهم بغرض سنّ تقاليد علمية جديدة تحفظ للمبدعين اللّغويين مكانتهم، وتزيد من عطاءاتهم حتّى وهم في مرحلة التّقاعد التي لا تناسبهم.. فحبّذا لو عملت الدّولة على استقطابهم – وهم أهل لها – من أجل الاستفادة من خبراتهم بحيث ينزلون منازلهم العلمية التي تليق بهم، وتؤسّس لهم مراكز بحثية يشرفون عليها، تزيد من نشاطاتهم، وتفجّر من طاقاتهم في الإبداع اللّغوي والأدبي والتّربوي..

     لقد كان اللّقاء الثّقافي في بيتي بالأستاذ الحاج أحمد بهناس، لقاء مثمرا، أضفى جوّا من الحيوية في الحوار الذي دار بيننا، حيث عادت بنا الذّاكرة التّاريخية إلى أيّامه الأولى حينما كان يطلب العلم عند بعض المشايخ، منهم الشيخ المأمون القاسمي وغيره في زاوية الهامل، وبالأخصّ الشّيخ سي عبد الحميد بوعبدلّي، الذي كان يدرس عنده في حاسي العشّ- كغيره من طلبة العلم – بعض العلوم في اللّغة العربية والشريعة الإسلامية، كألفية ابن مالك، ومتن الأجرّومية، ومتن ابن عاشر، ومختصر خليل، كلّها حفظا وشرحا..  

وبسبب ذلك ضبطت مكابح تفكيري لألقي باللاّئمة على مسؤولي هذا الزّمان الذين قزّموا قامات علمية، تساوق في عليائها من أنجبتهم دور العلم في الأزهر الشّريف، والزّيتونة، والقرويين، كالشّيخ سي عبد الحميد بوعبدلّي الذي كان في مدرسته القرآنية بمثابة معهد أو جامعة بأتم ما تحمل هذه الكلمات من دلالات وإيحاءات علمية وتربوية..         

إنّ مجلسنا الثّقافي البسيط الذي لم يكن موسّعا بحكم المفاجأة السّارة التي فاجأنا بها أستاذنا الحاج أحمد بهناس استفدنا فيه شيئا من اللّغة العربية الفصيحة التي كان يتميّز بها ضيفنا الكريم، خصوصا بعد قراءته شيئا من أرجوزته المسمّاة ” الأرجوزة القسطية في نقض الطريقة الأمومية ”  والتي تحمل بين ثناياها ردا على الدّعوة الغبريطية بالرّجوع إلى اللّهجات العامّيّة.

لقد قلت لضيفي الحاج أحمد: تمنّيت لو سجّل هذا اللّقاء مصوّرا حتّى يستفيد منه المشاهد الجزائري الكريم، وقد وعدته أن تكون لنا لقاءات أخرى مصوّرة لنستفيد أكثر، تكون على شكل ندوات علمية، تربوية وتاريخية، تطرح فيها تجارب أهل العلم والأدب والتربية، وهي أمنية سأعمل على تحقيقها في مستقبل الأيام مع كثير من أساطين اللغة والأدب والعلوم الشرعية، بل حتّى في الميادين الإبداعية الأخرى في كثير من مجالات الحياة مع مبدعين كانت لهم بصمات في واقع الحياة.

أبو القاسم العبّاسي

كاتب وباحث وداعية

أنا أُفكر، اذن أنا منبوذ.

لطالما كانت الحضارة طوع الفكرة التي تقودها، كما يقول “مالك بن نبي” في مؤلفاته، لكننا اليوم إزاء عصر التلقين المستبد بتصوراتنا، أخللنا التوازن بعناصر الحضارة الثلاثة (الانسان، التراب، الزمان) فأصبحنا نواجه انهيار الارادة التي لا تقوى حتى على احتضان مصيرنا، كيف لا!؟ وقد أهملنا رأس المال البشري والذي هو المفكر.

في صخب الحياة القلقة التي تعيشها الأمم، ينبري مفكروها يوقظون فيها العيون الغافية، ويهتفون في أعماقها فيثيرون نبوغها، و يتحول هتافهم الى دم جديد يمسح على جبينها تجاعيد العجز، وينفظ على كتفها غبار الخمول، لكننا اليوم في زمن قتل فيه المفكر في بيئته، أسكتنا المفكر عن الكلام و رجحنا الضوضاء التي يرددها عامة الناس، ليصبح الكل يفهم، الكل يقول، الكل يقرر، و الكل ينظر، و المفكر موقوف في زنزانة اللامبالاة بتهمة تفكيره، بل حديثه أصبح يزعج الكثير، أليس نقاش المفكر هو الجرعة التي تهز المجتمع فيزيد عطاؤه وازدهاره!؟أين “”مالك بن نبي”” الذي رسم معالم الحضارة بثقافة منهجية، فاستطاع بواسطتها أن يضع يده على أهم قضايا العالم المتخلف، فاستبصر مشكلات الحضارة بين الرشاد والتيه، أين “”جوردابرونو”” الذي جمع بين الشعر والفلسفة فتجرأ وخالف الكنيسة بالقول أن الأرض ليست مركز الكون، لم يتنازل على رأيه رغم أن الكنيسة لاحقته وقطعت لسانه، لم افتقدنا الجرأة على رفض ما لا نقتنع به؟ أين “”همنجواي”” عكس أدبه تجاربه الشخصية في الحربين العالميتين الأولى والثانية؟ ليترك بصمته خالدة عند الشعب الأمريكي، أين “”بتهوفن”” الذي ضحى بالغريزة البشرية، ففضل أن يعيش دون زواج حتى يجاهد في الاثبات للناس الشعار الذي رفعه: “” كل البشر سيصبحون اخوة “” على طريقته الخاصة، و ان كانت رسالته سنفونية زخرفتها مقاطع موسيقية، أين “”ابن تيمية”” الذي سجن أربع مرات ، فحول نقمة السجن الى نعمة وراح يصلح أحوال المسجونين، انها اليقظة في الفكر والجرأة في الطرح أين “”ابن رشد”” الذي أصبح اليوم ذا صيت عند الأوربيين في مجالي الطب و الفلسفة، حيث أثبت للجميع موسوعية المعرفة، فبرز في الطب والفلسفة والفلك وعلم النفس والفقه… حتى أصبحت الجامعات الأوروبية تترجم أعماله اليوم،بل تدرس طلابها مقياسا جديدا يسمى “”ابن رشد”” في حين هو في عداد الموتى عندنا.

من هذا المنطلق،ان الشعوب العربية قد دفنت مفكريها،فاستبد بها اليأس الى درجة الاحباط والفشل وخيبة الأمل،ومن ثمة الى خانة النسيان،فأصبحنا نعاني مخاض البوح،ومصارعة النفس للفكر البائس والحزن القابع في الأعماق،غيبنا كل صحي وسليم،ورجحنا الكفة لكل ما هو قشور وبذور،طالت الغفوة حتى خيل للناظر أننا لا يمكن أن نستفيق،خيل له أننا نعيش في زاوية مظلمة من هذا الكون ولا يمكن تجاوزها،اذ لا مجال للتفريق بين ما نعيشه اليوم وما كنا نعيشه في عصور الانحطاط، فنكتفي أن نقول أن الانسان العربي في نهاية هذه المرحلة فقد كل معاني الارادة الذاتية وحب النهوض، كما انعدم عنده الرأي الواعي واكتفى بأن يعيش تابعا، يرى غيره يدوس جبينه ولا يثور، ذلك لأنه قدم نفسه طبقا جاهزا حين أسكت مفكري أمته و رفع شعار :أنا أفكر،اذن أنا لست موجود. je pence,donc je ne existe pas

الأستاذة / ريمة جيدل.

كلّ عام والإعلام ثلث مهنة … و الصحفي ربع مواطن !

