{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرٌّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}[البقرة/216] في الانتخابات العربية عموما يكره المنهزمون إخفاقاتهم وسقوطهم جماهيريا وشعبيا، وهي الحال التي تدفعهم إلى تغيير لغة المنافسة السّيّاسية من القبول بفوز الدّيمقراطية إلى فرض لغة الدّيكتاتورية وتثبيت أركانها، وذلك بالانقلابات العسكرية، أو تزوير الانتخابات برفع سقف رصيد نسبتها المئوية التي تصل إلى 90 % أو تزيد، وقد يسبق ذلك حملات إعلامية شرسة لتشويه من يريدون إقصاءهم، وهذا ما يحدث في كثير من البلاد العربية..
لكن في تونس تختلف الحال بالنّسبة لحركة النّهضة الإسلامية المتجذّرة في عموم الشعب التونسي، باعتدالها ووسطيتها، والدليل على ذلك تاريخها النظيف والشّاهد، والذي يعترف به حتّى منافسوها وأكثرهم الحاقدون عليها من غير جريرة أو إثم سيـاسي أو مدنـي أو اجتماعي.. فحركة النّهضة ساهمت منذ البداية على رسم معالم ديمقراطية صحيحة ومسالمة لم يسبقها إليها مدّعو الديمقراطية والمتشدّقون بها الذين يفزعهم وصول الإسلاميين المعتدلين إلى مراكز صنع القرار .
إنّ حركة النّهضة التي استطاعت أن تصنع معالم السّلم الاجتماعي في تونس والذي سيكون له ما بعده إلى بقية الدول العربية يجب أن يعترف الناس لها بأنّها قد جعلت في أولوياتها حفظ أمن المجتمع التونسي قبل كل شيء، وذلك من خلال تنازلها عن أكثر حقوقها الدّستورية التي هي حقوق الشّعب التونسي، وهي بموقفها هذا تكون قد جنّبت تونس مناورات المتربّصين بها الذين يسعون إلى إدخالها في فتن نارية تأكل الأخضر واليابس.. ولكن بحنكة شيخها الملهم راشد الغنّوشي تجاوزت عقودا من الزمن المستقبلي الخطّط له جهنّميًا ووصلت إلى شاطئ النّجاة وبرّ الأمان ..
ومن هنا فإنّنا نقول بأنّ الفائز في الانتخابات التونسية هو حزب “نداء تونس” لكن المنتصر هو “حزب النهضة” والشعب التونسي برمّته، أمّا الخائب والخاسر فهو ذاك الذي يسترزق رقميا للإطاحة بالديمقراطية في تونس، وبكائياته عليها و التي يذرف بها دموع التّماسيح حينما تنقض على فريستها.
فهنيئا للشعب التونسي بعرسه الديمقراطي، وهنيئا لحزب نداء تونس الذي فاز في هذه الانتخابات، ونهنّئه أكثر لو أنّه يعرف كيف يتعامل بمنطق العدالة الاجتماعية ولغة الديمقراطية الصّحيحة التي لا يقصى فيها أحد و التي ينشدها الشعب التونسي، وهو ما يحرص عليه كل غيور على وطنه، وهنيئا لحركة النّهضة على صبرها و ثبتاتها وحسن تصرّفها في مثل هذه الظروف التي صار الإسلام فيها متّهما حتّى ولو كان من ينادون به معتدلون وسطيون، مسالمون .. ونسأل الله تعالى أن يجنّب تونس وكل البلاد العربية المحن والفتن ما ظهر منها وما بطن . اللهم آمين .
عندما يغيب الحب .. يحضر العنف .. وعندما يحضر العنف .. يغيب الانسان .. وعندما يغيب الانسان تنهار القيم والاخلاق فتختفي ملامح المجتمع المتماسك السوي وهو ما نراه الان عنف منتشر في كل مكان بنوعيه المادي والمعنوي يقضي على النوع البشري بشراهة تحت أكثر من مسمى فالمسكون بالعنف لا يعدم الوسيلة في ايجاد اكثر من سبب للاختلاف مع الآخر والتقاتل معه .. فما يحدث في العالم بأسره من حروب وخراب ودمار سببه في الأصل غياب الحب الذي ما ان عمر قلب انسان الا وصار مسالما ؛ طيبا ؛ حنونا ؛ كريما ؛ سخيا ؛ عطوفا ؛ أمينا ؛ صادقا ؛ متسامحا ؛ هادئا ؛ حكيما ؛ متفائلا .. الخ .. نابضا بطاقة إيجابية تنير كل ما حوله .. وتعطي فرحا وبهجة لكل من حوله .. ولما رأينا تلك الصراعات الوهمية في أساسها والتي تحولت إلى مسألة حياة أو موت بين المرأة والرجل .. بين أفراد الاسرة الواحدة .. بين الأهل والأقارب .. بين أبناء الحي الواحد .. بين الحاكم والمحكوم .. بين الحكام فيما بينهم وبين المحكومين كذلك ..لتتسع الدائرة أكثر ككرة ثلج تسحق كل ما يقع في طريقها لتزداد به قوة وصلابة لتصل إلى الدول فيما بينها .. فالمشكل الأساسي يبدأ من الإنسان كجزء يصنع الكل وكل شيء متوقف على صحة نفسيته التي تتزن وتصح بالحب الذي يضم تحت مضلته الكثير من القيم النبيلة الراقية العريقة .. فتخيلوا معي كيف سيكون وجه العالم بعدها ؟ سأفتح هذه الفسحة المتواضعة لأكتب على كل شيء له صلة بطقس الموضوع بين ما هو كائن فعلا وبين ما يجب أن يكون .. على أن يصب الكل في سلة الحب والسلام لعلي أحدث بعض الفرق ..
حينما جثم الاحتلال الفرنسي على أرض الجزائر – كما هو معروف – أخذ أبعادا خطيرة استهدف مبادئ الإنسان الجزائري الدّينية، والسّيّاسيّة، والثّقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والحضارية بكلّ مكوّناتها، وذلك من أجل أن تبقى الجزائر رهينة التطلّعات الفرنسية الخبيثة وجعلها منطقة إستراتيجيةً تعود عليها خصوصًا والبلدان الأوروبية عموما بالمنافع الاقتصادية والدّينية والثّقافية التي تزيد من تمكين الاحتلال وتطويل عمره مادّيا ومعنويا. وقد سبق هذه الخطّة بعثات فكرية، وثقافية، واستشراقية، ومخابراتية دبّرت للمكائد الفرنسية وهيّئت لها الأجواء المناسبة حتّى تتمكّن من تحقيق برامجها وأهدافها .
ولكون الخطر الصّليبي قد ظهر عيانا ودون مواربة للمجتمع الجزائري بعد الإعلان الفرنسي عنه مباشرة من خلال استهداف المقوّمات الحضارية للأمّة الجزائرية بدأ الحراك الشّعبي الجزائري بالثورة ضدّه وإعلان مقاومته له. وقد أخذ طابع المقاومة الجزائرية أكثر من مسلك، فكانت المقاومة السّلبية التي سلكت مسلك الفرار من الوطن وهجرته، والتي كانت بالنّسبة للاحتلال الفرنسي إيجابية أهداها بعض الجزائريين وتخدم مصالح المحتل وتمكّنُ له. وفي المقابل ظهرت أشكال أخرى من المقاومة: كالعمل لمقاطعة الاحتلال بمستويات مختلفة، وحمل السّلاح في عدّة مناطق من الوطن. وقد كانت هذه الأشكال من المقاومة سببا في بروز مقاومة فكرية صلبة لا تخضع للاحتلال بما تدعو إليه من مقاطعة للمدارس الفرنسية، واللّجوء إلى معاهد الزّوايا، والمدارس الخاصّة، ومدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت حصونا قوية لصد الضربات التبشيرية والتنصيرية الفرنسية والأوروبية . وقد فرض الدّين الإسلامي فيها دوره الحاسم من خلال العلماء و المثقّفين ورجال الفكر في الجزائر .
وقد كان دور الكتّاب و المفكّرين واضحا وضوح الشّمس في رابعة النّهار، وجليًّا في العمل على حماية الوطن والمواطن من كيد الاحتلال، وفي فضح التّآمر الفرنسي الأوروبي على مستقبل البلد كونه وطنا له انتماؤه الحضاري، ونسبه العربي الأمازيغي الإسلامي، انطلاقا من روابط التّاريخ والجغرافيا واللّغة والدّين.
في هذا الجو المتشكّل بكل تقلّباته برز إلى الوجود التّاريخي الشّاهد الكاتب (أحمد رضا حوحو) ليرسم معلما من معالم المقاومة الفكرية والثّقافية والأدبية والجغرافية بما كان متمكّنًا منه، كونه معلّما، وصحفيا، وكاتبا، ورحّالة، ومصلحًا في كل مواقع المقاومة التي حل بها .
فمن هو الأديب أحمد رضا حوحو ؟
(1) في سيدي عقبة مدينة الصّحابي الجليل سيدي عقبة بن نافع الفهري بالجنوب الشّرقي الجزائري، ولد الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو سنة 1330 ه /1911 م حيث حفظ القرآن الكريم في الكتّاب كما هي عادة الأطفال الذين يرتوون من ينابيع القرآن، ولمّا بلغ السّادسة من عمره، التحق بالمدرسة الابتدائية، ثم أرسله والده إلى سكيكدة بعد النجاح في الابتدائية ليكمل دراسته في الأهلية عام 1928، ولم يتمكن من متابعة تعليمه الثانوي نتيجة السياسة الفرنسية التي تمنع أبناء الجزائر من مواصلة تعليمهم، ليعود “حوحو” إلى الجنوب ويشتغل في التلغراف بمصلحة بريد سيدي عقبة، وهذا ما زاده معرفة بأسرار الحياة، فكان يلاحظ الفرق البارز بين بيئتين مختلفتين : بيئة صحراوية قروية، وأخرى حضرية.
(2) ريح عقبة في بلاد الحجاز : في سنة 1934م تزوّج وبعدها بسنةٍ شد رحاله بصحبةِ أفراد أسرته – الذين آلمهم تآمر بعض العملاء للاحتلال الفرنسي، فكانوا سببا في هجرتهم- إلـى بلاد الحجاز، وفـي المدينة المنوّرة عــلى ساكنها الصّلاة والسّلامُ، وبعد فترة وجيزة من استقراره بها التحق بكلّية الشّريعة التي كانت البركة فيها عليه ظاهرة، حيث ارتقى علميا في ميدان الشريعة الإسلامية، وتحصّل على أعلى الدّرجات، وهو الامتياز الذي أهلّه أن يكون أستاذا بها فيما بعد، وهي ميزةٌ تدلّ على تفوّقه ونبوغه الشرعي والأدبي.وكأنّه في هذه الهجرة يخرج ببريد السّلام من عقبة بن نافع إلى موطنه الأصلي في بلاد الحجاز ليشهد له ويزكّيه أنّه متشبّعٌ بروح الإسلام وفضائل العروبة ..