يصعب فعلا أن يتقدّم المرء بتهانيه إلى الصحفيين في يومهم العالمي الذي لا يرقى في معناه حتّى إلى المحلي أو ما دون ذلك، فهذا العيد الرمزي ظلّ مجرّد شعار آخر من شعارات الجوف المُسوّق لها والتي يُراد منها إبراز دور السلطة في المرافعة عن حريّتي الصحافة والتعبير والتعتيم في نفس الوقت عن تضحيات وجهود صُحفيين هم من بنوا بنضالهم المستمر و كفاحهم المرير عالم الإعلام ذلك كي تُختزل صورة الصحافة في المسؤولين ضمن عمليّة موسّعة لتسييس القطاع وجعله أداة من أدوات السلطة … أي مثلما تم إحتواء باقي المجالات والقطاعات الأخرى.

والحقل الإعلامي يعيش اليوم أحلك أيامه بسبب الخلط بين مفهوم الصحافة والإشهار صار العامة من الناس يعتقدون أن دور الصحافة يقتصر على نقل إنشغالات الناس إلى المسؤولين وكأن الوسائل الإعلامية هي الفضاء الوحيد الذي يتواصل فيه المواطن مع مسؤوله وذلك لتتهرّب العديد من الهيئات الأخرى التي يُعتبر رفع الإنشغال الدور المنوط بها من مسؤوليتها كالمجالس المنتخبة و فعاليات المجتمع المدني وكذا بعض المؤسسات الأمنية وباقي الهيئات التي إنبثقت عن إرادة السلطات العليا بالبلاد في فتح قنوات الحوار مع المواطنين والإصغاء لإنشغالاتهم، فنتج عن ذلك خلط في المسؤوليات والأدوار و خيّم مفهوم همزة الوصل فوق رؤوس الصحفيين وما لا يعلمه البعض أن – همزة الوصل هذه -تعجز في أحيان كثيرة عن الدخول إلى مكتب مسؤول للإدلاء بإشكالية ما أو رفع تصريحاته لعدّة أسباب منها ضعف خبرة الصحفيين في التعاطي مع قضايا معيّنة أو إستقواء المسؤولين جرّاء تميّع المشهد الإعلامي بمن لا تربطهم صلة به …

لا يشكّك أحد في أن حمل إنشغال المواطن جزء من دور الصحفي لكن وجب أيضا التوضيح بأن كيفية حمل هذه الرسالة وطريقة سردِها هي الجزء الأهم في الحلفة، فنلاحظ في كثير من المقالات التي يتناولها معظم الصحفيين يوميا غياب تشخيص العلّة و تحليل القضية و الإشارة إلى حلولها، فالسطحية قد طغت على معظم الكتابات وربما لا يعلم الصحفي الكاتب عن قضية مّا مجريات الحادث أو خلفياته وهي أسباب كافية لقتل القضية وتمييعها وتمتدّ هذه السلبية لتصل إلى شخص الصحفي وجميع وسائل الإعلام بصورة عامّة.

لعلّ ممارسة حرية التعبير حقّ يضمنه الدستور للصحفي ولغير الصحفي أي أن المواطن هو الآخر معني بالمواد القانونية التي تتيح التعبير بكل حريّة، لكن التكلّم عن تمييع المشهد يُقصد به من لبِس عباءة الصحفي بدون وجه حقّ وحسِب أن من لا مهنة لهأبدا يستوي و من لا مهنة له غير الصحافة، ففي الحقيقة أن هؤلاء المتطفّلين صاروا يُزاحمون أهل الإختصاص وشكلّوا بدخولهم إلى هذا العالم أفواجا زحمة سير و خلّفوا الفوضى والإنفلات في المجال فأصبحوا كالقطيع التائه يتبع بعضهم بعضا ولا يعلمون أين يتوجّهون.

ظاهرة أخرى برزت مؤخرا نتجت عن ” الرداءة ” التي ضربت بأطنابها في شتى الحقول والمجالات، فالأكيد أن الصحافة ليست بالإشهار ولا بالتشهير، بل هي مهنة ترتكز على تنوير الرأي العام وترقية حسّ الوعي لدى المجتمعات، إلا أنها للأسف صارت ” صحافة فوتوغرافية ” لا يُراد من خلالها سوى الظهور أمام الرأي العام في حلّة الغرور و ” البريستيج ” وكم من صُحفي تحوّل إلى ” صوّار ” وكم من ” خضّار ” دخل إلى المضمار … ولا أحد كلّف نفسه عناء إيقاف المهازل وإرجاع الأمور إلى نصابها.

أخشى أن أهنّيء الصحفيين فأشكر عبرهم بعض من ذكرتهم في السابق وأخشى أن لا أهنّيء أحدا فأُجحف في حقّ بعض المخلصين، كلّ عام والرداءة تزداد من حولكم، كلّ عام و الإعلام مُسيّسٌ، كلّ عام و جمعُكم مُشتّتٌ، كلّ عام وأهل الصحافة بخير … كلّ عام والإعلام ثلث مهنة … و الصحفي ربع مواطن !.

بقلم / بدر الدين قرماط ( الجلفة نيوز )

لم العجرفة!!؟؟

حين يثب الانسان الى ذاته، باحثا في ثنايا وجدانه عن الأسباب التي تدفعه إلى التمرد حينا و الى الحقد حينا آخر، تفلت من شفتيه آهة متألمة هي الاحساس بالفوارق الاجتماعية التي تجعل هذا عزيزا و ذاك ذليلا، هي الشعور بالغبن إذ يرى أن الحياة أغدقت نعمها هنا، و قبضت كفها هناك، هي يقظة الأنانية التي تود لو تملك الدنيا ولو على حساب سعادة الآخرين، تلك نظرة المشاعر التي يسوؤها ألا يكون الناس سواسية كأسنان المشط، و كل امتياز يحملها على التذمر واللعنة والثورة، لكنها تحترق في ثورتها وتضيع قواها في مجامر الغيظ والكبت إن هي لم تتخط عتبة النقمة إلى هياكل المحبة الفسيحة و جنائن التفكير العاقل اليقظ، فالحياة في غناها مسرح يمر عليه الناس يؤدون فيه أدوارهم ثم يتوارون خلف حجب الموت لا تيعفهم كل الوسائل على تحدي الحقيقة ، ولا يستطعون مهما بلغوا من مجد أن يوقفوا عجلة الحياة في سيرها نحو المطلق.

الحياة تمثيلية يسعى كل فرد ليقوم فيها بدور البطل، لكن البطل هو الذي يثور في صمت و يخلق في الخفاء ويبدع للبقاء، ليس الذي تبهره الضجة ويسعده التصفيق،البطل الذي هو في صراعه العظيم لا تستوقفه المراتب، ولا تغريه المظاهر العارضة، لأنه لو تأمل بعمق في حقيقة الوجود لزهد في الدنيا ورغب عنها إلى ما يشبع جوع نفسه و يروي عطش قلبه، و المتخمون من نعم الأرض و عطاياها هم الجائعون إلى نعم الحقيقة و عظمتها،العطاش إلى ينابيع الثورة التي لا تبددها الريح ولا تعبث بها يد الزمن، من هذه الزواية ننظر للعقل فنحتقر قوى الجسد، و نستعرض وجوه الحقيقة فإذا أبهاها ما كان قد ابتعد عن الزيف والتستر بالوهم، فمتى اقتنع الانسان بتفاهة الأشكال و بتساوي الناس أمام الأحزان والأفراح ابتسم معلنا رمي عقدة التكبر والعجرفة.

الأستاذة : ريمة جيدل

نور النّبي صلى الله عليه وسلّم.. يبدّد ظلام الشيطان شارلي إيبدو.

جدلٌ سياسي صليبيٌّ ويهوديٌّ ممقوت، يؤيّده بعض المنهزمين من العلمانيين والليبراليين العرب والمسلمين، واحتقانٌ شعبيٌّ غربيٌّ صُنِعَتْ أسبابُهُ عن قصد في مخابر الصّهيونية التي أشفقت على نفسها من إجماع أوروبي رفض أن يدرج حركة حماس الفلسطينية ضمن قائمة الإرهاب.. لهذا التّحوّل الأوروبي الأساسي، والذي يعتبر انهزاما -لم يكن متوقّعا – في سياسة الكيان الصّهيوني الغاشم أمام القضية الفلسطينية العادلة تحرّكت الأيادي الصّهيونية الخفية في نظام الحكومة الفرنسية لعلها تعيد ترشيد السياسة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية المركزية وتوجيه الرأي العام الأوروبي الرّسمي والشّعبي من خلال استهداف – موجّه – وهو الاحتمال الوارد –  صحيفة شارلي إيبدو التي أساءت أكثر من مرّة في حقّ سيدنا محمّد عليه الصلاة والسّلام..

إنّ السّاسة القائمين على شؤون المجتمعات الغربية، الذين يضمرون أحقادا نارية على الإسلام والمسلمين لا يهدأ لهم بال، ولا يرتاح لهم ضمير، ولا تستقرّ لهم الحياة إلاّ بالإساءة إلى المقدّسات الإسلامية، ليس من باب الإساءة المجرّدة، وإنّما من خلفية تشكيل وعي ديني صليبي ويهودي جديد – وحـتّى عربي إن أمكنهم ذلك– قصد توظيفه في مواجهة المد الإسلامي المعتدل المتنامي يوما بعد يوم، والذي تعرفه المجتمعات الغربية بصفة عامة والأوروبية بصفة خاصة…

إنّ ما حدث من اعتداء – لا تزال أوهامه قائمة، وخيوطه مشتبكة – على صحيفة شارلي إيبدو طَالَ بعضَ الرّسّامين الكاريكاتيريين المسيئين لنبيّنا وسيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام ما هو إلاّ دعوةٌ من اليهودية الماكرة والصّليبية الحاقدة باسم الدّولة الفرنسية لاختبار الرّأي العام العالمي والرّأي الغربي والفرنسي، واستنفار القوى الحاقدة ومعرفة مدى النّسبة المئوية التي يمكنُ تحقيقها من وراء هذا الاستفتاء الشّيطاني الخبيث والقذر بعد اختبار الأمواج البشرية المستنفرة والتي يؤزّها الإعلام الغربيُّ أزًّا ويهزّها هزًّا، ويستفزّها من ضميرها العقدي الصّليبي بعد أن يغلي في عروقها نارَ الحقد والغضب بالانتقام من الإسلام والمسلمين..

لقد أصبح ظاهرًا لدى المجتمعات الغربية القابعة في ظلامها الدّامس، نجم الإسلام محمّد عليه الصلاة والسلام، لا تغطّيه سحب الشكوك، ولا دخان الأباطيل، ولا خزعبلات كهنة الغرب وسحرته الذين يرسلون الأكاذيب جزافا، ويفرّقون بين الإنسان وربّه وفطرته السّويّة.. لقد أصبح الحقُّ جليًّا، وأسفرت الحقيقة عن وجهها المشرق، وفتح الإنصاف فاه مُتنفِّسًا بأوكسجين الهداية الرّبانية حتّى وإن أراد الماكرون من حكّام الغرب صرفه عن مواطنيهم.. {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون}[التّوبة/32] .. نور الحق لا يمنعه ظلام الباطل، وريح الخير المرسلة تشفي النفوس العليلة.. وهكذا هي سنن الله في هذا الكون.

إنّ الضّجّة السّياسية والإعلامية والدّينية الغربية التي أرسلت دموعا كاذبة عبر مسيرات فرنسا أرادت أن تغيّر من الاتّجاه الدّيني إلى الإسلام في المجتمع الفرنسي وهي تحاول تشويه صورة الإسلام من خلال الطّعن في المقدّسات الإسلامية ووصف الرّسول صلى الله عليه وسلم وسلّم بما هو منه بريء، بل عنه مستعلٍ بكريم أخلاقه، وعظيم سلوكه بأبي هو وأمّي عليه الصلاة والسلام {وإنّك لعلى خلق عظيم}[القلم/4]..

ماذا يريد هؤلاء المتطرّفون الغربيون الذين يتباكون على الحريّات – بهتانا وكذبا وزورا – وهم أول المسيئين الذين يصنعون الكراهية والأحقاد في مخابر المكر والظلم والعدوان عندهم؟.. ما هي الخلفيات الماكرة التي تدفعهم إلى المزيد من التّحامل على الإسلام والمسلمين؟؟ لا شكّ أنّها إرادة ترويض العرب والمسلمين على القبول بالتّطبيع الإجباري مع الصّهيونية حتّى يمكّنوا لمشروعهم الغربي في البلاد الإسلامية، ومن ثمّ التّخلّي جملةً وتفصيلاً عن تعاليم الإسلام، وإلصاق تهمة الإرهاب بكل من ينادي بالرّجوع إلى الشريعة الإسلامية حتّى ولو كان معتدلا لا يصدر عنه إلاّ الخير وقيم المحبّة والتسامح والسّلام..

إنّ التّطرّف الغربي عموما أصبح مكشوفا ومفضوحًا بعد أن أفصح عن نيته في الإساءة إلى أعظم مقدّس عند العرب والمسلمين ألا وهو سيدنا محمد عليه الصلاة والسّلام.. فخلف ستار مزاعم حرية التعبير والإعلام ينتهكون حرمة الإسلام والمسلمين، ويتطاولون على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويلصقون به أبشع الصّفات التي هو منها براء، وذلك بما يمليه عليهم شيطان الحقد والمكر الذي يستفزّهم بصوته، ويستنفرهم بأباطيله ويجلب عليهم بخيله ورجله…

كم هو مؤسفٌ جدًّا ومحزنٌ حقًّا عندما يعطي بعض الزّعماء العرب والمسلمون أو ممثّلوهم الإشارة الضمنية بالموافقة على شتم الرّسول صلى الله عليه وسلم والإساءة إليه وذلك من خلال المشاركة في المسيرة الباريسية التي أقامتها الحكومة الفرنسية تنديدا بالهجوم الإرهابي الذي استهدف صحيفة شارلي إيبدو السّاخرة.. كان يجب على المشاركين في هذه المسيرة أن يرافعوا عن النّبي محمد عليه الصلاة والسلام ويدافعوا عنه وذلك بفرض شروطهم كممثّلي دول وشعوب إسلامية وعربية تنشد السّلام والوئام.. ليتهم فعلوا ذلك حماية لأمن شعوبهم من تحرّشات الغرب.. أما وقد شاركوا مندّدين ومستنكرين فقد وقعوا في فخ اللّعبة الفرنسية خصوصا والغربية عموما، والدّليل هو تكرار صحيفة شارلي إيبدو الإساءة لنبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وإن كانت هذه الإساءة المستمرّة في الرّسومات الكاريكاتيرية السّاخرة فإنّها لن تحطّ من منزلة سيّدنا وحبيبنا ومصطفانا عليه الصلاة السلام شيئا بعد أن استولى على الأخلاق من عليائها، وبعد أن عجز الشّيطان أن يتمثل في صورته صلى الله عليه وسلم.. لقد قال في حديثه الشّريف [… فإنّ الشّيطان لا يتمثَّلُ بي]…

مستحيلٌ أن تصل الرّسومات الشّارلية الظلامية المظلمة المسيئة – لسيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم – والمستوحاة من إلقاءات الشّيطان إلى أهدافها بتشكيك الناس في هذا النبي العربي الرّؤوف الرّحيم الكريم.. وعصيٌّ على الخيال الشّيطاني الغربي مهما تفنّن في إتقان الصّور المسيئة والإبداع فيها منازلتُهُ صلّى الله عليه وسلّم من سؤدده الذي بوّأه الله إيّاه.

وشيءٌ مضحكٌ عندما ينزل المستوى الإعلامي والفنّي الغربي إلى مستوىً ساقطٍ وسافرٍ هو في الحقيقة معبّرٌ عن نفسياتهم المريضة التي أصابها الشّيطان بنزغاته فكانت رسوماتهم مرتدّةً عليهم منقلبةً على سلوكهم الذي يمارسونه يوميا ضد الإسلام والمسلمين..  