(3) توظيف التّفوق الشرعي والأدبي والتّقني:
النّابغة يجـــــد نفسه في أي مجال يوكل إليــــه خصوصا فيـــــما يتقـــنه ويحسن التّمنية فيه، والأديب أحمد رضا حوحو وجد نفسه كذلك، بل فرض تفوّقه الشرعي عندما اختير أستاذا في كلّية الشريعة، كما كان حاضرا في المجال المعرفي الأدبي السّياسي، إذ تبوّأ أعلى المناصب الأدبية في الكتابة الصّحفية ، فكان عنصرا فعّالاً يشار إليه بالبنان، كما هو الشّأن مع مجلّة الرّابطة العربية المصرية التي فتحت له صفحاتها حيث نشر فيها أوّل مقالٍ له بعنوان [الطّرقية في خدمة الاستعمار] وذلك في سنة 1937م عندما كان في المدينة الموّرة، وفي سنة 1938م عيّن سكرتيرا لتحرير مجلّة المنهل السّعودية بعد أن كان كاتبا ضمن طاقمها التحريري، حيث شارك في قسمها الثّقافي وقد ذاع صيته من خلال ترجمته لبعض النصوص والقصص من الأدب الفرنسي، واشتهر أكثر ابتداء من العدد الثالث الصادر في فبراير سنة 1937م عندما قام بعرض واف لكتاب المستشرق المسلم والفنان التشكيلي العالمي الكبير ناصر الدين- إتيان- ديني الذي انبهر بجمال الصحراء الجزائرية، وقرر ان يقضي كل حياته بين أحضانها، وجعل من مدينة بوسعادة مرتعه الخصيب الذي يستلهم منه روائع لوحاته، ومبهرات ألوانه وأضوائه، إلى أن توفاه الله يوم 24 ديسمبر 1929 بـباريس، فرنسا، وأوصى أن يدفن في مدينة بوسعادة حيث يوجد الآن ضريحه ومتحفه.
لقد مكث أحمد رضا حوحو مدّة سنتين مع مجلة المنهل ليستقيل بعدها حيث اشتغل موظفاً في مصلحة البرق والهاتف بالقسم الدولي، واستمر في هذه الوظيفة إلى أن عاد إلى الجزائر سنة 1946 بعد وفاة والديه.
(4) بين محاضن جمعيـــة العلمـــاء المسلمين الجزائريين:
وهـــي محاضن متنوّعـــة،فكرية، وأدبية، وإعلامية، وتعليمــية، وتربــوية وجد فيها متنفّسه خصوصا مع جمعية العلماء، وهذا ما كانت تطمحُ إليه نفسه، فهو كالسّمك إذا خرج من الماء مات، وهو كذلك، لا يجد نفسه إلاّ في بحر الفكر والعلم وما شاكل ذلك .. ففي سنة 1946م، وهي السّنةُ التي عاد فيها من الحجاز إلى أرض الوطن الجزائري. في قسنطينة عمل لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أستاذا مصلحًا وفق منهجها الإصلاحي والتربوي، وظهر ذلك في تدريسه وفي كتاباته، حيث جنّد قلمه وفكره لبث الوعي في النّفوس وحثّ الهمم، ومحاربة الاحتلال والبدع والخرافات وكل الآفات الاجتماعية التي تكبّل المجتمع -بقيود العبودية، ولتكون ظهيرا للاحتلال و ليعيث في السّاحة – بكل ألوانها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنّفسية – فسادًا وانتهاكا لحرمة الدّين والأرض والعرض.
من يتأمّلُ في الأبعاد التي يهدف إليها من خلال مقاله ” الطرقية في خدمة الاستعمار ” يدرك أنّه – وإن كان بعيدا بجسده عن الجزائر وعن جمعية العلماء الجزائريّين – على صلة فكرية وعاطفية ووطنية ومصيرية بهذه الأخيرة جمعية العلماء، كما أنّه في صفّ المقاومين بالكلمة والفكرة والسّنان للمحتل الغاشم .
(5) وظائفه ونشاطــــاته:
· عيِّن مديراً لمدرسة «التربية والتعليم» التي كان الشيخ ابن باديس قد أسسها بنفسه وبقي فيها ما يقارب سنتين
· انتدب لإدارة مدرسة «التهذيب» بمدينة «شاطودان» التي تبعد عن قسنطينة بحوالي 50 كيلومترا ولم يمكث فيها إلا مدة قصيرة.
· في 25 سبتمبر من 1946 نشر أول مقال في البصائر بعد عودتها إلى الصدور تحت عنوان (خواطر حائر)
· اشتغل في منصب كاتب عام بمعهد ابن باديس الذي فتح أبوابه سنة 1947م
انتخب عضوا في المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وذلك في سنة 1948م
في الأسبوع الثّاني من شهر ماي 1949م شارك في مؤتمر باريس الدّولي للسّلام، حيث مثّل الجزائر خير تمثيل.
في 27 أكتوبر قام بإنشاء جمعية المزهر القسنطيني ومن خلالها كان يعرض مسرحيات مثل: ملكة غرناطة، بائعة الورود، البخيل.
في سنة 15 ديسمبر 1949م أسس مع جماعة من أصدقائه جريدة الشعلة وتولى رئاسة تحريرها، وأصدر خمسين عددا منها . وكذلك كتب في جريدة البصائر.
قام بترجمة العديد من النصوص والكتابات في الأدب الفرنسي. وهذا على تمكّنه من ناصية اللغتين العربية والفرنسية.
يقول الدكتور المصري جمال حمدان، عالم الجغرافيا السياسية في كتابه ” استراتيجية الثورة و التحرر ” ” إن الجغرافيا تاريخ ساكن و إن التاريخ هو ظل الجغرافيا “، هذه الثوابت التي تصنع من الإنسان مجرد رقم في الصيرورة الوجودية تحكم مصيره و تعبث بوجوده و تصنع منه في أحيان كثيرة حضارات و مدن، تترك بصمتها في هذه الدنيا حيث تختلط الجغرافيا بالتاريخ، و الوجود بالفلسفة و الحياة باستمرار الحروب و يخلق التأثر و التقليد عن طريق الاحتكاك من الفتوحات إلى الاستعمار حيث تُولد نسمة الحرية و الرغبة في مواصلة الحياة البشرية بكل ابداع و نظر ثاقب نحو التطور و التحضر و الخلود في التاريخ و ترك الشاهد ماثلاً على وجه هذه الأرض.
إن علاقة هذه الحضارات و هذه المدن و كل هذا الزخم الإنساني من دول و أمم و علوم و حروب يدخلنا في جدلية البقاء و جدلية من الأقوى و الأبقى.
هنا تُولد جدلية المشرق و المغرب، بجميع المتناقضات بين هذين العظيمين اللذين يمثلان عالماً كبيرًا و بديعاً و متناقضا في الوقت نفسه، هو العالم الإسلامي بتاريخه المجيد و بتاريخه الاستعماري الأسود.
إن ا لدول التي شكلت وجه المشرق قبل بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أثرت بشكل أو بآخر على ما يحدث في المغرب الكبير.
ألم ينتقل الفينيقيون الكنعانيون من لبنان إلى تونس مؤسسين للدولة الفينيقية بها والتي حاصر أحد قادتها روما أعظم ممالك الأرض ؟
ألم يحاصر الملك شيشناق البربري الفرعون المصري ” مينا ” ليؤسس بعدها لأسر فرعونية ذات جذور أمازيغية حكمت ردهاً من الزمن ؟
ألم ينقل الفاطميون الشيعة مذهبهم الإسماعيلي إلى المغرب ثم انتقالهم لمصر وتأسيسهم لدولة شيعية بنت القاهرة بسواعد الأمازيغ الكُتاميون ؟
ألم تقم دولة الأدارسة العلويون ذوو الأصول المشرقية في المغرب ؟
هذه المشرقية المغربية و هذا التداخل و التجاذب الذي ينتقل من علاقة الحاضر المتشعب إلى علاقة غيبية لا نعلم ما تحمل لهذا المشرق و لهذا المغرب أو لهما معاً.
سأحاول أن ألج بقلمي هذا العُباب لسبر أغواره و كشف بعض من كنوزه و خباياه لعلي أرسم بعضاً من ملامح الصورة الفلسفية ذات الأبعاد العينية لهذا المكون الرائع المتباعد والمتقارب في علاقته بنفس الوقت .
انطلقت مدرسة النجاح في البيرين ومحيطه تصنع النجاح، أفلا يستحق هذا الجهبذي أن نذكره، ونجدّد ذكراه العطرة، ونحيي أفكاره ونستشف منها ومن جميع مواقفه وابداعاته وأعماله كل الخير؟
1- مدخل:{..يَرفع اللهُ الذين آمَنوا منكم والذين أوتوا العلمَ درجات..المجادلة -11}النفوس البشريّة ضعيفة، يصيبها النسيان والملل والفتور،وقد تشغلها زخارف الحياة فلا تلتفت الى الوراء، وقد تصاب بالصدأ أوالتكلس ولا تعود تتذكر، والذكريات كالمسبحة ملتصقة ببعضها، فان نسينا واحدة ذكرتنا الأخرى، وان النظر في سيّر الأفذاذ من علمائنا ورجالنا الأفاضل تذكرةلألي الألباب، تعيد لنا الأمل وتجلي صور السلف الصالح، و تمنحنا قوّة ونشاطا واعتزازا بعلمائنا وبماضينا التليد،فلاريب أن التذكيربهؤلاء يثير في النفوس كوامن الاقتداء، الجزائر الكبيرة تملك رصيدأ ضخما من العلماء العاملين في حقل التربية والتعليم والدعوة الى الله،،أولئك الذين أرتوت الأمة من معين علمهم وخلقهم وجهادهم، و شباب اليوم يجهلون هؤلاء أويتجاهلون سيّرهم وأخبارهم ولايسألون، فهم يعرفون الكثير عن سيّر ابطال لاعبي الكرة ونجوم الفن والغناء وللأسف يزهدون في معرفة علماء الجزائر الفاعلين الناصحين ابان فترة الاستعمار، هذا الانفصام النكد كان سببا في ضعف منظومتنا الأخلاقية والقيْمِيَّة والتربويّة،وساهم في تشتت جهود أمّتنا العربية وعزتها، انّ ماضينا التليد حافلُ بالأعمال الفكريّة وبالرجال الأفذاذ ومن بينهم الشيخ عبد الحفيظ القاسمي،ألمع علماء الزاوية القاسمية، وأكثرهم حضورا وحركة، كانت شخصيّته لامعة ًومتألقة وله مظهر راق، يقول علماء النفس – مامعناه- في حياة كل انسان شخصية يتمنى أن يكون مثلها، ونحن الذين تعلمنا عن الشيخ تأثرنا به وكان قدوتنا،وما زلنا نذكره، وهذه لمحة مضيئة عن حياته أوجزتها في هذه الأوراق انصافا له واعترافا، هوشيخ فاضل وأستاذ جليل من علماء المنطقة المغمورين العارفين العاملين،نشأ في أسرة حظها من العلم كثير،وتميّز في وقت مبكر من حياته العلمية بالنبوغ،وهو الذي عاش للعلم، ونشأ في بيت العلم ، ولقي ربه وهو يخدم العلم،هذه النبذة من حياته جمعتها وعملت علي ترقيمها حسب سياقها التاريخي واعتمدت علي مروياتي بالخصوص وعلى وثائق ومعلومات لدى الأصدقاء ومن أسرة الشيخ، ولم اتطرق فيها الى أعماله الابداعيّة ، وكنت أنوي تقديم نماذج حيّة من كتاباته الرائعة وأنتظرت وحاولت ولم أفلح، اذ العين بصيرة واليد قصيرة.” كما يقال، فاكتفيت بسيرته العطرة المحفورة في أفكارنا وهي باقية وأهم أعماله الفكرية والإبداعية محفوظة عند أفراد من عائلته و لم تعرف طريقها بعد إلي القارئ والدارس 1.و يبقى الأمل منوطا بأسرته الكريمة وبطلبته وبمن عرفه أو يحتفظ بأعماله التفضل بطبعها والإفراج عنها،والكشف عن مخطوطاته النثريّة وأشعاره بخاصة.