يجب على المسلمين أن يدركوا نأنأنّ الإساءات الغربية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد الإسلام في بلاد الغرب إلاّ امتدادا وتوسّعا أحبّ من أحبّ وكره من كره، هي سنّة الله الجارية والنّافذة.. كما ينبغي أن تكون ردود أفعالنا إيجابية وأكثر حضارية تدلّ على أنّنا محمّديون في أقوالنا وفي أفعالنا وفي أحوالنا، إذ لا يجوز أن نستدرج إلى سلوكهم القبيح.. فإن هم أساؤوا إلى نبينا – وهذا مستحيل منطقيا وعقليا ودينيا وتاريخيا – فعلينا أن يكون ردُّنا أحسنَ ، عملا بأمر الله في القرآن { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليٌّ حميم…} ..

 يحسن أن نتّفق على أن نرفع شعارات ننتصر فيها للأنبياء كلّهم ومنهم نبي الله عيسى ونبي الله موسى عليهما السّلام اللذين ينتمون إليهما، حيث نشهّر لعقيدة الأنبياء الواحدة التي اتّفقوا عليها جميعا عبر آلاف السّنين حتّى يعلم الغرب كلّه أنّهم هم المتطرّفون والآثمون الذين يحادّون الله وأنبياءه ورسله، ويناصبون العداء للقيم والمثل وكل معاني التسامح..

هكذا تكون المواجهة .. ندفع الإساءة إليهم بالحسنة فترجع عليهم، بشرط أن يُفَعَّل ذلك إعلاميا وبكل اللّغات، على أن تتبنّاه الدّول الإسلامية حكومات وجمعيات ومنظمات معتدلة ووسطية في فكرها وفي نظرتها إلى الحاضر والمستقبل..

لقد صار المجتمع الغربي أذكى منّا بكثير حين يستدرجنا إلى أفعال هو من يصنعها ويقوم بتصديرها إلينا – يأباها ديننا – بحيث يوقعنا في شباكه ويستهوينا إلى فخاخه بما يزرعه إعلاميا وسياسيا من أوهام نعتقد نحن أنّها حقائق وهي في واقع الأمر حرب على الإسلام والمسلمين تستهدف أمننا السياسي والاقتصادي والتربوي والأخلاقي..

وعليه فليس صعبًا أبدا أن تكون ردود أفعالنا وفق منطق القرآن ومقتضى السّنّة النّبوية الشّريفة من غير تشنّج أو غضب أو تعصّب مثير، كل ما في الأمر أن تكون لنا مواقف مشرّفة تلجم الأعداء وتعيدهم إلى صوابهم ورشدهم، وهي الحال التي تدفعهم إلى مراجعة مواقفهم وأفكارهم، ومطاردة خلفياتهم .. فنحن أمّة الإجابة في ذمّتنا تبليغ غير المسلمين رسالة الإسلام بحسن سلوكنا قبل كل شيء..

هذا وإنّ فينا من يركب الموجة ، إمّا لاستثمار سياسي أو لطمع مادّي أو لأرباح تجارية باسم الدّفاع عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم،  سرعان ما يفشل مع مرور الوقت لغياب الإخلاص فيه، ومن هنا وجب أن يكون عملنا إن أردنا أن نرفع الهيمنة الغربية عن أمّتنا أن تكون مواقفنا قائمة على الإخلاص والصّواب الذي يشهد له الشرع والواقع ومقتضى الحال..

أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية

الأفعى اليهودية برأسين .. بين مكرين متطرّفين.

كثيرا ما تنتابني أحزان، وتساور نفسي آلام وهموم وغموم، حينما أرى بعضا من بني وطني يتخاصمون فيما بينهم، لا لشيء إلاّ لمنطلقات نفسية مريضة، كبر رانُها واشتدّ لهيب نارها في نفوسهم حتّى بلغ رجع السّماء الإعلامي، فتلقّفته الأسماع الآثمة، وأذاعته الألسنة الكاذبة، وتناولته الأقلام الرّصاصية القاتلة..

ماذا دها النّاس من أدعياء الفكر المتحرّر من قيود الثوابت وضوابط المبادئ وحدود الوطنية؟

وما الذي جرّأ أدعياء الإسلام والنّظرات الفوقية الدّالّة على العصمة التي ليست إلاّ للأنبياء عليهم السلام ممّن تصوّروا أنفسهم أنّهم أوصياء على الإسلام في جزائرنا الحبيبة؟

وعمّن ينوب الفريقان في صراعاتهم الفكرية التي لم ترق إلى مستواها العقلي والعلمي والتربوي والأخلاقي، والنّاضج وفق الشريعة والتاريخ والقومية والوطنية والإنسانية؟

منذ يومين قرأت -بعد اقتحامي عالم الشبكة العنكبوتية عشية الجمعة من خلال صفحات التواصل الاجتماعي– أخبارا لا تسرّ وأنباء لا تبشّر بخير، لأنّ من راجت بشأنهم واستفحلت بسببهم كانوا مادّتها السّامة التي لا ترحم من يتعاطاها أو يتناولها، كما أنّها كانت بين أنياب أفعى برأسين تزحف في اتّجاهين متناقضين أو متعاكسين..

ما أعنيه وأرمي إليه في هذه العجالة السّانحة نفايات فكرية، وقُمامات ثقافية جمعها من هنا وهناك أحد الفرنكوفوليين الجزائريين المتشبّعين بنفايات الثّقافة الفرنسية التي صارت الجزائر ميدانا مفتوحا أمامها لترمى فيها.

غريب جدّا أن تقرأ لمدّعٍ أنّه مفكّر – وهو لا يحسن الكتابة، ويجهل قراءة التاريخ، ولا يدرك تماما قواعد الوعي الحضاري في الفكر الإسلامي- شيئا من أفكاره الموجّهة – غربيا- فتجده هاذيًا، يخبط خبط عشواء يمينا وشمالا، مادًّا خطوه كالمجنون الذي فقد وعيه في الاتّجاه الصّحيح..

غريبٌ جدًّا أن ينبري وبكل وقاحة للطّعن في الإسلام وفي أعزّ مقدّساته دون أدنى احترام لمشاعر بني دينه، وأهله، وبني وطنه..

مصيبةٌ وأي مصيبة عندما يتجرّأ رويبضةٌ جعل من نفسه أضحوكة فرنسية بعد أن استغلّته بعض الدّوائر الغربية التي تقدّم جوائزها لمن يقبل بقيود الرّق الفكري والعقدي، ويقوم بخدمتها بإخلاص منقطع النّظير..

إنّ هذا الصّنف من البشر فاقدٌ لحرّيّته، مضيّع لكرامته، مهدرٌ لقيمه التاريخية والوطنية والقومية، ليس له على نفسه شيء من سلطان القرار الدّيني الحرّ، أو القرار السّياسي، أو القرار الوطني الأبيّ، كل ما في الأمر أنّه صار عبدا مملوكا، ورقيقا مستباحا في كل شيء، مجرّدًا من كل حقوقه إلاّ حقّ التّطاول على الدّين الإسلامي عقيدة وشريعة وسلوكا، وهذا هو الظّاهر من خلال تصريحاته المسيئة والمتلقطة من قمامات الثّقافة الغربية ونفاياتها الفكرية..

وما هذه الأفكار الهدّامة والمستجمعة بإيعاز من جهاتها القائمة عليها إلاّ من دلائل التطرّف الفكري الغربي الذي يسمح لمعتنقيه من العرب بالهجوم على مقدّساتهم، معتبرا كل ذلك من الحرّيّات الفكرية، وهو عين التطرّف.

وهذا السّلوك الثّقافي الغريب أشدُّ غرابة منه مواقف بعض النّكرات المحسوبين على الإبداع فيما يزعمون الذين يعتبرون أنفسهم متحرّرين من كل القيود الشرعية والدينية والوطنية، وأنّ الانطلاق وراء سعار الشهوات بغريزة الحمر المتسافدة هو قمّة الإبداع عندهم، بما تدلُّ عليه فواحش أفكارهم ونجاسات أقلامهم ومفاسد أخلاقهم وسلوكهم. فلا عجب أن يعلنوا تضامنهم مع تافهٍ طفيلي من فصيلتهم.. فأيّ إبداع هذا الذي يتغنّون به ويتحدّثون عنه وهم سبب التراجع الحضاري لأمّتنا منذ سقوط الأندلس بسبب انتشار هذا اللّون من الإبداع المزعوم الذي أعلن جرأته في تحدٍّ صارخ تنصّله من القيم الأخلاقية الإسلامية:{فاستخفّ قومه فأطاعوه إنّهم كانوا قوما فاسقين} [الزخرف/54]

وفي الضّفّة الأخرى نجد ردود أفعال متباينة أو متقاربة عند من يدافعون عن المقدّسات الإسلامية، وقد تصل في بعض الأحيان إلى العنف الجسدي عند المتحمّسين الذين لا يحسبون للعواقب أي حساب، بحيث يفتون حسب التهاب حماسهم في نفوسهم، معتقدين أنّ الفتوى الشّرعية تخضع لأهوائهم كونهم أشدّ النّاس انتصارا لدينهم، وهذا هو الخطأ بنفسه، لأنّنا لو نظرنا في أحكامنا الشّرعية وكيف كان ينزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الواقع بين أصحابه لوجدنا أنّنا بعيدون تماما عن شريعة الإسلام، لأنّها لا تخضع لحماس النّاس أو غضبهم، وإنّما تقوم على أساس الحكم الذي أراده الله من عباده كما في قصّة الرّجل الذي أراد أن يحكّم سلطان غضبه بعيدا عن الحكم الشّرعي المنصوص عليه في كتاب الله تعالى وفي سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث نهاه النبي عليه الصلاة  والسلام عن هذا الموقف الجانح إلى مخالفة الشرع.

مشكلة صراع الأفكار في العالم الإسلامي أنّها لم ترق إلى مستواها المطلوب واللاّئق بها فكريا وحضاريا.. وما نراه تطرّفا فكريا وسلبية حضارية ما يعتقده كلُّ إنسان عاقلٍ أنّ الطّرف المناوئ لمبادئ الإسلام هو من يستهين بالمقدّسات ويعلن حربه على الإسلام من خلال الإساءة إليه بحجّة الحرّية الفكرية والثّقافية والإبداع. فإذا ما دافع أهل الغيرة عن دينهم اتّهموا بالتّطرّف والهمجية والعدوانية في الوقت الذي ينسى الطّرف الأول المعتدي أنّه هو السّبب في المشكلة.. ومع كل ذلك نقول أنّه لا يجوز شرعًا أن يجنح أيٌّ كان إلى العنف الجسدي، أو الاعتداء بالسّلاح كيفما كانت الحال، وإنّما تقتضي المصلحة الفكرية والثّقافية فتح باب الحوار والنّقاش ومقارعة الحجّة بالحجّة، وهو أقوى سلاح نافذ في وجه يمكن استعماله وتوظيفه دون اللّجوء إلى سبيل العنف.. فلعلّ الخاطئ أو المخطئ كل واحد منهما يتدارك نفسه ويصلح ما أفسده في ماضي أيامه، ولا شك أنّ الأرقى علما والأكثر ثقافة والأحسن فهما هو من ينتصر في نهاية اللقاء الحواري مع منافسه.

أمّا إذا بقيت الحال على تنافرها بين الأطراف المتخاصمة ثقافيا وفكريا وعقائديا فإنّ الأفعى اليهودية ذات الرأسين هي من تكون سيّدة الموقف، وهي من تنفث سمومها فيهما مستغلّة غباء الفريقين وأنّ كلاهما يمكر بالآخر ويزيد من تطرّفه دون شعور منهما..

والحلّ أن تسعى الجهات الوصية الرّسمية، وكذا الجهات العلمية والخيرية، والعلماء الذين لهم وزنهم العلمي لاحتواء المتناقضين المتلاعبين بالدين والوطن وأمن المجتمع الأخلاقي والنفسي والاقتصادي. وهذا ليس صعبا على كل مواطن جزائري مخلص لدينه، محبٍّ لوطنه الجزائري…

الشيخ : أبو القاسم العبّاسي

كاتب وباحث وداعية   

الإفتاء عند الأعور الدّجّال.. إشرافٌ وتكليفٌ

مصيبة كبيرة تضاف في سجل مصائب أمّتنا المكلومة، وأيّ مصيبة أعظم وأخطر عندما يفتتن بعض المحسوبين على منبر الإفتاء، خصوصا في مصر وبعض الدّول الخليجية حين ينسون ربّهم، ويستحضرون في أنفسهم بريق إغراءات الدّجّال وترغيباته المادية والمالية، لأنّ يقينهم فيما عند الله صار في حكم العدم، بحكم اهتماماتهم العقدية النّظرية التي لم تَتجاوز صريف أقلام، وتمتمات ألسنة، وفرقعات مسابح يغرون بها من يظنّونهم علماء أو يعتقدونهم كذلك.

مصيبةٌ وما أعظمها من مصيبة عندما يقتحمُ ذوو الأطماع، ومرضى الأحقاد، وصرعى النّفاق، ميدان الشّريعة في باب الإفتاء والتّوقيع -كذبا وزورا وبهتانا – عن رب العالمين دون أن يلتفتوا إلى وعيده سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حين يخاطبهم في كل وقت.. بل في كل خاطرة فكر لديهم، أو مراودة نفس عندهم فيقول: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إنّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم} [النّحل/116-117]

تاه هؤلاء عن رشدهم، وغاب عن وعيهم عِظَمُ وخطرُ المسؤولية الشّرعية التي تثقل كواهلهم أَمَاَناتُها والتي ناءت عن حملها السماوات والأرض والجبال.. غاب عنهم حال السّلف وكيف كانوا يتهيّبون من الخوض في الإفتاء – وهم أتقى خلق الله تعالى – لعلمهم الجازم أنّ الله عزّ وجلّ جعل لكل إنسان ملكًا يرقب قوله وعمله ويكتبه ويحفظه، وسيسألُ يوم القيامة عن أقواله وأفعاله ليحاسب عليها. فقد قال سبحانه: {ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف/19] وقال: {ليسئل الصّادقين عن صدقهم}[الأحزاب/8] وقال: {ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد} [ق/18]… إنّ هذه الآيات وغيرها كانت هي المستحضرات العقدية التي تقي أساطين العلم من السلف الأنقياء، الأتقياء من تجاوز حدود الله في أخطر منصب، ألا وهو منصب الإفتاء .. لقد كان يودّ كلّ واحد منهم أن يكفيه مسؤوليةَ الإفتاءِ غَيرُهُ، فإذا تعيّنت عليه بذل جهده في انتزاع حكمها من الدّليل الشّرعي ثم أفتى به.

مصيبة عظيمة وقبيحة أن يتزلّف بعض أشباه العلماء إلى بعض الحكّام والسّلاطين والملوك والأمراء بفتاوى استجدائية قائمة على الأطماع المادّية والحظوظ الدّنيوية رغبة في أعلى المناصب وأرقى الوظائف، وهو مسلك خطير يدل على شر مستطير، وكيف لا وهم الذين خانوا أمانة العلم، لمّا جعلوه سلعة ليصيبوا به عرضا من الدّنيا زائلاً، فعن هؤلاء قال فيهم التّابعي الجليل مكحول الشّامي رضي الله عنه: ” من تعلّم القرآن، وتفقّه في الدّين، ثم صحب السّلطان تملّقا إليه، وطمعًا فيما لديه، خاض في بحرٍ من نار جهنّم بعدد خطاه “..

الإفتاء توقيع عن الله، ومن يخضعها لهوى سلطان أو لشهوةٍ سياسية لديه، رغبةً في رضاه فقد تُوُدِّعَ منه وانتزعت منه شرعية منصب الإفتاء حتّى ولو كان هو أعلم أهل الأرض، لأنّه لا قيمة للمفتي إذا كان في فتاويه لا يستحضر رقابة الله وخشيته في نفسه، كما قال تعالى: {إنّما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر/28] .. فمن المصائب التي حلّت بأمّتنا وكانت سببا في تراجعها الحضاري وتكالب أعدائها عليها تفصيل الفتاوى حسب الطّلب لمن يتغلّب من السّلاطين والحكّام ولاعتبارات سلبية أخرى، منها شهوة الاستبداد، والرّغبة في تحقيق شهوات النّفس، واستحلال المحرّم المنصوص عليه بالأدلّة الشّرعية القطعية، وغير ذلك من الأمراض السّلطانية التي عوّقت الأمّة الإسلامية وألقت بها بين أحضان المستحلّين لبيضتها وحرماتها من أعدائها في الدّاخل وفي الخارج..