2- فالشيخ عبد الحفيظ القاسمي وا حد من الشخصيات الاسلامية الفذة و المتميزة والتي قلما جاد أو يجود بها الزمان، قدّم لعلوم العربية وآدابها خدمات معتبرة، وقدّم للفقه الاسلامي وأصول الدين وعلوم الشريعة واللغة العربية أجل الخدمات وأنفعها للبلاد والعباد، ساهم وبكل تفان في المحافظة على مقوّمات الشخصية الوطنية وبكل ما أوتي من قوة وحكمة وبعد نظر، كانت حياته تطبيقا عمليًّا لما يقوم به وينصح، مدرِّسا و مشاركا في الجمعيات الوطنية، وكاتبا في الجرائد، ومحاضرا في النوادي والملتقيات، مدافعا عن اللغة العربية دفاعا مستميتا، وكان في دفاعه عمليا فاعلا جريئا كأشياخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلمائها ودعاتها وبذات الاهتمام وبالتوجه الاصلاحي الهادف، مسخرا جهده ووقته وما يملك لنشر العلم ونفع المتعطشين له، كان يردّدفي مجالسه نص الحديث:{من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا الى الجنة..}
خاض المعترك العلمي بوفاء ووعي، ووفق الى أبعد الحدود،هذا الشيخ المَعْلمُ لم ننصفه ولم نذكره للأجيال رغم أنه خدم الأجيال بمئات المتخرجين من مدرسته{ النجاح} في مطلع الاستقلال وقبله، وكان من الواجب أن نجلو حياة أمثال هؤلاء العباقرة ونجدّد مآثرهم بإزالة الغبار من على آثارهم ، وابراز أعمالهم الخوالد وجعلها فى المتناول للأسف لم نفعل، في هذه العجالة ومن خلال هذه الأوراق المتواضعة جدا، أتشرف بتقديم ا لشيخ عبد الحفيظ ألقاسمي إلى القارئ الكريم عساه يظفربابداعاته، ومخطوطاته، والى ذوي الاختصاص من الدارسين والباحثين ربما يهتـدون الى هذا الانتاج المطوّق، وهم بالطبع أقدر منا على الجمع والغربلة والتمحيص، ولعل طلبته وأصدقاءه وعائلته وكل من يملك فكرا أوقلما مهتما بالأدب يعنيه الأمرويستهويه، ولاشك أنهم سيساهمون في اثراء المعلومات والدراسات المتعلقة بهذه الشخصيّة الفذة الكريمة، وبانتاجه الفكري المحفوظ في تلك الادراج المهجورة، ومن يدريك فلربما{خيرالأمور ماكان معتقا} فمن هو الشيخ عبد الحفيظ القاسمي؟ وما هي أعماله ؟
3- يمكن القول وبكل صدق أن الشيخ عبد الحفيظ الموسوعة، وحيد زمانه، وفريد عصره، فهو رجل خبير بالحياة العصرية ومتطلباتها الفكريّة والحضاريّة، غيرمتواكل ولامتقاعس، مكين في القرآن الكريم، وآدابه وعلومه، أخذ من معينه الفيّاض الذي لاينضب،ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة، مايبدّد به ظلام الجهل الدامس المخيّم يومئذ على النفوس الحائرة في ليل استعماري بهيم لايرحم، والذي ازداد توحّشا وتحرّشا، وقطرسة وقهرًا للعلماء والوطنيين، بازدياد الوعي السياسي، وبانفجار حرب التحرير المباركة، في هذ ه الأجواء المدلهمة راح الشيخ المقدام وبكل تواضع وهدوء يجابه بفكره المتوقد، وعلمه الفيّاض، وحركته العلمية التعليمية الدؤوبة، التي لاتعرف الكلل ولا الملل ولاالمداهنة، يجابه تعليما غريبا، وغزوًا فكريَا رهيباَ، وسلوكات استعمارية مغريّة للشباب، ومثبّطة للعزائم، تصدى كأمثاله من العلماء المجاهدين، والوطنيين المخلصين، وأهل الزوايا العلمية المرابطين المصلحين، أقول تصدي لمخططات الاستعمار الثقافيّة الرهيبة،كالطود الأشم، بتعليم عربي اسلامي أصيل، وبكل تواضع وصبر وثبات، خاض المعركة كأمثاله{2} فكان تعليمه جادًا، وارشاده صادقا، وتوجيهات صائبة وارادته قويّة صلبة،و كانت ثقته بنفسه كبيرة، وهذا فى اعتقادنا هو سرّتفرّده بالتوفيق والنجاح، قرّب منه الرجال المخلصين الأتقياء، وتقرّب الى الشباب الواعي، وشجّع الأوفيّاء الفاعلين، وبعث فى جموع وعيهم الوعي و الأمل، وحب الوطن، والتفّ من حوله كبار القوم وساعدوه، وبكل اخلاص وصِدق وقفوا الى جانبه، وتلقي منهم الدعم المادي والمعنوي، ومن قيّادة الثورة في النواحي التابعة للولاية الرابعة والسادسة كل التأييد و الحماية، انطلقت مدرسة النجاح في البيرين ومحيطه تصنع النجاح، أفلا يستحق هذا الجهبذي أن نذكره، ونجدّد ذكراه العطرة، ونحيي أفكاره ونستشف منها ومن جميع مواقفه وابداعاته وأعماله كل الخير؟ ألم يأن للذين عرفوه وتعلموا منه وعنه واستفادوا من مجالسه الممتعة ومن مواقفه الرائعة أن ينصفوه ويعيدوا له على الأقل حضورا فكريا تربويا وثقافيا ليجدّدوا من خلاله ذكريات طيّبة، وبناءات ثقافيّة شامخة، ظلت قائمة في هذه الديار، وفي البيرين بالخصوص، البلد الطيّب والمدينة العامرة المضيافة ، التي احتضنت مشروعه الثقافي، في ظروف صعبة للغاية، وفي أجواء معتمة مشحونة بالمتناقضات، فشرفته وشرفها، وفيها فسح المجال للشباب المتلهف الى الثقافة العربية الاسلامية السيّدة، فانتظموا في مدرسته الحرة التي اخترقت بصحوتها حواجز الاستعمار ومحضوراته، وتحدت
قوانينه وثقافته،وكان النصر مبينا ،{3} نتساءل لماذا أسدل الستار عن أمثال الشيخ عبد الحفيظ القاسمي وهم كثر؟ من أبعد هم من الذاكرة طوال هذه السنوات؟ أين انتاج الشيخ الفكري الغزير؟ من الصّعب أن نجيب! ومن الانصاف والموضوعيّة أن نقول: لافائدة في تراث محنط {2} والى متي سيظل محفوظا؟لامعنى لمثقف يحتجز ابداعات غيره،أكيد هي من التراث الوطني، قلت هذه الأعمال أم كثرت، أفادت أم لم تفد، فان لم تكن تخدم الحاضر فهي علي الأقل تفيد في المستقبل، ولايمكن أن نغمط الناس حقوقهم، ومن الواجب أن نذكر اسهامات علمائناوأشياخناومن شارك في الحياة الثقافية من بعيد أوقريب، ونذكر بالخصوص الذين ساهموا في فترة من تاريخ امتنا بجهدهم، وبادروا في ظروف حرجة ومتميّزة بالتحدي، ومن المحزن أن يساء الى التراث، ومن المخجل أن لانكترث بذلك الموروث الانساني، فمتي يفرج عن أعمال الشيخ؟ و متي نميط اللثام عن هذه الكنوز النائمة، فالشيخ عبد الحفيط الموسوعة كان فضاء رحبا، وكان محط ّأنظارالمثقفين والعارفين فى وقته، بل كان قبلة لروّاد الحركة الثقافية والفكرية في الجزائر، الأساتذة منهم والجامعيون والدارسون، فقد زاره المفكر الجزائري ” مالك بن نبي ” عام 1967 ومكث عنده اسابيع،وظل يتردّد عليه، وكانت بينهما مراسلات ولقاءات، وتردّد عليه أعضاء من المجلس الاسلامي الأعلى، وعناصر من جمعية العلماء المسلمين، وعلماء أجلة من الأزهر الشريف العاملين ضمن البعثات الثقافية، ومنهم ا لشيخ الشعراوي، وأشياخ الزوايا، وأصحاب الرسائل الجامعية،وشعراء وصحفيون، ومكنهم من الاطلاع على المخطوطات وأمّهات الكتب النادرة ، وهيأ لهم ظروف البحث والدراسة والعمل، وللأسف لم يذكروه.
وجلس فى حلقات العلم وكان متقدما في التحصيل، بل من أنبغ الطلبة وأذكاهم، أخذ على أشياخ الزاويّة وعلمائها من أشراف الهامل خاصة، علوم الشريعة والفقه،وأصول الدين وفقه اللغة وآدابها وكان مقربا من شيخه الأستاذ بن عزوز القاسمي ينوبه في حلقات العلم، ونال اجازات كثيرة، وشهادات …
4- حياته :ولد الشيخ عبد الحفيظ القاسمي عام { 1330هـ 1912 م بالهامل{بوسعادة } عمالة تيطري سابقا{ ولاية المسيلة حاليا} ..والده الشيخ بلقاسم بن محمد بن أخ الشيخ محمد بن بلقاسم مؤسس زاوية الهامل، وقد تولي والده مشيخة الزاوية { 1918 /1928 } وكانت له حلقات علم مشهودة، وله تآليف مخطوطة..أما والدته فتدعي عائشة بنت عبد المؤمن أحد قضاة مليانة،عاش الشيخ مكرما في وسط علمي محترم، يعجّ بألوان المعرفة، وعلوم الدين، وفنون الأدب واللغة،وبيوت مكتظة بآلاف من طلبة القرآن الكريم، وحلقات العلم المختلفة وحظي بتربية خاصة وباهتمام الوالدين الكريمين،حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وجلس فى حلقات العلم وكان متقدما في التحصيل، بل من أنبغ الطلبة وأذكاهم، أخذ على أشياخ الزاويّة وعلمائها من أشراف الهامل خاصة، علوم الشريعة والفقه،وأصول الدين وفقه اللغة وآدابها وكان مقربا من شيخه الأستاذ بن عزوز القاسمي ينوبه في حلقات العلم، ونال اجازات كثيرة، وشهادات علمية من الشيخ الكتاني وغيره، وأصبح من أعلام الزاوية القاسميّة، بله شيخا من مشايخها الكبار، يجله ويقدره الجميع، ، تجدر الاشارة هنا أن زاوية الهامل فتحت أبوابها لطلبة العلم عام 1863 وذاع صيتها يومئذ،قال عنها الشيخ الحفنوي صاحب تأليف الخلف:{ان زاوية الهامل لاتطأطئ رأسها للزيتونة ولا للقرويين} وقال عنها المؤرّخ توفيق المدني في كتابه حياة كفاح: بأنها {معقل العروبة والاسلام} وقال عنها المستشرق جاك بيرك اثناء زيارته للهامل:عام 1964{ ان تاريخ زاوية الهامل يهمّ تاريخ المغرب بأسره…}في هذه البيئة العلمية المعطاء عاش الشيخ عبد الحفيظ ونشأ بين العلماء والطلبة، كان رجلا متواضعا، قصير القامة بدينا وسيما عندما يتكلم كأن الناس على رؤوسهم الطير، ذكيّ قويّ الحافظة طويل الأناة، فصيحا ذا هيبة ووقار، فهو بليغ العبارة، واضح التعبير، دقيق في نقل فكرته، ويحرص على أدائها بلغة فصحى، يملك ذخيرة لغوية غنية، متدفق المشاعر، متوهّج العواطف،مرهف الاحساس،متحمّس للعمل الجماعي،يحترم رأي الجماعة، طيب القلب،أعطاه الله بسطة في الجسم وحسن سمت وجمال،سهل الجانب ،كريم النفس، واسع الائيثار،حسن الألفة والمعاشارة، عالي الهمّة واسع الصدر كثير التحمّل، يجلس الساعات الطوَال في حلقة الدرس ولا يتزحزح،داره ملجأ للطلبة والفقراء، مشرّعة لأهل الفضل ولكبار الجماعة في كرم حاتمي، فقريتنا الوديعة{ البيرين} بَصَمت ْبجليل أعماله ومواقفه الانسانية الملوّنة بشتى صوّر النبل والشهامة،والقدرة على مسايرة قوافل الاصلاح،كانت قراءاته متنوّعة، يتابع الجديد بشغف ويبحث في أمّهات الكتب، يجلس الى تدريس علوم اللغة والفقه والحديث والتفسير، ويلازم الزاويّة رغم انتقاله الى بوسعادة في مطلع الأربعينات،{1947 }كان سياسيا بارعا ومحاورا ذكيا، ولذلك فإنه أصبح رئيسا لجماعة أولاد نايل {جمعية علمية ثقافية}{1} ولعب من خلال هذه الجمعية دورا كبيرا في اصلاح ذات البين، والتكفل بمشاكل ومصالح القبائل الرحل منهم بالخصوص، وكانت العملية نواة لاستقرار البدو وإعادة إدماجهم في الحياة السياسية، يساعده الدكتور لعراف علي بن دياح والذي اصبح بعد الاستقلال مديرا للمعهد النووي والبحث العلمي وبحوزة هذا الرجل وثائق مهمة .
وقد أهلته هذه المهام ليكون من نجوم الحركات الوطنية،عضوا فاعلا في نجم شمال افريفيا، ثم في حزب الشعب، ليلتحق بخلايا الثورة المباركة فيما بعد وإلى جانب ذلك كان يتولى تسييرممتلكات الزاوية ويدير العمليات الفلاحية في الأراضي [الحبوس] التابعة لزاوية الهامل، وكان له نشاط تربوي واجتماعي وسياسي وعلمي فيّاض مع أحد أفراد عائلته يدعى” الحاج عبد القادربن أبي القاسم “الذي أسّس جريدة {الرشاد} عام 1938 وأدارها الشيخ عبد الحفيظ الى أن توقفت قبيل الحرب العالمية الثانية، عبد القادر القاسمي تربطه علاقة عضويّة بجمعيّة العلماء المسلمين، بل هو من الأعضاء المؤسسين، وكان نائبا في البرلمان{1951 }، لذلك تجد الشيخ عبد الحفيظ يتردّد كثيرا على العاصمة{1} كونه هو الآخر،عضوا مؤسسا في جمعية العلماء المسلمين التي تأسست عام 1931 كردّ فعل قويّ وشجاع علي احتفال فرنسا بالذكري الميئوية لاحتلال الجزائرفي1930وهذا قصد اذلال الجزائريين وتركيعهم وقتل روح الثورة فيهم،وكانت غاية الجمعية في إصلاحها تخليص الدين من بعض الشوائب والانحرافات، والمحافظة علي الشخصية الجزائرية العربية المسلمة،وتعليم العربية،وتعميق الوعي في نفوس الشباب، كان الشيخ ينشط في هذا الإطار بقلمه السيّال ويعمل ضمن لجان معارضة، مشكلة ضد قانونالأحوال الشخصية،اذ الطريقة الرحمانية الخلواتية في تكوينها وفي أد بياتها علميّة جهاديّة مناوئة للاستعمار مذ أن وطئت قدماه أرض الوطن،وهي مستمية في الدفاع عن القرآن الكريم واللغة العربية،لذلك فلاريب أن يكون الشيخ هذا الشبل من تلك الأسود المرابطين، فطاحله العلم المجاهدين،هذا و لما تغيرت الأحوال، وهبّت رياح الثورة على المنطقة، كانت الهامل ومحيطها بحكم التضاريس والجبال الوعرة، والغابات الكثيفة، منطلقا للطلائع الأولى للثورة عام 1955، لذلك فان بوسعاد وبحكم موقعها وشهرتها، تهندست فيها أفكار الثورة مبكرا، وتبلورت الأهداف والمطالب، و تسارعت فيها الأحداث، الي درجة أنهااختلطت فيها بعض الأوراق{2} وبلغت المعارك أوجها عام 1958 لهذا فان الشيخ وبالنظر الى علاقته المتميزة، وسمعته الطيبة، ومكانته فى قلوب أهل العلم والاصلاح والخير، أصبح محط اهتمام،ومحل مضايقة ومتابعة،من طرف الحاكم العسكري،وفعلا وجد نفسه ذات خريف على رأس قائمة لستين{60} شخصيّة من أعيان بوسعادة مستهدفة ومطلوبة من الحاكم العسكري، فأشعر من طرف قيادة الجيش فى الولاية السادسة، وكذلك من أحد البشغوات بضرورة الإسراع في تغييرالاقامة، بعيداعن العيون التي باتت ترصده، توجّه الشيخ رفقة عائلته فى خريف عام 1959 الى حاسي بحبح ثم عين وسارة فعين بوسيف ثم الى البيرين، التى وجد فيها الأمن وحسن الاستقبال، فا ختارها دار اقامة ونشاط علمي بعد أن فتح فيها مدرسة “النجاح “، وشرع في تدريس الفقه على المذ هب المالكي، وقواعد اللغة العربية، وفى سكن متواضع جدا،انتظمت حلقات العلم، وكانت بحق
فضاءات حافلة بجلائل الأعمال،عمليات تربوية تعليمية را ئدة مفتوحة على طلبة العلم، ومن مختلف الأعمار والمستويات، وانطلقت الدروس بصفة رسمية ومعلنة فى الفاتح نوفمبر 1959 وبعد ان استأنس الطلبة لهذه الحلقات وألفوها، كان لابد من تحديد وتنظيم المستويات، وتبعا لذلك حدث التفويج، طبقة للكبار، وطبقة للصغار، ويتولى الكبار مساعدة الشيخ في تعليم الطبقة الأولى ،وتحضير دروس الطبقة الثانية [ من طرف السباق أو النظار ] وللغرض ذاته شكل مجلسًا علميًّا ولجنة للافتاء{ الحاج محمد بن عطاء الله..الامام الشيخ داسه بلخضر – بلقاسم ابراهيمي العلامة – شويحة الدراجي- قدوربوشريط – أحمد الفاطمي – عمراني علي -عمراني محمد الصغير – متقدم الحاج السلامي – خضراوي بن أحمد،دحية لخضر ..الخ..} وتوافد الطلبة من المناطق المجاورة والبعيدة،وتعدّدت الحلقات، وكثرت الحركة،بعدأن ذاع خبر افتتاح المدرسة، وتوسّع مجال التدريس فيها،ولأنه غطي علي كل الأنشطة التي تقوم بها السلطات المحليّة، تضايق الطفيليون أذناب الاستعمار، وتعرّض الشيخ لوشاية، ألزمته طلب ترخيص،اذ توسط له امام المدينة السيد داسه بلخضرلدى القائد فى الموضوع ،يوم 30 -12 – 1959 {3} وكان القائد” قدورمحمدي “من الرجال الأوفياء المتعاونين مع الثورة المحبين لزاوية الهامل، والذي كان له الفضل في استقدام شيخ زاوية الهامل الشيخ {مصطفي القاسمي } وأفراد أسرته الفارين يومئذ من بطش الاستعمار ومضايقاته، وأصبحوا سندا وعونا للشيخ في مشاريعه،وفي عام 1960 تحول الشيخ بمدرسته الى سكن فسيح ، {1} الأمرالذي ساعده على ادخال تعديلات معتبرة على البرامج والمواقيت ، وتنظيم فى المستويات ، { ابتدائي ، متوسط، ثانوي } ولما حدث التغيير، وتوسعت دائرة الطلبة، بشكل سريع، تعددت الاهتمامات،والمطالب، فاستجاب الشيخ لذلك، وشرع في ادخال فنون أخرىجديرة بالتدريس واستعان بالطلبة الكبار، الذين أجازهم، وبأبناء الزاوية الوافدين وشكل{4}منهم مجلسا للاشراف والتسيير والمتابعة.. 05 – الفنون التي كانت تدرس : كانت تدرس في المدرسة الزاوية جميع الفنون الشرعيةوالأدبية، وعلوم اللغة والرياضيات – التفسير- الحديث – الفقه المالكي…. – البلاغة والعروض والأدب – النحو والصرف – التاريخ والجغرافيا – التصوف وعلوم التوحيد – الجبر والهندسة والحساب – السيرة النبوية وقد جلبت الكتب من تونس والمغرب ، { الأجرومية – ملحة الاعراب النحو الواضح – ألفية مالك – قطر الندى – البلاغة الواضحة – متن ابن عاشر – رسالة أبي زيد – متن خليل وشراحه – هذه الجزائر- المطالعة العربية .. – تاريخ الجزائر علوم الفلك [ السنوسية والرحبية ] وكتب أخرى الخ…… 06 – المنهجية وطرق التناول:كانت الطرق السائدة فى اعتماد الكتب واستعمالها في الزوايا والمدارس الحرة يومئذ، هي طريقة المتون وا لشروح والحواشي،أما فى مجال التدريس فالسائد هو: طريقة المحاضرات، وطريقة التلقين والقياس والتكرار وطريقة المحاورة أوالمناظرة،وحيث أن الشيخ سلفي فانه متأثربالمنهج