فمن يتابع تاريخيا الفتاوى التي تستدرُّ من الحكّام والسّلاطين شيئا من دريهماتهم لَيَقِفُ على مساوئ أقبح من منكرات السّلاطين أنفسهم، لأنّهم هم من زيّنوا لهم الباطل وحملوهم على اقتحام محارم الله وانتهاك حدوده.. إنّها الفتاوى الاستدرارية المعلّبة، والمصنّعة في مصانع الأعور الدّجّال.. وللرّغبة في طلبها وسرعة الإقبال عليها من المبطلين، الطّامعين، المتزلّفين صارت البلاد الإسلامية مليئة بقطع غيارها.. المهم أن تسير سيارة الإفتاء بماركة الأعور الدّجال..

منذ الانقلاب العسكري الغاشم والآثم على الشّرعية الدّينية والمدنية والديمقراطية في مصر، والممثّلة في الرّئيس محمّد مرسي وحركة الإخوان المسلمين، والفتاوى الضّالّة والمضلّة تنزل تباعا كالصّواعق الحارقة مستهدفة المجتمع المصري المسالم في دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لأنّ من يصدرونها ارتبطت علاقاتهم بالأعور الدّجّال- الذي اعتقدوا فيه الرّبوبية المطلقة على دنيا البشر – أكثر من ارتباطهم بدينهم، بل إنّ علاقتهم بالإسلام ما هي إغراء للسذّج ومراوغة شيطانية باسم الإسلام المعتدى عليه.

من يشرف على الفتاوى حاليا في بعض الدول المتواطئة مع إسرائيل هم أولئك الذين ربطوا مصيرهم المادّي بالأعور الدّجّال (أمريكا) في الوقت الذي نسوا فيه أنّ الله هو الرّزّاق ذو القوة المتين.. وفق منطق الإغراء المادّي وبعين حمراء تعرّض بالعنف السّياسي مع هيئات الخنوع وعلماء الخضوع يُشْرِفُ الدّجَّالُ مباشرة على عملية استصدار الفتاوى التي تخدم مصالح الصهيونية ويكلّف بها عملاءه الذين اشتراهم من سوق الرّقيق ممّن باعوا دينهم بدنيا غيرهم.

هؤلاء المحسوبون على شرعية الإفتاء – في بعض هيئات ومجالس الزّور – فتنوا قبل وصول الدّجال الذي هو من العلامات الكبرى لقيام السّاعة..

فإلى متى ودخان الفتنة يغطّي على هؤلاء المتجرّئين على اقتحام ما حرّم الله يقينيات الحق وثوابت الصّواب؟ إلى متى وهم يزيّنون لأهل الباطل باطلهم..؟ إنهم خطر جسيم في جسم الأمة، يقفون مع الباطل كيفما كان حتّى ولو كان الدّجال نفسه الذي سخّر الله له بعض قوانين الكون، و أنذرنا النبي عليه الصّلاةُ والسّلامُ من فتنته وأمرنا أن لا نستجيب له..

الشيخ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية 

الشّيخ يوسف القرضاوي .. ليس إرهابيا.

الإجهازُ على الإسلام واستئصالهُ من جذوره مخطّط رهيب ينفّذه الأغبياء في العالم العربي.. لعلّ السّبب الرّئيس – لمن يتأمّل مراجعه التاريخية- هم اليهود الذين احتلّوا أرض فلسطين المباركة، فمنذ سنة 1948م -وهي السنة التي سلّمت فيها فلسطين إلى اليهود تحت غطاء أممي جائر وماكر- ازدادت حدّة العدوان على الإسلام إعلاميا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا، ليس فقط من أمم الغرب المتكالبة على قصعة الأمّة الإسلامية، وإنّما –وبكل أسف- من بعض أبنائه، من السّاسة الرّسميين والمعارضين المميّعين الذين يزداد غباؤهم يوما بعد يوم، حيث تتعفّنُ مواقفهم الانهزامية أمام عدوّهم، رغم أنّهم يعرفون ويشاهدون نهايات بعض من ساندوا هذه المخطّطات وخدموها، وكيف انتهت بهم المغالطات الغربية إلى أحوال مأسوية آلت بهم إلى مزبلة التّاريخ، كما جعلت منهم القطيعةُ العلمانيةُ المقنّنةُ بينهم وبين شعوبهم هي بداية الاستهداف لأي مشروع إسلامي ينهض بالأمّة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.

لقد مرّت القضية الفلسطينية بعدّة تنازلات تدل كلّها على أنّ المارد الغربي خصوصا ( الصهيوأمريكي ) احتضن أصحابها المتخاذلين والمتنازلين بما يمليه عليهم سياسيا وإيديولوجيا وفق ما يتحقّقُ لشهواتهم ذات الرّؤية الشيطانية المنتهية ببراءة الشيطان منهم في نهاية الهدف وانتهاء المشوار { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إنّي أخاف الله رب العالمين }[الحشر/16]

وللأسف صار المتنازلون عن القضية الفلسطينية هم الأداة الفاعلة في حماية إسرائيل إلى غاية السّاعة، ولم تجد الصهيوأمريكية معارضا إلا الحركة الإسلامية المعتدلة، ولذلك وظّفت هذه القوى الماكرةُ الموالين لها والمنبطحين بين أحضانها لضرب كل نشاط إسلامي قوي يحرّك الضّمير العربي والإسلامي، حتّى ولو كان النّشاطُ الإسلاميُّ عملا دعويا أو تربويا أو خيريا أو إغاثيا.. 

و بدا واضحا جليًّا ودون مواربة أنّ الاستهداف صار يطال الجماعات الإسلامية المعتدلة في العالم العربي، ويقع بصفة خاصّة على رموز العلم والدعوة والنّشاط الخيري والحركة الفاعلة.. ومن هؤلاء المستهدفين العلماء المخلصون والدّعاة العمليون الذين رسموا معالم الحياة الإسلامية ولو بالشّيء القليل من جهودهم المثمرة التي آتت أكلها في كثير من الجهات من أرض الله..

إنّ النّشاط الخيري لدعاة الإسلام وعلمائه وحركاته المعتدلة هو الذي أفزع أمريكا والصّهيونية والقوى العدائية في بلاد الغرب .. أفزعهم لأنه معتدل في وسائله وفي أهدافه، وهو ما لا يريدونه، كونه يوقظ الضمير الغربي بمسلكه الطيب هذا، ويصنع الحياة الطّيّبة في المجتمع البشري بدل صناعة الموت الذي شيّدوا له مصانع وبنوا له مخابر تتفنّن في صناعة وسائله القاتلة والتي لا تجرّب إلاّ في البلاد العربية والإسلامية تحت حجج واهية، بحيث في كل مرّة يختلقون وهما قاتلا يصدّقه الأغبياء والمغفّلون من العرب والمسلمين..

وفي هذه الأيام برزت إلى السّاحة العربية والإسلامية أوهام جديدة وأشدّها خطورةً الكذب على الدّعاة والعلماء وتلفيق التهم في حقهم، كما هو الشّأن بالنّسبة للشيخ طارق السّويدان الذي أقيل من قناة الرّسالة تعسّفا وهو الذي أعطاها دفعا إعلاميا قويًّا، والشيّخ محمّد العريفي الذي لايعرف الناس عنه إلاّ حبّه لبلد الحرمين وسائر بلاد المسلمين، ما سمع عنه أحدٌ أنّه تجاوز الحدود الشرعية في التعامل مع الناس ومع الحكومات، وقد أفرج عنه ولله الحمد والمنّة ..