السلفي و بالطريقة السلفية في التدريس خاصة { الحلقة – جلوس الطلبة والشيخ..و..} بيد أنه كان يحاول التجديد، ويسعى الى تفادي عيوب طرق التلقين، والقياس، والالقاء ،وذلك بادخال فنيات وأساليب الحوار والتدرج من السهل الى الصعب، ومن المعروف الى المجهول، وهو ينتهج أسلوب التكرار، ويرى أن { المكرر أحلى }كمـا يري أن{ الشيئ اذا تكرر تقرر..} وهو يجدد الانتباه، بالمساءلة حينا أو باحالة الطلبة على النص أحيانا أخرى،وهذا لتحديد فكرة، أوتوضيح مسألة، أولضبط معلومة، ويعمل بمبدا التعلم الذاتي،{ذاتية التعلم } والمحاولة والخطأ الى أنه يظل يحتفظ بأسلوب الالقاء، والمحاضرة، ويوظف الطريقة القيّاسية، مع اثارة الاهتمام فى الموضوعات الجديدة { بعث الحيرة التربوية فى نفوس الطلبة } مع الاستعمال المكثف للمكتسبات القبلية { تغذية راجعة } معتمد ا على الذاكرة { الحفظ والاستظهار} وهو شغوف بالبحوث، اذ يلزم طلبته بذلك رغم أن مستواهم لايسمح لهم بذلك، وتجد هم مع ذلك يقرؤون ويطالعون، ويكثرون من الجمع والاقتناء ،ويجبرهم على الحفظ وعلى المذاكرة وأحيانا على المناظرة، كان يرفض أن ينصهر طلبته فى قوالب جاهزة، وأن يروا برؤاه، انماهو يبتهج ويسعد لما يراهم يبدعون، ويجتهدون،ويخالفونه في التمثيل والمنهج ولايمانع،واذا مافعلوا شجعهم وطاب بأعمالهم نفسا، كان شغوفا بالمناقشة الجادة،والمذاكرة والحوار، يميل الى البحث الممنهج ، والتحقيق في المسائل التي تثار، ويرى فى التلقين كبتا للقدرات، وتعطيلا للفكر، ومع ذلك يستعمل التلقين والقياس استعمالا يلازمه الحوار { المساءلة } كان ينظر للأمر فى ضوء حياته السابقة، وحياة أسلافه، فتلمع أمام عينيه حقائق يثيرها بشوق، ويرى أنه فى عرف الذين يزنون الأمور بميزان الأوامر والنواهي اجحافا، وأن الذين يكثرون من سرد التعليمات أويسرفون فى الوعظ والاستطراد إرهاقا للذاكرة وإماتة للابداع،كان اشرافه التربوي عريضا وعلمه واسعا، وحديثه ممتعا ومجالسه لاتمل، يجعلك تطلب المزيد وهو مبحربك فى احد الفنون، وانك لتستجيب تلقائيا لتوجيهاته، اذ يصب عقله كله فى الموضوع، ونفسه فى المسائل محل المعالجة،وهذه وتلك تجعلك تغوص في المسائل، وتذلل صعوباتها بنفسك باذلا مااستطعت من جهد اضافي، اذ قدرته علي الاقناع فائقة، و في التقبل والاستجابة سريعة،وفى النقد والمساءلة مقنعة، انه يشارك الأطراف كلها حتى من خارج حلقة العلم، ويثير لدى الجميع الدافعية والرغبة فى التحصيل، وحسبك أنك تجلس فى الحلقة فتكون فيها عنصرا مشاركا وفاعلا لامتلقيا فقط، وتلزم نفسك على المواظبة والحضور، وتبذل قصارى جهدك لتستفيد وتفيد..{والأرض دون الانسان لاتنبت قمحا } وفيما يلي بيان خطوات الدرس فى الفنون ا لتى كان يدرسها.. التفسير : من العلوم التي يهتم بهاالشيخ اهتماما خاصا في حلقاته تفسيرالقرآن الكريم ، ويكون الوقت عصرا، تدوم الحصة ساعة ونصف ، يستهل الدرس بمقدمة خطبة الرسول [صلى ] “..أمابعد فان أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي..” – يتلو الآيات الكريمات التي يريد تفسيرها ، وأحيانا كل السورة – يشرح معاني الألفاظ والعبارات شرحا وافيا – يذكر بأسباب النزول، ويتناول بعض القصص والأحداث التاريخية- يحدد المقاصد، ويجلي بكل وضوح العبر، ويضرب أمثلة- يستشهد بالحديث الشريف، وسيرة الرسول {صلي } والسلف الصالح، وهذه المحطة تنال حظا أوفر من الدراسة والتوقف – يختم الدرس بالدعاء التالي: “..نفعني الله واياكم. بقية الفنون: طريقة التدريس فيها لاتختلف، وشبكة الاتصال والتواصل عمودية، وأحيانا تبادلية أفقية، فالطريقة كما بينا تتمثل في الحلقة،حيث يتحلق الطلبة حول الشيخ، فيلقى عليهم الدرس القاء وبعد ان يستمعوا الى سرد المتن، يكون الالقاء متبوعا باسئلة تضيئ جوانب الدرس وتثبت معانيه 1- المجموعة الأولى تتكون من فئة الأجرومية وابن عاشر 2-الفئة الثانية تتكون من فيئة قطر الندىورسالة ابن زيدون القيرواني.3- الفيئة الثالثة تتكون من فيئة الألفية والشيخ خليل ابن اسحاق.، بعد اتمام المقرر يتولى الطلبة بالتناوب سرد الشرح، أحدهم يقرأ قراءة معربة، وبقية الطلبة يستمعون ويتابعون واذا ماأخطا القارئ يتدخلون ويجري بينهم نقاش اثره يتم التذكير بالقاعدة أوالمعلومة وتوظف القاعدة توظيفا حيا،انها عمليات تطبيقية ادماجية تمارس فيها لغة الخطاب بشكل يسمح للطالب اكتساب آلياتها بالدربةوالمران ..
قرب عين وسارة، هناك طعن الزمن سفينته فاصطدمت سيارته بشاحنة متوقفة على حافة الطريق فى وضعية غير قانونية فمات وماتت الزوجة الكريمة أم الطلبة ” السيدة: رابعة” ونجا السائق، كان ذلك على الساعة الخامسة{17 }والنصف مساء من يوم الاثنين 14 رمضان 1390 هجرية الموافق لـ: 24 / 11 / 1969 …
07- اسهامات الشيخ فى الحياة الثقافية: نذر الشيخ عبد الحفيظ وقته في البحث عما ينفع الناس، فكان جهده كبيرا واسهاماته كثيرة،حتى وان كان لا يكفي في زماننا الجحود غزارة علم المرءوسعة أفقه مالم يكن له جماعة أو تلاميذ يقفون الى جانبه في حياته ومماته ويعطونه حقه أو على الأقل ينصفونه، وان الاعتراف بالجميل من خصال الأخيار، فهل انصف الشيخَ معارفُه وطلبته ؟ وسبق أن قلنا لم ينصفوه، فما هي اذن اسهامات الشيخ.؟ وما هي أعماله التنويرية ؟وأين هي ؟ باعتبارأن للشيخ نشاط تربوي علمي مشهود وحركة دؤوبة لاتتوقف،فقد ترك بصماته في الوسط، لأن نشاط الشيخ لم يتوقف طيلةحياته، وانه وبصرف النظر عن جلساته الخاصة والعامة، ومختلف الدروس العلمية، واللقاءات التي كان يحضرها، أويدعي الي تأطيرها. فانه كان يشرف على : 4 -1- المحاضرات : كان يحاضر فى موضوعات تحدد مسبقا ، وخاصة بعد الاستقلال، ويحرص على المشاركة في الملتقيات وتشهد له بذلك أبحاثه القيمية ومداخلاته المستنيرة، كان محل اكبار وتقدير واجلال من الجميع، وللشيخ ولع شديد بجمع النوادروالأخبار. 4-2- الحفلات : كان يشرف على تنظيم الحفلات، يركز فيها على احياءالأعياد الدينيةوالموسمية وسهرات رمضان ، هذه عند الشيخ مشهودة ،وتنظيمها يكتسي طابعا خاصا، من حيث الدروس، والمحاضرات،ويقحم طلبته فيها بعروض ومداخلات ووفاته كان سببها العجلة للعودة من مدينة الجلفة قبيل المغرب وهذا لحضور حفل مبرمج فى المسجد العتيق في البيرين.. 4-3- المسرح : ان اهتمام الشيخ بالعمل المسرحي كان اهتماما ملحوظ ومدروسا، اذ يعتبرالمسرح مدرسة قائمة بذاتها، ويرى ثقافة الفرجة بصفة عامة محركة للوعي، بل هي الوعي ذاته. 4-4- الزيارات والرحلات : يتجوّل الشيخ مع طلبته كثيرا، ويري فى ذلك فوائد كثيرة، تبعا لقول الشاعر. “..سافر ففى الأسفار.الخ ..” ولذلك تجده يبرمج الأسفار والزيارات ويحضّرلها تحضيرا ماديًا ونفسيًّا، والرحلة ليست للرحلة كما يقول:ولكنها دروس واختبارات وبحث علمي واكتشاب، واذ ماعاد الطلبة من رحلتهم عادوا ومعهم ذخيرمة من الكتب والمعارف، وقد رحل الى كثير من المدن والبلدان المجاورة رغبة منه في الاطلاع وتوسيع دائرة معارفه العلمية عن طريق الاحتكاك ولقاءات الأفاضل.. 08- أعمال الشيخ الفكرية وآثاره : 8-1 الشيخ الكاتب : يوم أن كان الناس يجهلون أهمية التدوين والتوثيق. قام الشيخ بتدوين الكثير من الأعمال الأدبية والعلمية اذ يعودالفضل له في حفظ وتدوين أعمال القاسميين الابداعية والبحثية والتصوفية قي الزاوية القاسمية، ولولاه لضاعت معظم آثار المشايخ فى الزاوية، كان أسلوبه الكتابي متميزا جدا وراقيا وحديثه يتجاوز الذاتية الضيقة، تتفجرفي نفسه ينابيع القوة، كانت لغته متجنحة متألقة متدفقة يحلق في أفق الخيال بأجنحة مرهفة، له مقالات أدبية وفكرية رائعة،ذات بعد انساني وتربوي كتب فى جريدة ” المحافظة ” المحلية، والتي أصبحت تحمل العنوان ” الروح ” عام 1948وكتب في جريدة {الرشاد} أجمل المقالات، وهي جريدة اسسها الحاج عبد القادر قاسمي، وانتظم معه في جمعية {السنة }و حقق فى موضوعات فقهية جديرة بالاهتمام،تتعلق بالمعاملات وأحوال الأسرة ولغوية ركز فيها على الاعراب، والاشتقاق وتاريخية تحدث فيهاومن خلالها على العروش، والقبائل ، ومقاومة الاستعمار الفرنسي وعن الثورة وبعض الأحداث فيها ، وله مراسلات كثيرة، واخوانيات، وسيرة ذاتية محفوظة، ذكرفيها مقابلاته لشخصيات بارزةعربية وأجنبية، وتحدّث عن بعض الانشغالات العائلية،ويتعجّب من محاولة الاطاحة بالوليّة الصالحة {لا لا زينب بنت الشيخ محمد بلقاسم }مؤسّس الزاوية الهاملية ، ومالقيت من معارضة من طرف بعض أفرادالعائلة، وتحيز أطراف القضاء والادارة الفرنسيّة لصالح أطراف ومنعها من الحركة ،الشيخ يذكر القصّة بمرارة لكنه يتباهي بصمودالسيدة زينب ، ويسجل رحلاته الى الزيبان وجامعة، ومناطق أخري من الوطن، وكانت رحلته الى بيت الله الحرام بداية لعهد جديد، يقول :انه اكتشف من خلالها أشياء لم يكن يعرفها.