دعاة وعلماء وجمعيات خيرية في القارات الخمس أدرجت أسماؤهم ظلما وعدوانا وتعسّفا في قوائم الإرهابيين الذين تجب محاربتهم.. وآخرهم إدراجا سلطان العلماء العلاّمة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه وأمدّ في عمره بكل خير .. هذا العالم الرّبّاني يدرج اسمه ضمن قائمة المطلوبين لدى الشرطة الدولية (الأنتربول) بطلب من السّيسي الذي لم يعد له من وجه يقابل به ربّه إلا الإثم المتزايد الذي سيثقل كاهله ويعجّل بسقوطه بإذن الله تعالى.

لا شك أنّ الخلفيات الدولية وخصوصا العربية المتواطئة مع إسرائيل صارت واضحةً بشأن إدراج الشيخ القرضاوي ضمن قائمة الإرهابيين.. فما عجزت عنه إسرائيل تكفّل به بعض العملاء من الصّهاينة العرب الذين هم أسرع من البرق الخاطف في كيل التهم وبث الأراجيف وتبنّي الظلم والعدوان..

يظنّ المعتوهون المحجور عليهم أخلاقيا وسلوكيا وسياسيا أنّ بإقدامهم على هذا الفعل الآثم سيتمكّنون من إلقاء القبض على الشيخ القرضاوي،  وهيهات أن يتمّ لهم ذلك .. لقد رفع شكواه إلى رب العباد الذي يعلم السِّرَّ وأخفى، وقالها بلسان مقاله وحاله اقتداء بنبي الله يوسف عليه السلام: { إنّما أشكواْ بثّي وحزني إلى الله… } [يوسف/86] .. لن يتمكّنوا إن شاء الله، وقد انطلقت منذ اللّحظة الأولى من صدور الأمر أقلام العلماء والدّعاة والكتاب والشعراء والمثقّفين والإعلاميين والمحبّين وهم بعشرات الملايين للدّفاع عن الشيخ القرضاوي، وهي أدلّةٌ قاطعةٌ تدحض أوهام الظالمين الكاذبين وتضع الأنتربول عند حدّه حتّى يفيق من سباته وأنّه وسيلة لا قيمة له، وأنّه في يد الصّهاينة الذين يعبثون به وبشرعيته التي تضع علامات استفهام كبيرة عليه.

إنّ الشيخ القرضاوي ليس إرهابيا وإن توهّم ذلك مناوئوه وشانئوه والحاقدون عليه.. وهم يعلمون صفاء تاريخه حتى وإن تظاهروا بغيره لأنّ شهواتهم على حساب عقيدتهم و دينهم وشعوبهم تمنعهم عن قول كلمة الحق وإنصاف الحقيقة.

الأستاذ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية 

وطن الدماء والدموع؟ ! يكتبها: سعد بوعقبة

 دعني يا أستاذ سعد أقول لك أنك محظوظ لأنك عشت تقريبا عمر الجزائر المستقلة من الاستقلال إلى يومنا هذا أطال الله عمرك وعمرها، وإنك من المخضرمين المحظوظين الذين على الأقل عايشوا مختلف المراحل التي مرت بها الجزائر، خاصة سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات، عشريات الأمن والأمان والرجولة السياسية والوطنية الخالصة والنمو الاقتصادي والصناعي.. رغم كل ما يعاب على تلك المراحل، كل هذا يؤهلك لأن تكون علبة سوداء ثمينة.. إن جيلنا يحسدكم على الأيام الملاح التي عشتموها آنذاك في الجزائر… نعم الأيام التي كان فيها الدينار الجزائري أغلى من الفرنك الفرنسي، الأيام التي على الأقل كنا نصنع فيها جزءا مما نأكل.. ونصنع دراجة ماونة وجرار سيرتا وشاحنة سوناكوم وثلاجة تيزي وزو وتلفاز بلعباس.. وليس سيارة سامبول، الأيام التي كانت تغمرنا الوطنية دائما وليس أثناء مقابلات الفريق الوطني فقط كما هي الآن، الأيام التي كنا فعلا نشعر فيها بالعزة والكرامة في داخلنا ومن حولنا وليس نعلقها كما هو الحال الآن كشعار للحملات الانتخابية، الأيام التي كان فيها المواطن النزيه والصالح يتمتع بجميع حقوقه وكرامته، وليس كما هو الآن أين أصبح المسبوقون قضائيا يتمتعون بكامل الحقوق، بل بكامل الامتيازات في السكن والقروض والمناصب… أما المواطن الصالح غير المسبوق أصبح مهمشا يهز العين ويحط الأخرى، الأيام التي كان جهاز المخابرات الجهاز المناعي وصمام الأمان للدولة والشعب، أما الآن فقد أصابنا مرض فقدان المناعة المكتسبة، وتم توكيل مهمة الاستشراف والاستعلام إلى فرقة الزرناجية تحت قيادة “الدرابكي”، الأيام التي كانت فيها كلمة الشرف و«النيف” صفة تميز الرجل الجزائري عن غيره، ليس كما عليه الآن، إذ وصل الأمر بأحد أعمدة القانون الدستوري في الجزائر الذي درس أجيالا وأجيالا أن يصرح آنذاك ويقول يوم وافق النواب على فتح العهدات بالبرلمان، أن هذا الحدث خطوة نحو تكريس الديمقراطية… أين الشرف والأمانة العلمية… الخ الأيام التي على الأقل كانت فيها الشرعية الثورية تطغى على النظام، أما الآن فقد تم اختزال كل الشرعيات في الشرعية الجهوية، واختزال دولة بحجم الجزائر وجعلها حضيرة للمعتوهين السياسيين وخريجي المخابر السياسية المولودين بالطرق القيصرية… آه يا أستاذ سعد، بلغ عنا أنا وأبناء جيلي بأننا منذ أن جئنا إلى الدنيا وجدنا أسعار البترول قد انهارت وفي طفولتنا عايشنا أحداث أكتوبر وفي مراهقتنا عايشنا الإرهاب وفي عز شبابنا عايشنا الفساد والاستبداد…الخ يا أستاذ سعد لا تستسلم فجيلي يساندك رغم أنك لست من جيلي.
محمد محمد – الجزائر 
 حسب تعبيرك وتعبير العديد من القراء أنا مخضرم، قد يكون هذا صحيحا، لكن أنا أعتبر نفسي مخضرما بالمقلوب.. فقد عشت في طفولتي بعث الجزائر بالثورة المباركة، وعشت شبابي في عهد الحكم الراشد… وها أنذا أعيش معكم خريف العمر في ظل الجاهلية السياسية ! بقيادة مسيلمة وأبو لهب وأبو جهل ومن لف لفهم.
نحن الآن نعيش حكم بني أمية ونبحث عن عمر بن عبد العزيز وننتظر ظهور أبو العباس والقائد الفارسي أبو مسلم الخرساني. 
ما ذكرته يا محمد عن الإنتاج الوطني الذي كان واختفى يدمي القلب..
فقد أصبحنا نستورد حتى “أعواد الكوردو” من الصين !  لتنقية أسناننا من بقايا اللحوم التي نستوردها من الهند. !
ابك يا وطني الحبيب بدل الدمع دما !

جريدة الخبر / الخميس 27 نوفمبر 2014  بقلم: سعد بوعقبة

حتّى الشيخ أحمد القطّـــــــــــــــــــــــــــان.. يطاله الإقصاء !!

مسلسل الإقصاء والتهميش في الكويت

                                          حتّى الشيخ أحمد القطّان.. يطاله الإقصاء !!

الدّاعيةِ الكبير، والعالم الرباني، والمنافح المكافح عن أمن الكويت الشيخ أحمد القطّان الذي كان له دورٌ بارزٌ لا ينساه التّاريخ ولن تنساه الأجيال المتعاقبة وإن عتّمت عليه بعض الجهات الحاقدة والمأجورة، اليوم يصدر قرارٌ بإيقافه من منبره الإعلامي الدّعوي في إذاعة القرآن الكريم بالكوّيت .. وقد وصل الخبرُ إلى الشّيخ حفظه الله، فكان ردّ فعله أكثر إيجابية،كأنّ معه قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون يوم قدّم النّصيحة لقومه فقال: {فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إنّ الله بصير بالعباد}[غافر/44] .. لقد رد الشيخ ردًّا بليغا دعويا وإعلاميا ووطنيا إذ قال: “خبر توقيفي عن الإذاعة أتقبله بصدر رحب .. فالإعلام فانٍ وتبقى دعوة الله ومجالات الدعوة تسعها القلوب قبل الأجهزة ”

الشيخ أحمد القطّان .. الذي كان سببا في هداية الملايين من الشباب العربي سيرته لا تحجبها غيوم المشوشين أو الحاقدين، أو الحاسدين فهو الداعية المتميز الذي عرفه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا وداعية مخلصا لدينه ولوطنه الكويت ولأمته الإسلامية..