تمتاز كتاباته بالأسلوب العلمي الرصين وهو كثير التدقيق في المسائل وتأصيلها،فيتبع المسألة جلدا وقراءة ويشارك الطلبة والفقهاء . 8-2- الشيخ الخطيب: وهو خطيب مفوه، له الكثير من الأعمال، كخطب الأعياد والمناسبات، واللقاءات خاصة بعد الاستقلال. 8-3- الشيخ الشاعر : وله مايربو على الفين ومئتين وخمسة وثمانين بيتا من الشعر{2285 } فى مختلف الأغراض، وأهم أشعاره ما اشتمل عليها ديوانه المسمى “..شذي الياسمين ..فى ماقيل فى القاسميين..” وشعره تقليدي يميل الى النظم، ويهتم بالشعر الشعبي كثيرا ويعتبره فضاء أدبيا متميزا،يعبر عن مشاعر محبيه، وهو أقرب الي فهوم العامة وأنسب. 8-4- الشيخ الجمّاع : يهتم الشيخ بالادب الشعبي، الذي استرجع دوره الاعلامي التحريضي في الثورة ويهتم بالطرائف والألغاز والحكم والقصص الشعبية، وله كراسات جمع فيها مايزيد على {12 الف } بيت من الشعر الملحون، لأكبر الشعراء وأغزرهم انتاجا، وفى جميع ألأغراض أكثرهذه الأشعار مدائح ومراثي، وأعجبت كثيرا بكراسة كبيرة صنفها على منوال كتاب ” المستطرف } لاأدري ان كانت ماتزال محفوظة . 8- 5- الشيخ يكتب المقالات :وقد حاول الشيخ انشاء مجلة وأطلق عليها اسم ” الجيل الصاعد” جمع فيها مقالات ودراسات وأعمال فنية مختلفة،وكنت أنا المشرف على جمع مادتها، وللأسف لانعلم أين ذهبت تلك الأعمال.؟ وله أعمال منشورة في جرائد محلية ووطنية. 8-6- الشيخ المجاهد : شارك فى الثورة بشجاعة وبكل صدق، وتعرض لمضايقات كثيرة، وكان قائد فرقة الدرك الفرنسي يحضر الى منزله ويمده بكل الأسرار، ليعمل على تبليقها الى عناصرفي جيش وجبهة التحرير الوطني، وكان على اتصال بقيادة الجيش،التي عينته قاضيا أثناء الثورة وعشية الاستقلال. .8-7- الشيخ رئيس لجنة التربية والتعليم : حدث هذا بعد توقيف القتال مباشرة حيث بادر الشيخ بتعويض هيئة التدريس وهذا بتشكيل لجنة للتربية والتعليم، عناصرها : {عوج بنمالك ، قاسمي محمد الصغير، لمين عبدالرحيم، رحماني محمد ،عمراني مصطفي ،غويني بلقاسم ،الخ…} اشرفت على انهاء السنة الدراسية {61/62 } وحضرت للموسم الموالي {62/63 } وتولي التدريس طلبة الشيخ وبعض المجاهدين المفرج عنهم من سجون فرنسا ..{..لمين عبد الرحيم ، قاسمي يحي ،محمد الصغير داسه ، العيد عوج ، محمد ابراهيمي ، رحماني علي ، الخ..} 09- الشيخ وحركة الاصلاح : للشيخ علاقة طيبة جدا مع أعضاء في جمعية العلماء المسلمين، وهو متأثر بالحركة البادسية خاصة، وبالفكر الاصلاحي في المشرق عامة، لذلك فتوجيهاته وآراؤه فى الاصلاح مستمدة فى الغالب من برنامج جمعية العلماء، يهتم بمطالبهم وأفكارهم المنشورة فى جرائدهم، مثل الشهاب وغيره، وباعمال الشيخ البشير الابراهيمي الفكرية خاصة التي جمعت فى كتاب{ عيون البصائر } وهو وان كان من أبناء الزاوية بل من شيوخها الا أنه أكثر المشايخ وعيا وتفتحا على المحيط الثقافي والاجتماعي والسياسي، وله آراء واضحة فى المجال الاصلاحي، وقودها التغيير، ومحاربة البدع والخرافات والكسل والخمول، وهو يرفض التواكل وينبذالعنف، ويحترم الآخرين مهما كانت اتجاهاتهم وآرؤهم وينصفهم، ولايرفض أحدا ، وهو يسعى الى تهذيب السلوك والذوق الرفيع, وترقيّة أفكار الشباب وتحديثها عن طريق الحوار وعصرنة الحياة بالتفتح على الثقافات العالمية، ولكنه يحذر بقوة من التغريب، والذوبان فى ثقافة وفكرالآخر، ومن التخلى عن الثقافة الاسلامية وعن التقاليد الوطنية والعادات الطيبة التي لاتتنافي مع قيمناالعربية الاسلامية. 09 – مشاريع الشيخ: وهي فى الميدان الثقافي كثيرة ، وقد اشرنا الى بعضها، أما فى ميدان العمران فهي: 9-1- مشروع بناء المدرسة: فكر فى الموضع، وخامرته الفكرة ، ولما تزايد عدد الطلبة اهتدي الى حل تمثل فى شراء مساحة كبيرة تابعة لسكن قديم، وشرع فى العمل ، لكن الموت لم يمهله، فتوقف المشروع بتوقف أنفاس الشيخ الطاهرة وضاع الحلم 9-2- مشروع بناء المسجد: وظلت الفكرة تراوده ،وقد اختار المكان بنفسه ،ذاك الذي شيّد فيه المسجد الكبير الحالي، وسط ساحة أول نوفمبر، ظل يثير الموضوع فى مجالسه، وكعادته يزرع الفكرة ويتعهده بالمتابعة، ويترك أهل الخير يبادرون، وفعلا فان جماعة البيرين طيّب الله ثراهم ،حققوا الحلم، وأطلقوا اسم الشيخ على المسجد الكبيربعد انجازه، عام 1987 فى حفل بهيج حضره الحاج خليل شيخ زاوية الهامل يومئذ،وأقطاب من العلماء وأشياخ الزوايا وأعضاء في المجلس الاسلامي الأعلي، ووالي ولاية الجلفة ..واطارت وزارة الشوؤن الدينية.. 10- حادث المرور ووفاة الشيخ: كان الشيخ عائدا من الجلفة،يستحث الخطي لحضور حفل مقام فى المسجد العتيق، بالبيرين، بمناسبة احياء ليالي رمضان، والحفل مبرمج من طرف الشيخ نفسه، ضمن سلسلة من المحاضرات والدروس، وكان مدعوا لتناول الفطور عند شيخه ” بن عزوز القاسمي ” بعين وسارة ، ترافقه زوجته ، وكانت مريضة، وعلى الطريق الوطني رقم واحد فى مكان يدعي” بوسدراية” قرب عين وسارة، هناك طعن الزمن سفينته فاصطدمت سيارته بشاحنة متوقفة على حافة الطريق فى وضعية غير قانونية فمات وماتت الزوجة الكريمة أم الطلبة ” السيدة: رابعة” ونجا السائق، كان ذلك على الساعة الخامسة{17 }والنصف مساء من يوم الاثنين 14 رمضان 1390 هجرية الموافق لـ: 24 / 11 / 1969 . وبات فى المسجد العتيق بعين وسارة جثة هامدة مع زوجته،نزل الخبر الصاعقة على سكان البيرين والمدن المجاورة في ليلة لن ينساها التاريخ،فهب الكبار والصغار لالقاء نظرة الوداع عليه، ودفن.فى الهامل، فى موكب جنائزي مهيب قل نظيره..وقام يؤبنه حشد من الشعراء والأدباء ومن بينهم الشيخ الأزهاري القاسمي ابن الشيخ المكي، قال في قصيدته: {كفى اسفا كفى كمدا وحزنا*غيابك ياوحيد العصر عنا مصاب لايقاس به مصاب** ورزء هدّ ركن الصبر منا أصخت بسمعي والليل داج ** لنعيك ليتني لم أصخ أذنا لتبكيك المروءة يوم فقد**اذا هي لم تجد كفؤاوحصنا وتبكيك العلوم فأنت **فقيد في مجال العلم قرنا } وقال الشاعر الشعبي اخذري علي من قصر الشلالة: {سِي لزَهَاري ياابني لازم تصبر*ياثمرة فلاج بحبح رد البال شيخ التلاميذ للدرس يعبّر* وافترقوا في يوم وفاة همال ياحصراه عمارة البر تودّر* دَرْق ذاتو والسماء باقي خيال احزن يا برين دائم والتفكر* حزنك جائز في الشرع ماه محال ياخزانة شوفتي مفتاحك مُر* ماهو بالصنعة ولايشروه بمال } 11- المدرسة بعدالشيخ : وبعد الوفاة ، بدت المدرسة وكأنها متعبة حزينة تعاني من الناحية المادية والمعنوية تئن تحت وطأة الفراغ المهول الذي تركه الشيخ، نهبت مكتبتها وتوزعت شذر مذر. { مدارس آيات خلت من تلاوة ** ومنزل وحي مقفر العرصات ..} دعبل الخزاعي ولذلك راحت المدرسة تتعثر،رغم الجهد المعتبر الذي بذله الشيخ الكريم محمد بلقاسم القاسمي ابن الشيخ بن عزوز، وفاء منه لخاله،اذ تولي الاشرا ف على إدارة المدرسة، برجاء من جماعة البيرين وبمساعدة طلبة الشيخ {بن الطاهر الحاج- محمد الصغير داسه.- العيد عوج ، مصطفي بن عطاء الله ، عمراني مصطفي، البشيربن عطاء الله ، مجاهدي بلقاسم ،،قاسمي أحمد ،دحية بلال ، عوج رابح ،عامر بن عطاء الله ، خضراوي حسن.. الخ } وقد استعادت عافيتها وبدأت تخطو خطوات ثابتتة ميسرة لتتوقف نهائيا عام 1975اثر صدور المرسوم المتعلق بالغاء التعليم الأصلي والتعليم في المدارس الحرة، وتوحيد التعليم {1}أوصدت المدرسةأبوابها في موفي شهر نوفمب 12 – الطلبة والأساتذة : أدمج جميع الطلبة فى التعليم المتوسط والثانوي، وألحق الأساتذة بالوظيفة العمومية، وحتى الأساتذة الشرقيين،استفادوا من الاجراء. 13 – الخلاصة : كان الشيخ عبد الحفيظ يعمل بذكاء وفي صمت وهدوء، ليتجنب المضايقات الاستعمارية، وقد امتاز تفكيره بلون من الاهتمام بالعمل السياسي الراقي، وكان صمت الجوّ وقمع الحريات، ينقل الأصداء والمشاعر ويوطنها فى النفوس المتوثبة، ثم يترجمها الى أفعال فى شيء من الحساسية والثبات، ويكسوها هذا الثوب الألق، جهادا طريا، لاتخالطه قسوة ولانشوة، وانما دعوة صادقة الى الجها د، الي مناصرة الثورة المقدسة، وطلب العون المعنوي لها ثم المادي .
يتردّد الضابط ” الطيب ” من فرقة الدرك الفرنسي على المدرسة ، وفى الزيارة يكون الحديث “..المغمض العينين ..” وباللمحة الخاطفة تقنعهما الكلمات السريعة، ويقضي الله أمرا كان مفعولا ، وتتجدّد اللقاءا ت بتجدّد المستجدات، وتنضج خميرة الحياة السيّاسية ، فى صفوف الطلبة، ويشاركون في مظاهرات 11- 12 – 1961. وتكون المدرسة قد أوعزت الى طلبتها بتنظيم الصفوف، والتجمهر قبالة الثكنات، وقد انطلقوا كالمارد يحملون الأعلام الوطنية ، ويهتفون بحياة الوطن،ومن ذا الذي يتجرأ فى هذه الأجواء على حمل الراية، أوالهتاف بحياة الوطن،ولم يتوقف نشاط الشيخ الاصلاحي والجهادي بعد الاستقلال، بل كان له حضور متميزفي جميع مجالات الحياة ،ولقد توسعت المدرسة في عام 1962 وفي عام 1963أدخلت على هياكله ترتيبات بيداغوجية جديدة ، محلات مجهزة، وبرامج حديثة، وكتب عصرية، ومستويات أكثر تنظيم{ ابتدائي – متوسط – ثانوي } وذاع صيتهاوحضر الطلبة من كل حدب وصوب، من جميع الولايات تقريبا، واستعان بأساتذة مصريين وفلسطنيين، وسوريين، وساعده فى التسيير طلبته الذين وظفوا فى المدرسة ، واطارات من وزارة التربية وكانت للمدرسة مرافق أهمها مكتبة زاخرة بالكتب النادرة ، والسندات البيداغوجة، والوسائل العلمية،ونظرا لتزايد عدد الطلبة ، واكتظاظ الحجرات بالدارسين، فتح الشيخ ملحقات في كل من { عين بوسيف، شلالة العذاورة، عين وسارة..} كان الطلبة يتفكهون بقولهم من،دخل مدرسة النجاح فهو آمن، أي فهو ناجح،وفعلا فجل الناجحين فى امتحان التوظيف، على مستوي ولاية التيطري وخاصة وظيفة معلم هم من مدرسة النجاح بالبيرين، وقد بلغ عدد المتخرجين من المدرسة أزيد من{ 1200 متخرج ،والشيخ لم يخلف أولادا وإ نما خلف طلبة، كان يذكرهم ويعتز بذكرهم كثيرا ، وكانوا يذكرونه فى مجالسهم،كمثل يقتدي،ونجم ببريق أنواره يهتدى، تغمده الله برحمته وطيب ثراه وجزاه الله عنا كل خير ، وجعل عملنا هذا خالصا لوجه الله الكريم…
الشعر فاكهة الروح ودفؤها يسافر بك بعيدا لتتجلى لك معالم الجمال وإبداعاته ويرسم لك في ثنايا الروح عراجين المحبة والدفء والإخلاص ، هو زاد القلب ليستقر في دنيا الأمل والألم وأثناء زيارتنا لتونس الشقيقة في إطار مهرجان الحرية التقينا بنخبة من الشعراء والشاعرات اللواتي صنعن ثورة الخلد والمجد ومحبوبة خماسي إحداهن نبض شعري متدفق بأحاسيس متسامية في عالم الجمال والحب عفويتها قصيدة شعر متحركة في سماء الإبداع ولقصائدها لغة أخرى حبلى بأنواع الرقة والجمال دون إطالة هي اسم إبداعي متميز في كل شيء إليكموها في هذا الحوار .
س1 كيف تقدم الشاعرة محبوبة خماسي نفسها للقارئ الجزائري ؟
1.انا المربية والشاعرة التونسية محبوبة خمّاسي ، أصيلة ولاية الكاف بالشمال الغربي للبلاد ، من مواليد 12 /03 /1961 بمعتمدية الدهماني .لي أختان وثلاثة اخوة .زاولت تعليمي الابتدائي والمرحلة الأولى من الثانوي بمسقط رأسي ثم أكملت دراستي بمعهد ترشيح المعلمات بالمرسى الضاحية الشمالية للعاصمة.
تحصلت على البكالوريا ، ثم دخلت معترك الحياة المهنية بعد سنة من التربص، أدرس اللغة الفرنسية بالمدارس الابتدائية .
أنا معلمة تطبيق أول فوق الرتبة ، نقابية ، ناشطة سياسية وشاعرة أكتب باللغتين العربية والفرنسية في الشعر العمودي والقصيدة النثرية والشعر الغنائي وقصائد الاطفال… متزوجة وأم لولد وبنتين . أسكن بمدينة المنستير الساحلية.
أهوى المطالعة ، أميل الى السفروأمارس رياضة “المشي” .
س2 هل تعتبرين ان المرحلة الجديدة التي يمر بها الشعر هي مرحلة تطور أم هي مرحلة القطيعة مع الماضي ؟
2. لا أعتبر المرحلة الجديدة التي يمر بها الشعر” خاصة ما بعد الثورات العربية” مرحلة انتقالية ولا قطيعة مع الماضي .
لماذا ؟
لأن المرحلة شكل ومتن ، من حيث الشكل والمتن فان الشعر لا يستقيم دون بناء لغويّ حيث أنّ المسار اللغوي هو تقريبا هو ذاته وان تغيّر في بنيتها المعجمية اذن انسابت الفوضى في المفردة والتركيب ونشاز اللفظ فكان الشعر في شكله
باهتا في أغلبه وإن استثنينا بعض التجارب على نحو”محمود درويش، صلاح عبد الصبور، فدوى طوقان …”
أما على مستوى المضامين الشعرية فان الشعر يبقى مداره تقريبا حول الاغراض القديمة مثل الوطنيات والحماسيات والفخريات والهجاء والعشق…
س3 هل التكنولوجيا الحديثة ساهمت في تفعيل الحركة الأدبية أم العكس ؟
3 .التكنولوجيا الحديثة ساهمت بشكل ما في تفعيل الحركة الأدبية في سرعة التواصل وانتشار النص بيسر ، هذا كسر للمسافات ، اطلاع الافراد على مختلف الكتابات وتبادل المعلومات دون عناء . في المقابل عمقت ركود الكتاب وعدم مسكه أو التوجه اليه أونسيانه تماما أمام قضاء الوقت في الإبحار على النات و”الفايس بوك” لذلك أنا أعتبرها “سلاحا ذو حدين” وجب الحذر منه .
س4 يقولون أننا في زمن الرواية وأن زمن الشعر قد ولى إلى أي حد تؤمنين بهذه الفكرة ؟
4 . ليس صحيحا القول ان زمن الشّعر ولّى ومضى لأننا في زمن الرّواية ، لكل منهما مكانته وفعالياته وعشاقه أيضا … أما الرابط المشترك بينهما هو الإبداع والمبدع والمتلقي ، لذلك لا اقبل بالفكرة بل اصححها .
س5 كيف تعامل معك النقد وهل نحن فعلا بحاجة ماسة إلى نقاد يعرفون كيف يتعاملون مع النصوص لا مع الأسماء كما هو رائج الأن في اعتقاد الكثير ؟
5. بالنسبة للنقد ، يسرّني لأنه يقيّمني ويقيم أعمال كل شاعر أو كاتب أو قاصّ وكل مبدع .لا يحبطني بالمرّة قول النّقّاد ، رايهم يهمني ، رايهم هو المرآة التي تضعك أمام نفسك وامام المتلقي … بالنقد أتقدم وأغير كتاباتي الى الاحسن …
نحن كلنا بحاجة ماسّة للنقد لأنه بنّاء ، اذا تعامل النّاقد مع النّصّ طبعا ، لا مع الشخص كما يفعل البعض وهم قلّة لا يجب تعميمها .
س6الحراك الثوري السائد الأن في كثير من المناطق العربية إلى أي حد ساهم في تفعيل الحراك الأدبي عموما والشعري خصوصا ؟
6. بالنسبة للحراك الثوري السائد الآن في كثير من المناطق العربية ، ساهم الى حدّ ما في تفعيل الحراك الأدبي بفكّ أسره وتحريره من القمع عامة والشّعر بالأخص ، نأخذ على سبيل المثال “تونسنا الغالية” الهدف الوحيد الذي حققناه منذ اندلاع الثورة الى حدّ الآن هو “حرّيّة التعبير” بما في ذلك النصوص الادبية والشعرية . مقابل ما ذكرته ، ظهور طفرات أو كتابات لا ترقى لمستوى الأدب والشعر الى جانب السرقات الأدبية أو المتاجرة بالأدب وبالثقافة . هذه الظاهرة الغريبة لن تدوم طويلا ، حتما ستزول بزوال الظروف الراهنة .