فمن هو الشيخ أحمد القطّان؟

أحمد بن عبد العزيز أحمد إبراهيم القطان ، المنحدر من قبيلة بني تميم في المملكة العربية السعودية.ولد الشيخ من عائلة كريمة تلقب بآل القطان في الكويت ( لاشتغالها بتجارة الأقمشة والقطن ) ولد في منطقة المرقاب يوم الجمعة الموافق 12 محرم عام 1366 هجري الموافق 6 ديسمبر 1946 في أسرة تضم خمسة أشقاء وثلاث شقيقات وهو أكبرهم.تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب على يد الملا مرشد ثم ملا فهد، ثم تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة قتيبة ثم التعليم المتوسط من مدرسة الشامية ثم مدرسة الخليل بن أحمد. حصل على دبلوم المعلمين من معهد المعلمين فحصل على دبلوم المعلمين عام 1969. عمل الشيخ مدرسًا للمواد العامة الأدبية لعدة سنوات ثم وكيلاً للمدرسة حتى عام 1996بدأ الشيخ مسيرته الدعوية في مسجد الصبيح 1970 وذلك بإلقاء الدروس المحفوظة من أشرطة الشيخ حسن أيوب بعد العصر ثم مع شباب جمعية الإصلاح الاجتماعي إلى عام 1976 ثم بدأ الخطابة في مسجد البسام في منطقة الجهراء عام 1976. تبنى قضية الدفاع عن المسجد الأقصى فأسس منبر الدفاع عن الأقصى وأعلن عنه عام 1979 في مسجد منطقة الدوحة في الكويت ثم تنقل بين مساجد الكويت محاضرًا وخطيبًا كمسجد العلبان ثم مسجد المزيني ثم مسجد الكليب ثم مسجد ضاحية جابر العلي ثم مسجد جابر العلي في منطقة جنوب السرة وإلى يومنا هذا تحت شعار منبر الدفاع عن المسجد الأقصى والتي كانت ومازالت تطوعًا لله تعالى. انخرط الشيخ حفظه الله في تقديم الدروس والمحاضرات التطوعية والثابتة في مدارس الكويت الهادفة لإعداد الجيل والنشء المسلم وذلك منذ تقاعده عن العمل عام 1996 وإلى يومنا هذا. كما قدم العديد من الدروس الثابتة والسلاسل الكاملة في إذاعة القرآن الكريم بدولة الكويت كدرسه في برنامج مسيرة الخير وسلسلة الفاروق بعد الصديق وسلسلة ذي النورين والسبطين وكذلك سلسلته السمعية الرائعة (رياض الصالحين )

بعد هذا العرض نتساءل

ترى ما الذي جعل هذه السّلسلة من العقوبات الإقصائية – والتي طالت كثيرا من الدّعاة إلى الله، منهم من سحبت منه الجنسية، ومنهم من أبعد عن نشاطاته الإعلامية الدعوية – تستهدف خيرة دعاة الكويت، ومن الذي يقف وراء ذلك؟

إنّ هذا الإجراء الذي صادر الشيخ أحمد القطّان حرّيته الدّعوية في المنابر الإعلامية والدّعوية الرّسمية، وهو الذي أحيا معاني الوطنية الحقيقية يوم خنس مناوئو الكويت الذين غادروها إلى ما وراء البحار، وربّما نشطوا في الخفاء على بيعها بأبخس الأثمان.. وقد كان الشّيخ سببا في استقامة كثير من الشباب المنحرف، بل أكثر من ذلك هو من بقي في الكويت يبعث في نفوس أهلها الحماسة الصّادقة من أجل الدّفاع عنها أيام الغزو العراقي لها، وما زال إلى اليوم يرسل توجيهاته التربوية، ورسائله الإيمانية عبر الإذاعة والتّلفزيون ..

إنّ الشّيخ القطّان و من قبله نبيل العوضي الذي سحبت منه جنسيته الكويتية مع دعاة كوّيتيين آخرين ما نعرفه عنهم أنّهم من أشد أهل الكويت حبّا لبلدهم، بل هم متعصّبون كثيرا لوطنهم ووطنيتهم، وأعمالهم ونشاطاتهم وخصالهم خير شاهد على ذلك بخلاف خصومهم من المتطرّفين الإسلاميين أو المتطرّفين العلمانيين والليبراليين الذين أحسّوا أنّ في وجود أمثال هؤلاء الدعاة المخلصين إزاحة لمشاريعهم إن في زرع الشبهات وإن في إشاعة الشهوات ..  

إنّ المتأمّل فيما يحدث في كثير من البلاد العربية خصوصا الخليجية، يقف اليوم على مساوئ فكرية ضحلةٍ يمارسها بعض من يعتقدون أنّهم يخدمون أمّتهم ويبنون مستقبلهم ويعملون على نهضة شعوبهم، والواقع أنّ مثل هذه الممارسات ستدفع الحاقدين إلى صبّ الزّيت على النّار، ودفع مستقبل الشعوب نحو المجهول الذي لا تحمد عقباه، وعليه فإن مثل هذه الإجراءات لا تخرح عن واحد من احتمالين:

الاحتمالُ الأوّلُ: مشروع جديد تفرضه أمريكا والصّهيونية على هذه الدّول بهدف إقصاء كلّ من يحمل فكرا معتدلا، ووسطيًّا، ومتوازنا، يخدم البلاد والعباد، واستبداله بمشروع التطرّف الذي لا يرحم، سواء باسم السّلفية المشوّهة من بعض أتباعها، والذين صار من مبادئهم زرع الشّكوك في نفوس الناس نحو عقيدتهم وشريعتهم وتاريخهم، مع العلم أنّ من بين التيّار السلفي منه هو معتدل وبريء من هذا القصور الفكري والاستشرافي، وفيه منه هو مستهدف مدرجٌ في هذا المخطّط لإقصائه .. أو باسم اللّيبروعلمانية الموالية للصّهيونية، والتي باتت تصنع العراقيل في وجه النهضة الحضارية للأمة الإسلامية حتّى ولو اقتضت الحال عندهم الإقصاء بالقوة والدّعم الخارجي .

الاحتمالُ الثّاني: تزايد الأطماع الإيرانية التي تسعى إلى إحياء أمجادها الفارسية بعد أن اشترطت على بعض هذه الدول المتعبة سياسيا إزاحة وإقصاء كل من يقف في طريق مشروعها الصّفوي الفارسي كعربون وفاء كاذب حتّى لا تؤجّج ضدّهم أتباعها من العملاء الشيعة العرب المغرّر بهم عقديًا وماليا وإعلاميا..

إنّ الذي يقف اليوم حقيقةً في وجه المد الشيعي الصّفوي الإيراني الفارسي المتواطئ مع المارد الغربي، هم أولئك الذين يحملون فكرا معتدلا، وفهمًا مستوعبا لأبعاد اللّعبة الغربية الماكرة، أولئك المتشبّعون بالقيم الإسلامية السّنية والقيم الوطنية الصّادقة، والقومية العربية المعتزّة بانتمائها العربي الأصيل، الذين لا يحبّون لأوطانهم أن تعيش تحت أوهام السّراب الغربي الكاذب الذي تريد أن تفرضه الصّهيوإيرانية على المنطقة العربية، والذي يزيد من معاناة الشعوب العربية في شتّى مجالات الحياة الإنسانية..

الشيخ أبو القاسم العباسي

كاتب وباحث وداعية