س7 في زمن اللامقروئية لما تكتبين وتحرقين ما تبقى من عمرك ؟
7. في زمن اللامقروئية كما ذكرت، أنا أكتب لأدوّن ما يخالج صدري أو ما يؤرقني ، لأوصل أفكاري للقرّاء ولو على جدار النات … أكتب لأنير عقول الناشئة ، لا لأحرق نفسي … بالأحرى أحرقها ان لم أكتب لأن الكتابة هي المتنفس الاقرب الى شخصي والرابط القوي بيني وبين المتلقّي ولو بعد زمن طويل ، سيجد فيها ضالّته .
س8 إلى أي فئة توجهين كتاباتك ؟
8. أوجه كتاباتي الى القرّاء بمختلف أصنافهم :الى المثقفين ، الى السياسيين المتغطرسين ، الى المناضلين ، الى الكادحين ، الى المبعدين ، الى الأولياء ، الى التلاميذ …الى العشاق والى الاطفال .
س9 ماذا تعني لك هذه الكلمات ؟
الشعر **** السعادة **** الثورة **** الحرية **** أميمة ***
ــ الشّعر قبل كل شيء شعور وهو دفق من الذات ونبض الوجدان وهو وقع اللحظات التي يعيشها الإنسان مع ذاته ، مع الآخر ومع الكون .
ــ السّعادة لحظة فارّة ينشدها الانسان ولا يحققها .
ــ الثّورة لا تولد الّا من رحم الكادحين ولا تعيش الّا بنفس الثّوّار لانّهم حطب وقودها … وتندلع الثّورات نتاجا للقمع والظلم والاضطهاد والرشوة والمحسوبية …وكل مظاهر الفساد .
ــ أميمة هي أصغر أبنائي سنّا . هي رفيقة دربي في الادب ، في الاعلام وفي النضال المستمر… هي شاعرة مبتدئة وناقدة متمرّسة في الادب والقصّة . هي قريبة جدا من شخصي . هي “المنى والرّوح” وهي سبب تقدمي ودفعي الى الأمام ، رعاها الله وحفظها وحفظ أخويها من كل مكروه .
س10 الكلمة الأخير لك ماذا تقولين .
10. أتوجه بكلماتي الى القارئ غزوا لكل مناطق الجهل والظلام والتخلّف ،
يشاركني في نشر المحبّة والسلام في كل شبر من أنحاء الكون ويحفزني على أن أقتل كل بؤر الفتن والطّائفية والمذهبيّة وأوحّد المبدعين في أرجاء المعمورة .
كم هو جميلٌ أن يقرأ الإنسان العربيّ المسلم عن تاريخه .. عن كلّ شيء في وطنه ، منقّبا عن كنوزه و رِكَازِهِ ، باحثًا عن نفائسه ، و درره ، ساعيًا في اكتشاف معادنه .. و ما أكثرها ، و ما أجملها .. و ما أحسن أن نعيد تحليلها من جديد ، و دراسة عناصرها لنفيد و نستفيد …
و إنّ أهم معدنٍ نفيس يُسْتَثْمَرُّ فيه ، هو معدن الإنسان صاحب الفكر الذي يشهد له قلمه الذي أقسم الله تعالى في حقّه فقال : { ن و القلم و ما يسطرون} [القلم/1].. من قدّم لمجتمعه أنفس ما عنده ، و أطيب ما لديه ، و أنفع ما يحسن ، و أحكم عصارة تجاربه في الحياة …
و العالم الإسلامي زاخرٌ بكنوزه الفكرية و العلمية و التربوية في العطاء الحضاري ، منذ بزوغ فجر الإسلام إلى يومنا هذا .. و الجزائر كغيرها من بلدان المسلمين فيها من الكنوز الفكرية ما لا يحصى و لا يعد ، بل ربّما تفوق كثيرا من البلدان في وجود معادن فكرية نفيسة ، فقط تبحث عمّن ينقِّبُ عنها ، و ينفض عنها غبار الإهمال الذي غطّى نفاستها و رونقها و جمالها …
و عملا بحديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم الذي يقول فيه : ” العلماء ورثةُ الأنبياء ، و إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما ، و إنّما ورّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر “[أخرجه أبو داود و الترمذي و صحّحه الألباني] ، و حتّى نحقّق لأنفسنا هذا الحظ الوافر ، و باقتراح من موقع أخبار عين وسّارة اخترت أن تكون لي معه صفحة تُعْنى بالشّخصيات التاريخية الجزائرية التي تركت لها بصماتٍ ذات سمات ، و آثارًا تفوح مسكًا و عبيرًا .. و المقصد من كلّ ذلك هو تعريف القرّاء بكنوزنا الجزائرية ، الفكرية ، و العلمية و التربوية ، و التي كانت و ما زالت مراجع تقوّم الاعوجاج ، و تهدي السّبيل ، و تغيث الملهوف علميا و فكريا و تاريخيا ..
هذا و قد اخترتُ أن تكون صفحتي تحت عنوان : ” رجالٌ يشهد لهم التّاريخ “ ، حيث سأتناول في كل حلقة تاريخ شخصية وطنية شدّت انتباه التّاريخ ، بل سطّر لها في سجلّه الخالد مناقبها و خصالها و إبداعاتها في المجال الذي أتقنت فيه و أينعت و أثمرت …
و إنّني أسأل الله تعالى التّوفيق لما أسند إليَّ من عمل فكري و تاريخي ، و أرجو القبول و الرّضا ممّن يقرأُ ، راغبا في دعوة صادقة منه تمدّني بالنّجاح و وافر العطاء في هذا المشروع الذي أُراهُ واجبا أسدّ به فراغًا في مثل هذه المواضيع التي غابت أو غُيِّبَتْ في الميدان الإعلامي المقروء ..
حملت العقود والسنوات الأخيرة زخما وعددا هائلا من الأحداث والوقائع طفت على إثرها مصطلحات وألفاظ لم تكن حتى أمد قريب متداولة ولا معروفة حتى لعل أهمها على الإطلاق مصطلح الإسلاموفوبيا او ظاهرة الخوف من الإسلام التي أصبحت وجبة إعلامية غربية دسمة لا تتوانى ولا تتردد هذه الاخيرة في التطرق إليها كل ما واتتها الفرص وهي كثيرة .
رغم كل حالات الضعف والهوان والانحطاط الذي وصلت إليه دول العالم الإسلامي إلا أن انتشار الدين الاسلامي وتزايد أعداد المسلمين في كل أرجاء المعمورة لم يتأثر بذلك مطلقا بل وكأني بالتأثير قد كان عكسيا فبعض الدراسات الأوربية أشارت وتشير الى أن دولا أوربية غربية وشرقية قد انتشر فيها الاسلام انتشارا لم يسبق له مثيل وهى دول كانت حتى أمد قريب أبعد ما يكون عن هذا الدين الحنيف ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ألمانيا التي تشير التحليلات انه وبحلول العام 2050 سيصبح الاسلام هو دين الاغلبية فيها.
إن عداء حكومات الغرب الثيوقراطية العقيدة والمنهج والتي دائما ما كانت تتنطع بالديمقراطية وتنادي لها وهي أبعد ما تكون عنها قد أخذت موقف العداء للإسلام وللمسلمين منذ وقت بعيد وهي التي حاولت قديما وحديثا جاهدة التخلص منه والإسلام اكبر من ان يزول او ان يندثر وهي حكمة الله وإرادته.
تطورت أساليب حرب الغرب على الاسلام والمسلمين عبر مرور الزمن من حرب تقليدية مباشرة إلى حرب عصرية حديثة تستعمل فيها العلوم والتقنية من اتصالات وأدوات إعلامية هدامة ماكرة الهدف منها نقل المعركة الى أرض المسلمين أنفسهم وزرع الشك والفرقة بين هؤلاء فبدل أن يتوحد المسلمون ضد أعدائهم يقتضي اسلوب المعركة الجديد تفرق المسلمين الى دويلات متناحرة والى فرق وطوائف يخون ويشكك بعضها البعض ويقاتل ويتواطأ ويتآمر احدها على الآخر .
لعل آخر الطرق التي ابتدعها الغرب عامة والو م أ خاصة فأجادوا ابتداعها لزرع الشك والفتنة والفرقة داخل البلاد المسلمة قضية الحرب على الارهاب المزعومة التي كان لبوش الابن حظ الاسد في نسج وحبك خيوطها فالحرب على الارهاب اليوم تعني لدى العام والخاص العالم والجاهل لدى المواطن العادي البسيط في جميع ارجاء المعمورة ولدى الدكتور والأستاذ في ارقى الجامعات حربا على الاسلام لا حربا على الارهاب كما يزعمون ذلك لأنه وبكل بساطة ماذا يعني أن تترافق حربهم المزعومة على الارهاب مع كل بؤر التوتر التي زرعوها هم على أراضينا زرعا شئنا نحن أم أبينا وماذا يعني أن تترافق حربهم هذه مع ما اطلقوا هم عليه عندنا بالربيع العربي الذي أثبتت الأيام زيف تسميته هذه فهو لم يعد سوى شتاءا ضاريا قاسيا أتت أعاصيره وعواصفه على الأخضر واليابس في أمة عرجاء أصلا لا تكاد تنهض من كبوة حتى تسقط في أخرى.
ماذا يعنى مرافقة حربهم اللعينة هذه مع ما صار يتردد كثيرا على مسامعنا وأنظارنا عبر وسائلنا الاعلامية المتورطة مع هؤلاء وإعلامهم المتآمر عن هذه الجماعات وهذه الفرق التي اطلقوا عليها هم تسميات عديدة ومتعددة فهذا تنظيم القاعدة وهذا تنظيم الجهاد في بلاد الرافدين وآخر تنظيم الجهاد في بلاد المغرب الاسلامي و جبهة النصرة وتنظيم الدولة الاسلامية في بلاد العراق والشام الذي أتى جنوده على كل من العراق والشام وعاثوا فيهما خرابا وفسادا وتقتيلا .
كل هذه القواعد وهذه التنظيمات وهذه الجبهات هي أبعد ما تكون عن الاسلام وهو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف عليه وعلى أبيه السلام كيف لها ان توصف بالإسلام وهي صناعة أياد غربية لعينة أبت على نفسها إلا أن تحيي أمجاد أجدادها السابقين ممن حملوا لواء حروب صليبية بغيضة لم يكتب لها إلا ان تكون شرارة ووقود نصر لهذا الدين والتمكين له من جديد .
اذا هي حرب يهودية صليبية جديدة على الإسلام والمسلمين تأخذ زمامها وتقودها دول غربية يتزعمها هولاكو و جنكيزخان العالم الجديد امريكا و زبانيتها الأدهى والأمر فيها أن أياد عربية ومسلمة كثيرة قد تلطخت بدمائها عن عمد أو عن سوء فهم ، الله أعلم بالنيات لكن ليعلم كل هؤلاء وليعتقدوا اعتقادا جازما أن زمن الاسلام آت لا محالة وأنه دين الله الباقي بقاء هذا الوجود قال تعالى : “يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا ان يتم نوره ولو كره الكافرون” صدق الله العظيم.